السوق القطرية حافظت على قدر من الاستقرار بفضل قوة القطاع المصرفي

أداء البورصات الخليجية بين ضغوط الطاقة والسياسة

لوسيل

عبد الدايم نور

شهدت البورصات الخليجية خلال مايو 2026 حالة من التذبذب الواضح، وسط تفاعل المستثمرين مع ثلاثة عوامل رئيسية تمثلت في أسعار النفط، والتوترات الجيوسياسية، ونتائج الشركات للربع الأول من العام. وبينما نجحت بعض الأسواق في تحقيق مكاسب بدعم من القطاعات المصرفية والطاقة، تعرضت أسواق أخرى لضغوط بيعية نتيجة ارتفاع المخاطر السياسية وتقلب شهية المستثمرين.

المشهد العام للأسواق الخليجية

دخلت أسواق المال الخليجية شهر مايو بأداء حذر بعد تعافٍ نسبي في أبريل، حيث اتجه المستثمرون إلى إعادة تقييم المخاطر المرتبطة بالتوترات في المنطقة، خصوصاً ما يتعلق بالملاحة في مضيق هرمز والعلاقات الأمريكية الإيرانية. وفي الوقت نفسه، وفر ارتفاع أسعار النفط دعماً مهماً لأسهم الطاقة والصناعات البتروكيماوية.

كما ساهمت نتائج الشركات والبنوك الخليجية في تحريك التداولات، إذ أظهرت معظم المؤسسات المالية الكبرى استقراراً في الأرباح، بينما استفادت شركات الطاقة من تحسن أسعار الخام والغاز.

ففي جانب الطاقة، استفادت الأسواق الخليجية نسبياً من صعود أسعار النفط إلى مستويات تجاوزت 107 دولارات لخام برنت خلال بعض جلسات مايو، مدفوعة بمخاوف تعطل الإمدادات نتيجة استمرار التوترات الإقليمية. هذا الارتفاع منح دعماً لأسهم الطاقة والبتروكيماويات، خصوصاً في السوقين السعودي والقطري.

لكن في المقابل، بقي العامل السياسي هو الأكثر تأثيراً على معنويات المستثمرين، مع تصاعد المخاوف المرتبطة بالحرب والتجاذبات الدولية بين الولايات المتحدة وإيران، إضافة إلى متابعة الأسواق لاجتماعات القوى الكبرى وتأثيرها على استقرار المنطقة. وقد انعكس ذلك في موجات بيع وجني أرباح ضربت عدداً من البورصات الخليجية، خاصة دبي وأبو ظبي.

بورصة قطر.. دعم من الطاقة والصناعة

سجلت بورصة قطر أداءً متوازناً خلال مايو، مستفيدة من ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي والنفط، إلى جانب تحسن أداء قطاعي الصناعة والبنوك. وأسهمت توقعات الاستفادة من توسعات حقل الشمال في تعزيز النظرة الإيجابية تجاه السوق القطرية.

وشهدت أسهم شركات مثل Qatar National Bank وIndustries Qatar تحركات متباينة تبعاً لنتائج الأعمال والتوقعات المستقبلية، بينما حافظت المؤسسات الأجنبية والخليجية على نشاط شرائي ملحوظ في بعض الجلسات.

ورغم الضغوط السياسية الإقليمية، حافظت السوق القطرية على قدر من الاستقرار بفضل قوة القطاع المصرفي وارتفاع السيولة المؤسسية.

السوق السعودية.. تماسك رغم الضغوط

أظهر المؤشر السعودي تاسي قدرة على التماسك مقارنة ببعض الأسواق الإقليمية، مستفيداً من الوزن الكبير لقطاعي البنوك والطاقة. لكن السوق تعرض أيضاً لموجات جني أرباح بعد اقترابه من مستويات فنية مهمة، بالتزامن مع تصاعد التوترات السياسية في المنطقة.

وتراجعت أسهم شركات كبرى مثل Saudi Basic Industries Corporation وSaudi Arabian Mining Company خلال بعض الجلسات نتيجة المخاوف الجيوسياسية وضغوط قطاع المواد الأساسية. وفي المقابل، استمرت أسهم البنوك الكبرى في توفير دعم نسبي للمؤشر العام.

