وقفت الولايات المتحدة أمس الأول وحيدة في مجلس الأمن الدولي، لتدافع عن قرار رئيسها دونالد ترامب الاعتراف بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان السورية المحتلة، فقد عارض القرار بالإجماع شركاؤها الـ 14 الآخرون في المجلس، خلال جلسة طارئة عقدت بطلب من سوريا، وأكد المتحدثون، خلال الجلسة، أن اعتراف الرئيس ترامب تجاهل للقانون الدولي وانتهاك لقرارات الأمم المتحدة، ويتعارض مع الإجماع الدولي الذي تم الالتزام به حتى الآن، وقال المتحدثون إن الأسس التي اتفقت عليها الأسرة الدولية من أجل سلام دائم في الشرق الأوسط ليست خيارات أو قائمة يمكن الانتقاء منها.
وفي هذا الصدد، أكدت دولة قطر منذ أيام على موقفها المبدئي الثابت بأن هضبة الجولان أرض عربية محتلة، وأعربت عن رفضها بأشد العبارات لأي محاولات للقفز فوق القرارات الدولية التي تؤكد تبعية الجولان المحتلة لسوريا، وتصف استيلاء إسرائيل عليها بالاحتلال. وقالت وزارة الخارجية، في بيان، إن دولة قطر تؤكد أن مساعدة الاحتلال الإسرائيلي على ازدراء القرارات الأممية ذات الصلة بهضبة الجولان المحتلة وخصوصا قرار مجلس الأمن رقم 497 لسنة 1981 لن تغير من حقيقة أن الهضبة أرض عربية محتلة ، مشيرة إلى أن فرض إسرائيل قوانينها وولايتها وإدارتها على الجولان يعد باطلا ولاغيا ودون أي أثر قانوني . ومنذ احتلال إسرائيل هضبة الجولان وضمها بموجب قانون صدر عن الكنيست في 14 ديسمبر 1981، أصدرت هيئات الأمم المتحدة قرارات عديدة أكدت تبعية هذه المنطقة لسوريا، ووصفت الاستيلاء الإسرائيلي عليها بالاحتلال، وطالبت تل أبيب بإلغاء قرارها الذي فرض قوانينها وولايتها وإدارتها على الجولان السوري المحتل، واعتبرته لاغيا وباطلا ودون أي أثر قانوني. وجاء قرار ترامب بعد أن أعلن الكيان الإسرائيلي على لسان رئيس وزرائه بنيامين نتنياهو، أنه سيحتفظ بهضبة الجولان السورية إلى الأبد.
احتلال الجولان
كانت إسرائيل قد احتلت الجولان خلال حرب يونيو 1967، إلى جانب احتلالها لكل من الضفة الغربية وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء، وفي العام 1981، أعلنت إسرائيل ضم الجولان إليها، ولم تعترف أي دولة في العالم بما فيها الولايات المتحدة بهذا الضم. وقد حاولت سوريا استعادة هضبة الجولان حربا كما حدث في أكتوبر 1973، أو سلما كما حدث خلال مفاوضات السلام في تسعينيات القرن الماضي، والتي كانت تقوم على مبدأ الأرض مقابل السلام، وبعد توقف الحرب وإعلان الهدنة عام 1974، تم نشر قوة مراقبة دولية في المنطقة الفاصلة منزوعة السلاح في الجولان تضم ثمانمائة مراقب، لمنع الاحتكاك بين القوات السورية والإسرائيلية.
وتبلغ مساحة هضبة الجولان الكاملة 1860 كم مربعا، أي ما يعادل 1% من مجمل مساحة سوريا البالغة أكثر من مائة وخمسة وثمانين ألف كيلو متر مربع، وتقع في أقصى جنوب غربي سوريا، على بعد 60 كم من العاصمة دمشق، وتمتد من جبل الشيخ شمالا حتى وادي نهر اليرموك جنوبا، يحاذيها من الغرب سهل الحولة وبحيرة طبريا، حيث يشكل نهر الأردن الذي يخترقهما الحد الدولي بين سوريا وفلسطين، أما من الشرق فيحدها مجرى وادي الرقاد، وبهذا فإن الهضبة محاطة بالأودية من ثلاث جهات، وينبع منها رافدان لنهر الأردن هما البانياسي واللداني، كما تنبع من الهضبة عدة عيون.. أما في الجنوب فيجري نهر اليرموك الذي تبلغ غزارته 490 مليون متر مكعب سنويا.
