تستفيد من سمعتها العالمية وثقة العملاء.. خبراء:

انخفاض الكلفة يمنح قطر أولوية إحداث ثورة في أسعار الغاز

لوسيل

شوقي مهدي

قال خبراء في صناعة الغاز الطبيعي المسال إن قرار شركة قطر للغاز بالتخلي عن الأسعار المرتفعة سيحدث ثورة في المصدرين العالميين في مجال الأعمال ويشكل ضغطاً علي من يتصارعون على فرض تعريفات مواتية.

وقال الدكتور فريدون فيشاراكي، رئيس مجلس إدارة شركة FGE FACTS Global Energy الاستشارية في مجال الطاقة ومقرها لندن إن هذا التحول الكبير سيكون له عواقب بعيدة المدي حيث تسعي البلاد للحصول على حصة كبيرة من الموجة التالية لنمو الطلب على الغاز، وتزيد من احتمال مزيد من العملاء الحاليين الذين تمسكوا بعقود أغلى ثمناً بمراجعة الأسعار في ظل سعي المشترين التقليديين لتنويع العرض.

وأضاف الدكتور فيشاراكي، أحد أكثر المطلعين على السوق أن قطر تستفيد من سمعتها القوية وتكاليفها المنخفضة لمنع الآخرين والحصول على حصة كبيرة من الموجة القادمة من نمو الطلب. وتابع يجب أن تكون جميع المشاريع الجديدة جاهزة لتنافس سياسة الأسعار الجديدة في قطر .

هيمنة على السوق

وبالرغم من تبوؤها المرتبة الثانية كأكبر مصدر للغاز بعد استراليا، الا أن قطر بالفعل هي المنتج الأقل تكلفة في العالم، وتعيد تأكيد هيمنتها وزيادة قدرتها على إنتاج الغاز المسال ليصل الي 110 ملايين طن سنوياً وتخفيف الاسعار، وسيتم استكمال صادراتها بمشروع محطة غولدن باس في تكساس الذي تقوم بتطويره مع شركة اكسون موبيل الأمريكية.

وقال ان قطر بدأت الشهر الماضي تقديم الغاز الطبيعي المسال علي المدي الطويل منخفضاً مقابل النفط الخام.

ويمثل (المنحدر) مؤشر سعر الغاز الطبيعي المسال إلي النفط الخام حيث يمثل 16.7% من سعر برميل النفط الخام، وعند سعر خام برنت حوالي 71 دولارا للبرميل يخفض هذا التحول سعر الغاز الطبيعي المسال الي ما يقرب من 7.80 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية بانخفاض حوالي دولار واحد.

وأضاف الدكتور فيشاراكي أنه على الرغم من أن الأسعار المنخفضة لم تقدم بعد لليابان أكبر مستورد في العالم الا أنه يتوقع استمرار السياسة وتوسيع نطاقها. وبالنسبة لاستراليا يؤثر هذا التحول على الشركات التي تتطلع لإبرام عقود مبيعات طويلة الأجل لدعم المشروعات الجديدة ويشمل ذلك شركة (وود سايد بتروليوم) بمشروع (سكاربورغ بولتو2) الذي تبلغ تكلفته 12 مليار دولار ومشروع بقيمة 20 مليار دولار في غرب استراليا.

وأضاف، التغير في السياسة من جانب قطر يغير الصعوبات في سوق الغاز الطبيعي المسال، الذي يعاني من وفرة في العرض أدت إلى انخفاض الأسعار الفورية الآسيوية إلى أدنى مستوياتها منذ ثلاث سنوات في مارس وهي تتصارع مع حرب التعريفة الأمريكية الصينية المتصاعدة التي أثرت بالفعل على صادرات الغاز الأمريكي إلى الصين.

تغييرات واسعة في السوق توفر مرونة للعملاء

وبموضع سؤال، هل تؤثر العولمة على المنتجين التقليديين للغاز الطبيعي، يقول سعادة الشيخ خالد بن خليفة آل ثاني، الرئيس التنفيذي لشركة قطر غاز في حوار مع مجموعة إكسفورد للأعمال، إن شركات الغاز الطبيعي المسال لعبت دورًا رئيسيًا في تطوير تجارة الغاز الطبيعي العالمية. في بداية التسعينيات، لم يكن هناك سوى تسع دول منتجة للغاز الطبيعي المسال وثمانية مستوردين فقط بحلول عام 2017، ارتفع هذا العدد إلى 18 دولة مصدرة و 37 مستوردًا. في عام 2017، بلغ إجمالي حجم الغاز الطبيعي المسال المستورد 290 مليون طن، مع توفير 27 ٪ على أساس فوري أو قصير الأجل.