كما استفادت السوق السعودية من استمرار الإصلاحات الاقتصادية والانفتاح الاستثماري، الأمر الذي حافظ على تدفقات السيولة الأجنبية رغم حالة الحذر المسيطرة على المنطقة.

دبي وأبوظبي.. حساسية أكبر للتوترات

كانت أسواق الإمارات الأكثر حساسية للتطورات السياسية خلال مايو، نظراً لاعتمادها الكبير على الاستثمارات الأجنبية وقطاعات العقارات والخدمات المالية. وشهد سوق دبي المالي تقلبات ملحوظة بعد المكاسب القوية التي حققها في أبريل، خاصة مع تراجع شهية المستثمرين تجاه الأصول عالية المخاطر.

أما سوق أبوظبي، فقد تأثر بتراجع بعض أسهم الطاقة التابعة لمجموعة أدنوك، إضافة إلى عمليات جني أرباح على الأسهم القيادية بعد ارتفاعات سابقة.

ومع ذلك، استمرت الأسواق الإماراتية في الاستفادة من قوة الاقتصاد غير النفطي ونشاط قطاع العقارات والسياحة، ما خفف من حدة التراجعات مقارنة بفترات أزمات سابقة.

الكويت والبحرين وعُمان.. أداء متباين

حققت بورصة الكويت نشاطاً ملحوظاً بدعم من القطاع المصرفي وعودة المضاربات على الأسهم المتوسطة، بينما استفادت السوق الأولى من تحسن نتائج البنوك وزيادة التداولات.

وفي البحرين، اتسم الأداء بالهدوء النسبي مع استقرار الأسهم القيادية وتحسن طفيف في السيولة، في حين برزت سوق مسقط كواحدة من أكثر الأسواق الخليجية نشاطاً خلال الفترة الأخيرة، مدعومة بإصلاحات هيكلية وزيادة الإدراجات والصناديق الاستثمارية.

بشكل عام، أظهرت بورصات الخليج خلال مايو 2026 معادلة دقيقة بين عاملين رئيسيين:

دعم أسعار الطاقة المرتفعة الذي عزز الإيرادات والسيولة.

الضغوط السياسية والجيوسياسية التي رفعت مستويات القلق والتقلبات.

ورغم هذه الضغوط، أظهرت الأسواق الخليجية قدراً من المرونة مقارنة بأزمات سابقة، مستفيدة من الإصلاحات التنظيمية وزيادة عمق الأسواق وارتفاع مستويات الإفصاح والحوكمة خلال السنوات الأخيرة.

النفط والسياسة.. العامل الحاسم

ظل النفط العامل الأكثر تأثيراً في أداء الأسواق الخليجية خلال مايو، حيث دعمت الأسعار المرتفعة الإيرادات الحكومية وأرباح شركات الطاقة. لكن في المقابل، أدى تصاعد المخاطر الجيوسياسية إلى رفع مستويات القلق وتقلبات التداول.

وأصبح المستثمر الخليجي خلال مايو أكثر حساسية للأخبار السياسية، خاصة ما يتعلق بالمفاوضات الأمريكية الإيرانية وأمن الملاحة في الخليج، وهو ما انعكس في تحركات سريعة بين الشراء والبيع داخل الجلسات.

نظرة مستقبلية

يتوقع محللون أن تستمر حالة الحذر في البورصات الخليجية خلال الفترة المقبلة، مع ترقب المستثمرين لثلاثة ملفات رئيسية:

اتجاه أسعار النفط والغاز.

السياسة النقدية الأمريكية وأسعار الفائدة.

تطورات الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة.

وفي المقابل، تبقى نقاط القوة الأساسية للأسواق الخليجية قائمة، خصوصاً قوة المراكز المالية الحكومية، وارتفاع الإنفاق على المشاريع الكبرى، واستمرار برامج التنويع الاقتصادي في دول الخليج.

يتأثر أداء الأسواق الخليجية بعدة عوامل محورية:

التوترات الجيوسياسية: انعكست المخاوف الأمنية المرتبطة بالنزاعات في المنطقة سلبًا على معنويات المستثمرين، مما أدى إلى تراجعات أسبوعية سابقة، حيث سجل مؤشر سوق دبي تراجعات ملحوظة وسط تعرض بعض المناطق لطائرات مسيرة.