ثروات الهضبة
وتحتل الجولان المرتبة الأولى بين المحافظات السورية من حيث خصوبة التربة وغناها الطبيعي وتوفر المراعي على امتداد السنة، كما تتوافر فيها المياه عن طريق الأمطار والأنهار مثل نهر الأردن ونهر بانياس الذي يشكل ثاني روافد نهر الأردن، ونهر اليرموك الذي يبلغ طوله 57 كيلو مترا يسير منها 47 كيلو مترا داخل الأراضي السورية معظمها في الجولان، ونهري زاكية ومسعدية اللذين يصبان في بحيرة طبريا، وإضافة إلى هذه الأنهار هناك الكثير من الينابيع والعيون.. وتبلغ كمية المياه التي تختزنها هضبة الجولان سنويا حوالي 1.2 مليار متر مكعب.
ويبلغ تعداد سكان الجولان المحتلة 20 ألفا من العرب المتمسكين بهويتهم العربية وجنسيتهم السورية ويرفضون الجنسية الإسرائيلية، كما يقطن الهضبة 20 ألفا من المستوطنين اليهود موزعين على ثلاثين مستوطنة.
وكان عدد السكان العرب في الجولان قبل احتلالها 135 ألف نسمة يعيشون في 139 قرية بما فيها مدينة القنيطرة، و61 مزرعة، أما بعد الحرب فلم يتبق في الجولان سوى ست قرى بسكانها لعدة أسباب منها بعدها عن مراكز القتال والقصف، وتمسك أهلها بأراضيهم. وتكتسب هضبة الجولان أهمية استراتيجية عسكرية بالنسبة لمن يسيطر عليها، إذ تسمح جغرافيتها الفريدة وقممها المرتفعة بالإشراف على العاصمة دمشق شرقا، وعلى سائر المدن وسط وغرب إسرائيل.
موقع إستراتيجي
ومن يسيطر عسكريا على الهضبة يمكنه أن يصل إلى أي مكان في الدولتين، وبأبسط الأسلحة التقليدية، كما تطل الهضبة على مناطق في الأردن ولبنان، وتعتبر إسرائيل أن سيطرتها على الجولان توفر لها حدودا برية يمكن الدفاع عنها، كما توفر موقعا إستراتيجيا لمراقبة التحركات السورية، وتشكل تضاريسها عازلا طبيعيا ضد أي قوة دفع عسكرية من سوريا. ويوفر ارتفاع الهضبة عن سطح البحر، لها أهمية خاصة في السيطرة والإشراف على الأراضي الممتدة لمسافات واسعة في تلك المناطق، والسيطرة كذلك على مصادرها المائية ومنابع الأنهار ومجاريها، فضلا عن إشرافها على سهل الحولة الذي يعتبر سلة الغذاء للدولة العبرية.
وترجع تسمية الجولان إلى جذر عربي هو: جول والجوال هو التطواف، والجول والجولان: التراب والحصى الذي تجول به الريح على سطح الأرض، وتبعا لذلك فاسم الجولان عربي منذ أقدم العصور، وهو جزء لا يتجزأ من الأرض العربية السورية، حيث تتحدث الوثائق التاريخية عن الأصل السكاني لأبناء الجولان ابتداء من الكنعانيين فالعموريين فالآراميين والآشوريين والكلدانيين ذوي الأصل الآرامي العربي القادم من شبه الجزيرة العربية أيام اندفاعات الهجرات العربية.
آثار تاريخية
وتضم أراضي هضبة الجولان العديد من المواقع الأثرية التاريخية التي تعود إلى العصور المختلفة، ومنها قلعة بانياس وهي من أهم القلاع العربية في بلاد الشام، لما تتميز به من موقع إستراتيجي مهم في قمة جبل شاهق، كما تعتبر قلعة الحصن غربي مدينة فيق حصنا طبيعيا يطل على بحيرة طبريا، ومن القلاع أيضا قلعة جندل وقلعة قصر برداويل، وتعتبر مدينة بانياس من أهم مدن الجولان التي استحوذت على اكتشافات أثرية دالة على العمق العربي لانتماء المنطقة التي تتربع فيها المدينة.
وتأسست في الجولان مدن وحضارات منذ الألف الثالث قبل الميلاد حيث كانت معبرا إستراتيجيا للأقوام التي تعاقبت على المنطقة غازية أو معتدية ثم اندحرت أو اندثرت واندمجت بالعرب سكان الأرض الأصليين. ولقد كان للجولان صلة بحوران ودمشق وأصبح موقعها في مركز مواصلات يربط سوريا، ولبنان، وفلسطين، والأردن، بمصر وشبه الجزيرة العربية في عهود العرب الآموريين والكنعانيين والآراميين والأنباط والغساسنة والعرب المسلمين.