مازالت تداعيات مصادقة الشعب البريطاني على خروج مدينة الضباب من مظلة الاتحاد الأوروبي، تتصدر النشرات الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي وما يعرف بـ صالونات القرار، بالتزامن مع الانعكاسات المتتالية على الاقتصاد البريطاني بالدرجة الأولى وعلى منطقة اليورو، وباقي الأسواق العالمية، إذ اعتبرت نتيجة الاستفتاء حدثا مفصليا في تاريخ الاقتصاد العالمي والذي سيلقي بظلاله على الأحداث لفترة طويلة المدى.
وأكد خبراء ومحللون ماليون أن تتابع الأحداث وخاصة الضغوطات التي تمارسها بعض الدول الاوروبية على بريطانيا للإسراع بمغادرة مظلة الاتحاد، سيؤثر على الاقتصاد العالمي والاستثمارات المباشرة.
وتعالت في الآونة الأخيرة أصوات أوروبية تدعو لندن إلى سرعة توفيق أوضاعها، وكان آخرها ألمانيا التي اعتبرت تأخر بريطانيا في الخروج من الاتحاد سيضر بمنطقة اليورو بشكل عام.
اللاعبون الاستراتيجيون
وأوضح خبراء أن تلك التداعيات ستدفع باللاعبيين الاستراتيجيين في السوق البريطانية وتحديدا كبار المستثمرين من صناديق سيادية التي تملك اصولا بمليارات الدولارات إلى جانب المحافظ الاستثمارية لرجال الاعمال الاكثر ثراء، نحو اعادة ترتيب اولوياتهم تجاه واقع الاستثمار في بريطانيا وآفاقه، من بين الصناديق السيادية المعنية الصناديق والاجهزة الاستثمارية الخليجية التي سارعت خلال الايام الماضية الى تقييم الخسائر التي يمكن ان تسجل نتيجة انسحاب بريطانيا من الاتحاد الاوروبي، وهو ما يطرح السؤال عن كيفية تعامل هذه الصناديق مع الوضع الجديد وكيف ستوفق اوضاعها بما يجنبها خسائر مالية ضخمة محتملة، اضافة الى الوجهات المحتملة لهذه الصناديق لتعويض نزيف الاستثمار في بريطانيا.
لوسيل حملت هذه الاسئلة الى خبراء عالم المال والاعمال قطريين وخليجيين ورصدت آراءهم ونصائحهم للقائمين على هذه الصناديق، في ظل المستجدات الحاصلة.
تشير الاحصائيات الاخيرة الى وجود نحو 73 صندوقا سياديا في العالم، وتسيطر الدول الخليجية والمصدرة للنفط والغاز على نصيب مهم من اجمالي تلك الصناديق، حيث تظهر دراسة اجرتها مؤسسة إس دبليو إف أن إجمالي استثمارات الصناديق السيادية الخليجية اقترب من 2.688 تريليون دولار، أي ما يعادل أكثر من 37% من إجمالى موجودات صناديق الثروات السيادية العالمية، وتتوزع اغلب تلك الاستثمارات على قطاع العقارات بدرجة اولى ثم السياحة والطيران، والتكنولوجيا والسيارات، وصولا الى القطاعات المالية من خلال امتلاك اسهم واصول في البورصات العالمية.
يقول الخبير الاقتصادي علي حسن الخلف لـ لوسيل إن استمرار ردود الفعل نتيجة انسحاب بريطانيا سيؤثر بشكل مباشر وغير مباشر على مختلف الاستثمارات وحتى النوايا الاستثمارية التوسعية، مشيرا الى ان الادارة السياسية والاقتصادية بلندن اتخذت اجراءات مختلفة قبل الاقدام على الاستفتاء لمغادرة منطقة الاتحاد الاوروبي وتابع قائلا لا توجد مخاوف على النوايا الاستثمارية للصناديق السيادية الخليجية حتى لو وقع خفض للتصنيفات الائتمانية لبريطانيا كما لا يمكن تحديد انعكاسات الاحداث في ظرف وجيز من الزمن .