أسعار الطاقة والنفط: تشهد أسعار خام برنت قفزات ملحوظة (تصل أحياناً إلى 8%) نتيجة أزمة إغلاق مضيق هرمز وتعثر المفاوضات الأمريكية الإيرانية.

مرونة قطاع الطاقة: تساهم أسعار النفط المرتفعة في حماية الأسواق من خسائر أكبر، إذ قادت أسهم قيادية مثل أرامكو السعودية تعافي المؤشرات في أوقات الذروة.

السياسة النقدية العالمية: لا تزال الأسواق تراقب عن كثب قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ومخاوف التضخم التي تفرض ضغوطاً بيعية عامة.

تقييم سريع لأثر الحرب على القطاع الخاص وسوق العمل في دول المجلس

أكد مصدر مسؤول في اتحاد غرف دول مجلس التعاون الخليجي أن هناك مبادرة مشتركة بين الاتحاد ومنظمة العمل الدولية، بشأن تقييم سريع لأثر الحرب على القطاع الخاص وسوق العمل في دول المجلس، حيث ستساهم بشكل مباشر في صياغة توصيات قابلة للتنفيذ، من أجل المحافظة على استقرار سوق العمل ودعم استمرارية الأعمال.

وتهدف المبادرة إلى تقييم تأثير الأزمة والصراع الحاليين على مؤسسات القطاع الخاص، مع إيلاء اهتمام خاص بالمؤسسات الصغيرة ومتوسطة الحجم، وعلى سوق العمل عموماً في جميع أنحاء دول مجلس التعاون الخليجي.

وأوضح المصدر بأن اتحاد غرف دول مجلس التعاون الخليجي، أبلغ جميع الشركات والمؤسسات العاملة في القطاع الخاص لدى بلدان المجلس، بضرورة حصر أثر هذه الحرب، سواءً كانت تبيع منتجاتها داخل الدولة نفسها، أو في السوقين الإقليمية والدولية.

كما يريد الاتحاد معرفة أثر الأزمة الإقليمية الحالية على سلاسل التوريد وعمليات القطاع الخاص، سواء فيما يتعلق بتأخير تسلّم المدخلات المستوردة، أو نقص المدخلات الحيوية التي تؤثر على العمليات، وزيادة تكاليف النقل والخدمات اللوجستية، وكذلك اضطرابات في توزيع السلع والخدمات النهائية على الأسواق والعملاء.

ويطرح الاتحاد تساؤلات عن أثر تعطل طرق التجارة البحرية، بما في ذلك مضيق هرمز، بشكل مباشر على المؤسسات، من حيث إعادة توجيه الشحنات إلى الطرق أو وسائل نقل بديلة، وعدم القدرة أو صعوبة شحن أو تسلّم البضائع عن طريق البحر، وأيضاً زيادة تكاليف الشحن أو تأمين البضائع، وانخفاض حجم الواردات أو الصادرات، وتأخير أو إلغاء الشحنات أو الطلبات.

ودعا الاتحاد إلى معرفة مدى تأثير الأزمة على إجمالي النفقات التشغيلية، وما إذا كانت منخفضة بشكل كبير أو معتدلة أو عدم وجود تأثير، وكذلك خطط الاستثمار للمؤسسة، وما إذا عزمت المنشأة إلغاء تلك الاستثمارات أو تخفيضها أو تأجيلها إلى أجل غير مسمى، أم أن التوجه للزيادة من أجل التكيف أو إعادة الهيكلة أو الاستجابة للظروف الجديدة.

ومن ضمن التحديات التي يود الاتحاد معرفتها كيفية تغطية تكاليف التشغيل والثابتة، ومسألة الإيرادات، والإجراءات الفورية التي اتخذتها المؤسسة فيما يتعلق بقوتها العاملة استجابةً للأزمة، سواء في تقليص ساعات العمل أو تحويل الموظفين إلى ترتيبات عمل جزئي، وتجميد التوظيف أو التعيين، أم إذا اتخذت المنشأة تخفيض الأجور والمزايا، وإعادة توزيع الموظفين على أدوار ومجالات عمل مختلفة.