وتعكس الزيادة في هذه التجارة تغييرات أوسع في السوق، مما يوفر المزيد من المرونة للعملاء يتيح موقعنا الجغرافي تزويد الأسواق في أوروبا وآسيا والأمريكتين، مع توفير إمكانيات أكبر للترجيح والاختيار بين الأسواق الثلاثة.

ولا تزال مشاريع الغاز الطبيعي المسال الجديدة كثيفة رأس المال، وتتطلب تمويلًا من طرف ثالث، ومع استمرار العملاء في تقييم أمان التوريد، ينبغي أن تستمر العقود طويلة الأجل في السيطرة على الصناعة. الفرق الوحيد هو أن متوسط مدة هذه العقود قد اختصر من 20-25 سنة في الماضي إلى 10-15 سنة حاليًا ؛ يقدم المنتجون أيضًا مزيدًا من المرونة فيما يتعلق بالشروط الرئيسية بما في ذلك الحجم والموسمية والوجهة.

وبحسب الباحث تامر بدوي في تقرير نشرته الجزيرة، فإن اتجاهات أسعار الغاز المسال تعتمد بشكل كبير على متغيرات سوق النفط لارتباط معظم عقود الغاز المسال بآلية التسعير النفطي. فهناك ما يشير إلى أن اتجاهات أسعار الغاز قد تعود للارتفاع على خطى أسعار النفط. فتراجع الاستثمار في الاستكشاف والاستخراج بشكل معتبر من المفترض أن يدفع إلى تراجع حجم المعروض مما سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الخام.

قدرة على تجاوز التحديات والوفاء للعملاء

واستطاعت قطر أن ترسخ مكانتها كواحدة من أكبر منتجي ومصدري الغاز الطبيعي في العالم، في ضوء ما أثبتته من قدرة على تجاوز التحديات والوفاء للعملاء. بالرغم التنافسية العالية من استراليا وامريكا وروسيا.

وفي العام الماضي 2018 بلغت الصادرات القطرية من الغاز نحو 80 مليون طن بعد إضافة 28 مليون، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 9.6 في المائة على أساس سنوي. قادتها كل من أستراليا، تليها الولايات المتحدة وروسيا.

وحسب بيانات نشرتها وكالة بلومبيرغ الأمريكية سجلت صادرات الولايات المتحدة نمواً بنسبة 53.2 % إلى 22 مليون طن، بدعم من شركة Cove Point LNG الجديدة، تبعتها روسيا بنحو 19 مليون طن من الصادرات، حيث ارتفعت بنسبة 74 % اثر بدء إنتاج في مشروع يامال للغاز الطبيعي المسال في وقت سابق من العام الماضي. في حين عانت ماليزيا من أكبر انتكاسة بسبب الانقطاعات في أوائل عام 2018.

تجاوز التحديات

في حوار مع قنا أكد الأمين العام لمنتدى الدول المصدرة للغاز يوري سنتيورين، أن قطر رسخت مكانتها كواحدة من أكبر منتجي ومصدري الغاز الطبيعي في العالم، في ضوء ما أثبتته من قدرة على تجاوز التحديات والوفاء للعملاء.

وتوقع سنتيورين، أن تستمر قطر في لعب دور رئيسي في أسواق الغاز الطبيعي العالمية، وتحافظ على مكانتها كواحدة من أكبر الدول التي تملك احتياطات من الغاز الطبيعي في العالم، مدعومة بإمكانات كبيرة لتطوير مصادرها من الغاز الطبيعي، وزيادة صادراتها من الغاز المسال.

وأضاف أن قرار قطر الأخير بزيادة مستوى إنتاجها من الغاز الطبيعي المسال من 77 مليون طن إلى 110 ملايين طن سنويا، سيساهم في تحسين موقعها كواحدة من أكبر المصدرين الرئيسيين للغاز الطبيعي المسال إلى الأسواق العالمية، وسيزيد من تحسين مكانتها كأكبر مورد موثوق للغاز الطبيعي المسال لبقية العالم.