واوضح الخلف ان هناك التزامات اقتصادية تحرك الاستثمارات وفقا لقواعد وشروط، مشددا على ان الصناديق السيادية الخليجية قادرة على تعزيز قدراتها من خلال حلول مختلفة منها الدخول في مشاريع مشتركة او التوسع نحو العالم العربي والاسلامي.
حجم الاستثمارات (بوكس)
كشفت تقارير أن حجم الاستثمارت الخليجية في بريطانيا والمشكلة من صناديق سيادية ومستثمرين تفوق 250 مليار دولار، تشمل الاسهم والسندات والعقارات بالاساس، فيما يتوقع ان تتكبد تلك الاستثمارات خسائر مالية تناهز 45 مليار دولار على المدى المتوسط نتيجة انسحاب بريطانيا من الاتحاد الاوروبي، وانخفاض الجنيه الاسترليني، في انتظار اتضاح الرؤية اكثر خلال الفترة المقبلة واستكمال جرد الخسائر.
وعمدت مؤخرا بعض وكالات التصنيف الائتمانية العالمية، الى اعادة تقييم التصنيفات السابقة لبريطانيا، بل تخفيضها الى درجات اقل مع التشديد على ان النظرة المستقبلة سلبية او غير مستقرة، حيث قلصت وكالة ستاندرد اند بورز للتصنيفات الائتمانية آخر تصنيف ائتماني ممتاز لبريطانيا ونزلت بها درجتين عن مستوى AAA ليصبح AA مع نظرة مستقبلة سلبية، محذرة في نفس السياق من احتمال تخفيضات اخرى خلال الفترة المقبلة خاصة اذا تعمق نزول المؤشرات البريطانية، كما خفضت وكالة فيتش التصنيف السيادي لبريطانيا إلى AA من AA+، وقالت إن النظرة المستقبلية سلبية، مشيرة الى امكانية الخفض خلال المرحلة المقبلة للجدارة الائتمانية لبريطانيا، التي شرعت جديا في التفكير في خفض الانفاق ورفع الضرائب.
أما الخبير الاقتصادي الإماراتي نائل الجوابرة فأكد لـ لوسيل ان الصناديق السيادية شرعت في اعادة النظر للخطط الاستثمارية المضبوطة سلفا، مشيرا الى ان ابرز الصناديق التي تستثمر في بريطانيا تمثل كلا من قطر والسعودية والامارات باجمالي 100 مليار جنيه استرليني تتوزع على قطاع العقارات والسياحة، وتابع قائلا بما ان الاستثمارات بالمليارات فان حجم الخسائر سيكون كذلك بالمليارات.. ولا بد من الاشارة الى ان الخسائر انطلقت حتى قبل اجراء الاستفتاء حيث نزلت قيمة العقارات الى النصف .
وأوضح الجوابرة أن هناك سنتين امام بريطانيا للانسحاب بشكل كلي من الاتحاد الاوروبي، موضحا ان تلك فترة مناسبة للصناديق الخليجية لتقييم الاستثمارات والتأقلم مع الوضع الجديد، مشددا على ضرورة ايقاف عمليات البيع والشراء في بريطانيا خلال الفترة المقبلة الى حين اتضاح الرؤية بشكل كامل، توقع ان تكون وجهة الصناديق الاستثمارية خلال بقية العام الحالي والمقبل نحو دول الشرق كالهند والصين واليابان اضافة الى الدول العربية التي قال انها تتوفر على فرص استثتمارية واعدة وتوفر عوائد مالية ضخمة قد تقلص الخسائر الناتجة عن انسحاب بريطانيا من الاتحاد الاوروبي، وتابع قائلا أي تحرك من قبل دول الخليج في الوقت الراهن في محاولة لتقليص حجم هذه الخسائر ستكون عواقبه غير سليمة على هذه الاستثمارات، خاصة من خلال البيع نتيجة انخفاض اسعار الجنيه الاسترليني .
