طالب أساتذة جامعيون ومستثمرون بضرورة تعزيز دور التمويل الأخضر في السوق المحلي خلال الفترة المقبلة، بما يتماشى مع متغيرين أساسيين، الأول هو النمو الكبير الذي تشهده الصيرفة الإسلامية في السوق المحلية، والإقبال المكثف على المعاملات المالية الإسلامية والتمويل الذي يتوافق بدرجة أولى مع أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية سواء من قبل العملاء في السوق المحلية أو حتى من العملاء الأجانب، أما المتغير الثاني الأساسي هو مواكبة الخطط الإستراتيجية التي وضعتها الدولة طيلة الفترة الماضية، من أجل تحقيق التنمية المستدامة، والوصول إلى مرحلة الاقتصاد الخضراء الصديق للبيئة، بما يحفظ البيئة والمناخ بدرجة أولى ومن ثم يحقق الاستدامة للأجيال المقبلة وبما يضمن حقهم في مناخ وبيئة صحيين، هذا بالإضافة إلى مواكبة التحول العالمي نحو عمليات التمويل الإسلامي وبداية انتشار التعاملات بالصكوك الخضراء في العديد من الدول الآسيوية الإسلامية والتي تعتبر من الدول الرائدة كذلك في مجال الصيرفة الإسلامية على غرار دولة إندونيسيا، ودولة ماليزيا التي تعد من أكبر وأول الدول التي قامت بإصدار صكوك خضراء سواء من خلال مؤسساتها المالية والاقتصادية، من خلال الحكومة الماليزية والتي قامت خلال الأيام القليلة الماضية بإصدار صكوك خضراء سيادية بهدف جمع تمويلات تتجاوز قيمتها المليار دولار أمريكي بهدف توظيف تلك التمويلات في مشاريع مجتمعية وتنموية وبيئية خلال الفترة المقبلة ووفقا للأنظمة التي تم على ضوئها إصدار تلك الصكوك الخضراء المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، بالإضافة إلى المشاريع المؤهلة والمتوافقة مع أجندة أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، مما يمكِّن دولة ماليزيا من الوفاء بالتزاماتها بصفتها أحد الموقعين على اتفاقية باريس للمناخ.
وشدد الخبراء والمحللون الماليون الذين تحدثوا إلى ملحق رمضانيات الصادر عن لوسيل على أن البنوك التي تعمل وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية بالإضافة إلى بقية الشركات المالية والاستثمارية والصناعية وغيرها من الشركات التي تزاول أنشطتها وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية، جميعهم مطالبون بالاستفادة من الخطوات الحثيثة والتشريعية والرقابية والتنظيمية الموجودة في الدولة، والعمل على إيجاد آليات وحلول مالية وتقنية تمويلية للاستفادة من الصكوك الخضراء المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، خاصة أن هذا النوع من التمويلات هو حديث النشأة وبالتالي فإن السوق المالية سواء على الصعيد المحلي أو حتى على الصعيد العالمي ستكون غنية وزاخرة بالفرص الاستثمارية في هذا النوع من الصكوك التي قد يستقطب العديد من رجال الأعمال وكبار المستثمرين وحتى من الصناديق السيادية وصناديق التقاعد العالمية، التي تبحث عن استثمارات آمنة وبعوائد ثابتة تحقق العائد المستدام، خاصة أن الصيرفة والتمويل المتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية من أكثر المجالات المالية والمصرفية أمنا واستقرارا مقارنة بالمالية والصيرفة التقليدية التي تتسم بالتقلبات والمخاطر العالية نظرا لارتباطها بالمتغيرات العالمية بشكل كبير بالإضافة إلى دخولها في العديد من الاستثمارات ذات المخاطر العالية، وبما يجعلها دائمة التذبذب على مدى فترة الاستثمار سواء كان على المدى المتوسط أو المدى البعيد، خاصة في ظل التحديات التي أصبح يواجهها العالم بشكل مباشر وصريح ومنذ العام الماضي على وجه التحديد.