وأشاد بوفاء قطر لعملائها في أصعب اللحظات، مبينا أن دعمها لليابان خلال فترة تراجع شرائها للغاز الطبيعي المسال عقب كارثة فوكوشيما دليل ساطع على ذلك الوفاء للعملاء، لافتا إلى أن قطر استرجعت مكانتها كأكبر مصدر سنوي للغاز الطبيعي المسال، حيث صدرت في يناير الماضي 6.9 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال، مدعومة بالعديد من العوامل من بينها الكميات الكبيرة المنتجة من حقل الشمال، والقدرة على التخزين، وتكلفة الإنتاج المنخفضة وغيرها.

وأعلنت قطر خطة لزيادة إنتاجها من الغاز الطبيعي المسال بنسبة 42 % ليبلغ حجم الانتاج نحو 110 ملايين طن في العام 2024.

وعلى صعيد آخر قال تقرير لوكالة الطاقة العالمية ان الإنتاج العالمي للغاز الطبيعي سيزيد عشرة بالمائة بحلول 2023 إلى 4.21 تريليون متر مكعب مع مساهمة الولايات المتحدة بأكبر كمية في نمو الغاز الإضافي البالغ 160 مليار متر مكعب لتلك الفترة. وسيجري تسييل معظم الغاز الفائض للتصدير، لتصبح الولايات المتحدة ثاني أكبر بائع للغاز المسال بحلول 2023 بكمية قدرها 101 مليار متر مكعب مما سينزل باستراليا إلى المركز الثالث بكمية قدرها 98 مليار متر مكعب وتظل قطر أكبر مصدر للغاز المسال بكمية قدرها 105 مليارات متر مكعب.

كيفية أنظمة تسعير الغاز الطبيعي المسال

كيف يتم تسعير الغاز الطبيعي المسال؟ وفقاً لمقالة الباحث تامر بدوي يوجد نظامان لتسعير الغاز المسال وخاصة في السوق الآسيوي، الأول -المهيمن على تجارة الغاز المسال- هو المرتبط بسعر النفط (Oil-Indexation). ووفقا لهذا النظام يمثل سعر الوحدة الحرارية من الغاز المسال في عقود التوريد الطويل المدى (عشرون عاما مثلا) 10% إلى 14% من سعر برميل خام برنت القياسي. وفي ظل استمرار العمل بهذا النظام يستمر ارتباط أسعار الغاز المسال بأسعار الخام في الأسواق العالمية.

ويتمسك كبار مُصدري الغاز الطبيعي الجاف والمسال بهذا النظام، وعلى رأسهم قطر وروسيا والجزائر، في مقابل سعي كبار مستوردي الغاز المسال الآسيويين (بالإضافة لمستوردي الغاز الجاف الأوروبيين) في السنوات الماضية إلى فك الارتباط إذا بقي سعر برميل النفط فوق مستوى المائة دولار.

أما النظام الثاني فهو آلية التسعير النفطي، وهو يتصل بصورة رئيسية بنظام سوق التسليم الفوري (Spot Market) الذي يتحرك سعر الغاز المسال فيه وفقا لآليات العرض والطلب بشكل منفصل عن سعر خام النفط.

وجذبت صناعة الغاز المسال بالولايات المتحدة (مدفوعة بثورة الغاز التقليدي في السنوات الأخيرة) كبار المستوردين الآسيويين إلى نظام تسعير التسليم الفوري الذي تباع فيه الوحدة الحرارية من الغاز المسال بسعر يقل عن سعرها وفق نظام التسعير النفطي في ارتفاع أسعار الخام.

وبدأ العمل بهذا النظام يتوسع تدريجيا مع اتجاه الدول المستوردة للغاز إلى بيع فوائضها في الأسواق. في المقابل، يعارض كبار مُصدري الغاز المسال هذا النظام الذي يسعى لتقويض نظام التسعير النفطي، والذي يحقق لهم عائدات مرتفعة في فترات ارتفاع أسعار النفط.

وبينما كانت الخطط المستقبلية لتصدير الغاز المسال الأميركي إلى آسيا تكتسب تنافسيتها من تسعيرة هنري (Henry Hub) السوقية، أصبحت هذه الخطط والعديد من المشروعات الناشئة في خطر كبير، بسبب تراجع أسعار النفط إلى ما دون الثمانين دولارا للبرميل.