المناطق الواعدة
وشدد الجوابرة على أن الصناديق السيادية الخليجية مدعوة اليوم للبحث عن المناطق الواعدة بعيدا على القارات التي تعيش اضطرابات اقتصادية.
الى ذلك، اعرب اقتصاديون عن مخاوفهم من تراجع مستويات النمو في بريطانيا نتيجة ارتفاع معدلات التضخم وتواصل انخفاض العملة وعدم استقرارها على الاقل في الفترة المقبلة، اضافة الى امكانية ارتفاع كلفة اقتراض الشركات الخليجية التي ترغب في تأمين أموال أجنبية بسبب انخفاض اسعار النفط.
واوضح المحلل الاقتصادي العماني سعود الحارثي لـ لوسيل مدى عمق العلاقات الوطيدة التي تجمع بين بريطانيا ودول الخليج منذ زمن والتي جعلت من لندن سوقا جاذبا للاستثمارات الخليجية على المستوى الفردي ومؤسسات شركات القطاع الخاص او الحكومي التي تشرف على إدارة الصناديق السيادية التي تأتي 4 من دول الخليج ضمن قائمة الدول التي تمتلك أكبر عشرة صناديق سيادية في العالم وهي قطر والسعودية والإمارات والكويت .
وبين الحارثي ان تبعات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ستكون مكلفة على الاستثمارات الخليجية ليس في بريطانيا وحدها ولكن حتى في دول الاتحاد الأوروبي نفسها التي قد يتعرض الاقتصاد فيها إلى انكماش متوقع بسبب خروج بريطانيا، وتابع قائلا الانعكاسات الحقيقية تتطلب بعض الوقت لتبين حجمها ومستواها، فما زالت أحجام استثمارات الصناديق السيادية الخليجية في كل من بريطانيا او دول الاتحاد غير معروفة وغير معلنة ولا في قطاع من القطاعات الاقتصادية هل في الأسهم أم السندات أم العقار أم السياحة أو مشاريع استثمارية أخرى. ولكن مما لا شك فيه أن ضعف الجنيه الاسترليني أمام الدولار والعملات الرئيسية الأخرى وخروج مؤسسات مالية من بريطانيا وتدفقات السيولة الخارجية وتخفيض تصنيف بريطانيا من قبل مؤسسات التصنيف الائتماني سيكون لها تأثيرها على الاستقرار المالي ومن ثم على الاستثمارات الخليجية بشكل عام والصناديق السيادية بشكل خاص .
دروس عميقة
وقال الحارثي ان الازمة المالية العالمية التي شهدها العالم في 2008 والتي ادت الى خسائر كبيرة في الاستثمارات الخليجية والأزمة البريطانية الأوروبية اليوم تقدم دروسا عميقة ينبغي اقتناصها لأخذ أعلى درجات التحوط في إدارة استثمارات الصناديق السيادية، اعتبر انه من الواجب التركيز على الاستثمارات الداخلية في بلدان الخليج والعمل على تطوير وتنمية القطاعات السياحية والسمكية والصناعية والبشرية في كل دولة وبما يعزز من قيمة الموارد ويرفع من النمو الاقتصادي، اضافة الى توزيع الاستثمارات على أكثر من قطاع استثماري وسوق عالمي والتحوط في عملية الاختيار بما يحقق أعلى عائد وأقل نسبة مخاطرة، مضيفا كما يجب الاتجاه إلى الاستثمار الصناعي المعرفي باعتباره المحرك الأساسي للإنتاج والنمو الاقتصادي في عالم اليوم مع الاعتماد على هيئة خبراء متخصصين في مجال توجيه اموال الصناديق السيادية والقدرة على التعامل مع الأزمات الطارئة .
ودعا الحارثي الى التعامل بشفافية مع هذا النوع من الاستثمارات وتابع قائلا ما زالت الأرقام ومجالات الاستثمار والأسواق أو المناطق التي يتم الاستثمار فيها غير معلنة وتؤثر فيها أحيانا القرارات أو العلاقات السياسية ومن الواجب التعامل بشفافية حتى يكون الجميع على بينة من الأوضاع .