وفي ذات الإطار، فقد علم ملحق رمضانيات الصادر عن لوسيل من مصادر مصرفية مطلعة أن عددا من البنوك والمصارف الإسلامية العاملة في الدولة تعكف حاليا على دراسة إمكانيات توسيع عملياتها المتعلقة بالتمويل الأخضر والذي يندرج في إطار تطوير وتعزيز المبادرات المتعلقة بالاقتصاد الأخضر والذي انخرطت فيه دولة قطر خلال السنوات الماضية. كما نوهت ذات المصادر في حديثها إلى أن هذه الالتفاتة إلى التمويل الأخضر بعد نجاح مجموعات مصرفية رائدة في السوق المحلي والإقليمي والعالمي في طرح جملة من المبادرات التمويلية التي تدخل ضمن المبادرة الشاملة للتمويل الأخضر حتى وإن كان لدى البنوك التقليدية، وهو ما قد يكون محفزا للبنوك التي تعمل وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية على خوض تجربة التمويل الأخضر والصكوك الخضراء، بالإضافة إلى ذلك فإن مجموعة من المنتجات الائتمانية التي طرحتها البنوك التقليدية قامت في السوق المحلي كالقروض العقارية الخضراء والتي تمنح لأصحاب القروض العقارية الجديدة المهتمين بيئيًا بشروط تمويل ميسرة، بالإضافة لمبادرات بنك قطر للتنمية الذي يقدم تمويلات للشركات الصغيرة والمتوسطة في مجالات الزراعة والثروة الحيوانية وصيد الأسماك بهدف تحقيق هدفين أساسيين وهما تمكين الشركات المحلية وتحقيق الاكتفاء الذاتي، لعلها تكون كذلك حافزا ودافعا أساسيا للدخول في هكذا تمويلات.
وأشارت ذات المصادر إلى أن الجهات الرقابية على القطاع المالي والمصرفي في الدولة تعمل بشكل دائم ومستمر على دراسة الإمكانيات المتاحة في سبيل إصدار أوراق تمويل خضراء سواء كانت تقليدية أو متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية في الأسواق المحلية خلال الفترة القليلة المقبلة أو من خلال إيجاد أطر قانونية وتشريعية تجيز للبنوك والمصارف الإسلامية طرح سندات وصكوك خضراء أو بالتنسيق مع عدد من الجهات العاملة في الدولة والمؤسسات الاقتصادية والمختصة في مجال الاقتصاد الأخضر من أجل طرح تلك الأوراق المالية بهدف تمويل مشاريعها في مجال البيئة والزراعة وغيرها من المشاريع التي تقوم على مبدأ حماية البيئة والمحافظة على الاستدامة الخضراء في ظل التحديات التي يواجهها العالم من أجل الحفاظ على البيئة.
تعرف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التمويل الأخضر على أنه تمويل يستهدف تحقيق النمو الاقتصادي مع الحد من التلوث وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وتقليل النفايات إلى الحد الأدنى، وتحسين كفاءة استخدام الموارد الطبيعية. إلى ذلك، فإنه طيلة السنوات الماضية عرف التمويل الأخضر على الصعيد العالمي نموا سريعا، في ظل تطوير أدوات مالية مثل السندات المصنفة باعتبارها خضراء والصكوك غير المصنفة، والقروض الخضراء، وصناديق الاستثمار الخضراء، والتأمين الأخضر، والصكوك الخضراء التي صدرت في الآونة الأخيرة. وعلى الرغم من إصدار أول سندات خضراء في عام 2008، فقد تطور السوق بشكل كبير لحشد التمويل لصالح أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر من خلال توفير الهياكل المبتكرة والتصنيفات والأطر الحاكمة.
أما الصكوك الخضراء فهي نوع من الأدوات المالية الإسلامية التي تتيح للمُصَدرين استخدام عائداتها لتمويل الاستثمارات في الطاقة المتجددة أو الأصول البيئية. وقد قامت شركة تاداو إنيرجي بإصدار أول صك أخضر في ماليزيا في يوليو 2017، وبلغت قيمة ذلك الصك 250 مليون رينغيت ماليزي بما يعادل 58 مليون دولار لتمويل مشروع للطاقة الشمسية في البلاد. وبعد هذا الظهور الأول للصكوك الخضراء، سجلت الأسواق المزيد من الإصدارات في ماليزيا وفقاً لمبادئ الاستثمار المستدام والمسؤول في البلاد.
كما يندرج التمويل الأخضر ضمن مصطلح الاقتصاد الأخضر بمفهومه الشامل، ويعرف كذلك التمويل الأخضر وفقا للتعريفات الدولية وفي مقدمتها مؤسسة التمويل الدولية على أنه الاستثمارات والقروض التي تمول المشاريع الهادفة إلى حماية البيئة والمحافظة على الموارد الطبيعية، حيث ظهرت في أعقاب المخاوف البيئية المتزايدة، حيث اشتد التركيز على التمويل الأخضر وبحسب مؤسسة التمويل الدولية فقد سجلت القروض المخصصة لتمويل المشاريع في القطاعات التي تركز على الأنشطة الخضراء نسبة 15% من إجمالي قيمة القروض المجمعة فيما تصل قيمته إلى مستوى 1100 مليار دولار في 2014.
ويعرف الاقتصاد الأخضر على أنه ناتج تحسن الوضع الاقتصادي ومع الحد من المخاطر البيئية وندرة الحياة البيئية، والذي يؤدي إلى تحسين المساواة والرفاه الاجتماعي. الاقتصاد الأخضر هو نموذج للتنمية الاقتصادية على أساس التنمية المستدامة ومعرفة الاقتصاد البيئي. كما هو نوع من الطرق المنظمة لإنشاء مجتمع وبيئة نظيفة ترفع من المستوى الاقتصادي وتدفع المجتمع نحو حياة أفضل، وتحافظ على موازنة البيئة من جميع أشكال التنوع البيئي. إلى ذلك، فإن بعض التقديرات تشير إلى أن التمويل الأخضر تجاوز مستوى 150 مليار دولار. كما تشير توقعات صادرة عن المفوضية العالمية للاقتصاد والمناخ الضوء على أن التحوّل إلى نهج مستدام منخفض الكربون للنمو يمكن أن يؤدي إلى ازدهار اقتصادي يبلغ 26 تريليون دولار حتى عام 2030، بالإضافة الى المساعدة على ما يزيد عن أكثر من 65 مليون فرصة عمل جديدة.
وفي هذا الإطار، تقول الدكتورة دلال عسولي أستاذ مساعد ومنسق برنامج ماجستير العلوم في التمويل الإسلامي بكلية الدراسات الإسلامية في جامعة حمد بن خليفة إن سوق الصكوك يعد من أسرع القطاعات نموًا في القطاع المالي الإسلامي، حيث يبلغ إجمالي الأصول المالية الإسلامية العالمية وإصداراتها الجديدة قرابة 24.2%، بقيمة إجمالية بلغت 93 مليار دولار في عام 2018، وفقًا لمجلس الخدمات المالية الإسلامية، كما تتسم الصكوك بالكفاءة باعتبارها سندات إسلامية، أداة مبتكرة لتمويل المشاريع الخضراء، وتُسهّل متطلبات دعم الأصول الخاصة بهذه الصكوك ارتباطها بالاقتصاد الحقيقي، وبالتالي توسع نطاق القطاعات البيئية التي يمكن تمويلها، بالإضافة إلى ذلك، تمكن هيكلة الصكوك بطرق مختلفة، باستخدام عقود إسلامية فردية أو مختلطة، مثل عقود الوكالة والشراكات والتأجير، حيث تسهل هذه المرونة الابتكار المالي في تلبية احتياجات التمويل المحددة.
كما تشير إلى أن الصكوك الخضراء يمكن أن تسهم في تحقيق تسعة من أهداف التنمية المستدامة، وهي المتعلقة بالصحة الجيدة والرفاهية والتعليم الجيد، والمياه النظيفة والبنية التحتية، والطاقة النظيفة بأسعار معقولة، والعمل المناسب والنمو الاقتصادي، والصناعة والابتكار والبنية التحتية، والمدن والمجتمعات المستدامة، والاستهلاك والإنتاج المسؤولين والإجراءات المناخية.
وأشارت إلى أنه مع التحديات الناشئة عن تغير المناخ، التزمت الحكومات بالعديد من تدابير السياسة التي تعزز الانتعاش الأخضر لإعادة بناء اقتصاداتها، مشيرة إلى أن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية قدرت أن الموارد العامة التي خصصتها الحكومات لدعم التعافي الأخضر تبلغ على الأقل 312 مليار دولار أمريكي، حيث توفر هذه التدابير فرصًا هائلة للتمويل الأخضر بشكل عام، والتمويل الإسلامي الأخضر على وجه الخصوص، في البلدان ذات الأغلبية المسلمة.
وقالت إن دولة قطر، في ضوء رؤيتها الوطنية 2030، ومن أجل تعزيز تنويع اقتصادها بعيدًا عن الهيدروكربونات اتخذت عدة إجراءات للتخفيف من تغير المناخ. وتشمل هذه زيادة استخدام الطاقة الشمسية إلى أكثر من 20٪ من مزيج الطاقة بحلول عام 2030، والاستخدام الأمثل للمياه، وتحسين جودة الهواء، وإعادة تدوير النفايات، وزيادة المساحات الخضراء، بالإضافة إلى التزام الدولة باستخدام الملاعب التي تعمل بالطاقة الشمسية وتكنولوجيا التبريد والإضاءة الموفرة للمياه والطاقة. والدولة هي أيضًا من الدول الموقعة على اتفاقية باريس بشأن تغير المناخ وتدعم عددًا من المبادرات العالمية المتعلقة بالتخفيف من آثار تغير المناخ، وعليه يمكن تمويل كل هذه المبادرات من خلال التمويل الأخضر، مضيفة أنه هناك أربعة اتجاهات عالمية في الصناعة المالية يمكن لدولة قطر الاستفادة منها لتعزيز التمويل الأخضر.
وأشارت إلى أنه على الرغم من أن سوق التمويل الأخضر لا يزال في مرحلة مبكرة من التطور في الدولة، فقد شهد السوق العديد من المبادرات من قبل المؤسسات المحلية التي قد تمهد الطريق لتطوير سوق أكثر ديناميكية، مضيفة أن تطوير الصكوك الخضراء في الدولة مع التمكين يمكن للنظام البيئي أن يسهل إصدار صكوك الشركات، وبالتالي سيساهم في تعزيز سيولة السوق، وسيتطلب تعزيز التعافي الأخضر بما يتماشى مع أهداف التنويع الاقتصادي للدولة وإستراتيجيات التخفيف من آثار المناخ تطوير نظام بيئي موات لتنمية التمويل الأخضر في قطر. إن تطوير مجموعة من المشاريع الخضراء القابلة للتمويل على المستوى القطري، والوعي بالسوق، وتعزيز التآزر بين التمويل الإسلامي والتمويل الأخضر سيوفر الأساس لمزيد من الابتكار .
من جهته، يرى المستثمر ورجل الأعمال يوسف أبوحليقة ضرورة أن تعمل المؤسسات والشركات العاملة في الدولة على الاستفادة من الفرص الكامنة في السوق المالي من خلال التمويل الأخضر قدر الإمكان، وبما يساهم في توفير السيولة اللازمة لخوض مجموعة من المبادرات التنموية التي تتماشى مع أهداف التنمية المستدامة والاتفاقيات الدولية، بما فيها اتفاقية باريس للمناخ، بالإضافة إلى معاضدة مجهودات الدولة قدر الإمكان في سبيل تحقيق التحول نحو الاقتصاد الأخضر من خلال اعتماد مبادرات حقيقية تعكس حجم سوق التمويل الإسلامي في الدولة وبما يساهم في استقطاب العديد من التدفقات النقدية والمالية من العديد من الدول خاصة أن المؤسسات والشركات العاملة في الدولة قطعت أشواطا متقدمة في مجال تطوير قوانينها الأساسية وفي مقدمتها رفع نسب التملك بالنسبة للأجانب في العديد من القطاعات الاستثمارية.