ساعات قليلة تفصل بريطانيا والاتحاد الأوروبي عن الوداع الأخير

4 أيام على تحقيق بريكست

لوسيل

لندن - وكالات

تدخل المملكة المتحدة اعتبارا من اليوم الاثنين أسبوعاً تاريخياً سيفضي بنهايته الجمعة لأن تكون أول بلد يغادر الاتحاد الأوروبي بعد ثلاث سنوات ونصف السنة من مساعٍ مضنية للانفصال.. البعض يحتفلون، فيما ينتظر آخرون بحزن يوم 31 يناير 2020، الساعة 23,00 ت غ، موعد الخروج من الاتحاد الأوروبي الذي أرجئ ثلاث مرات وكان مصدر انقسام داخلي كبير في المملكة المتحدة. لكن الانفصال لا يعني نهاية تامة للمتاعب بين لندن والدول الـ27 المتبقية في الاتحاد الأوروبي، بل هو يشكل انطلاقة لمفاوضات صعبة ستحدد أسس العلاقة بين الطرفين.

ولن تدق أجراس ساعة بيغ بن التي تخضع لتصليحات عند موعد الخروج، رغم محاولات أكثر المؤيدين حماسةً لبريكست تحقيق ذلك. في المقابل، سيجري عدٌّ تنازلي عبر ساعة مضيئة أمام مقر رئاسة الحكومة في داونينع ستريت.

وبهذه المناسبة، ستدخل قطعة نقدية من فئة 50 بنس قيد التداول. وستطرح قيد التداول بدايةً ثلاثة ملايين قطعة، ثم سبعة ملايين. ويلقي رئيس الوزراء بوريس جونسون المؤيد القوي لبريكست والذي يطرح نفسه كشخصية جامعة في البلاد منذ فوزه في الانتخابات التشريعية، خلال الليلة كلمة للأمة.

وكتب جونسون في رسالة نشرها حزب المحافظين أن الوقت حان لنترك الماضي خلفنا و لنوحد البلاد ، في إشارة إلى الانقسام بين مؤيدي ومعارضي بريكست الذي صوّت 52% من البريطانيين لصالحه في استفتاء عام 2016. لكن مهمة توحيد البلاد لن تكون سهلة أمام جونسون، إذ رفضت مجالس نواب المحلية في اسكتلندا وويلز وإيرلندا الشمالية قانونه حول بريسكت. ونجح بوريس جونسون الذي وصل السلطة في يوليو، حيث فشلت رئيسة الوزراء السابقة تيريزا ماي. الأخيرة غادرت داونينغ ستريت دامعة العينين بعدما أخفقت ثلاث مرات في الحصول على موافقة البرلمان على اتفاق بريكست.

وبعدما أعاد التفاوض على النص مرتين مع بروكسل وحصل على حلّ جديد يمنع إعادة حدود فعلية بين جمهورية إيرلندا وإيرلندا الشمالية، انتزع رئيس بلدية لندن السابق تأييد البرلمان لقانون يتيح تنفيذ الخروج من الاتحاد الأوروبي. ويعود الفضل بذلك للغالبية البرلمانية الساحقة التي حققها في ديسمبر، وهي غالبية غير مسبوقة لحزب المحافظين منذ عهد مارغريت تاتشر.

ووقعت الملكة إليزابيث الثانية في 23 يناير النص المؤلف 535 صفحة والذي تم التوصل إليه في أكتوبر وحوّل اتفاق الخروج إلى قانون بريطاني. وتبقى هناك خطوة أخيرة قبل النهاية الرسمية لعلاقة دامت 47 عاماً بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، وتتمثل باعتماد البرلمان الأوروبي الأربعاء اتفاق بريكست الذي وقع الجمعة في كل من بروكسل ولندن. وعلى ممثلي الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أن يعلنوا موافقتهم كتابياً على النص غداة ذلك، وهي الخطوة الأخيرة الرسمية.

غير أن 31 يناير موعد رمزي فقط، فلا شيء كثير سيتغير فعلياً ومباشرةً بعد هذا التاريخ. وينص اتفاق الخروج على مرحلة انتقالية تمتد حتى 31 ديسمبر 2020، على المملكة المتحدة خلالها أن تطبق قواعد الاتحاد الأوروبي، لكن بدون حقّ التصويت على قراراته. في هذه الأثناء، عين الاتحاد الأوروبي سفيره السابق في الولايات المتحدة البرتغالي جواو فاليه دي ألمييدا، سفيراً في لندن، يتولى مهامه في الأول من فبراير. وتهدف المرحلة الانتقالية خصوصاً إلى أن تعمل لندن وبروكسل على البحث في طبيعة علاقتهما المستقبلية، خصوصاً في مجال التجارة. ويريد جونسون أن ينهي هذه المفاوضات الانتقالية خلال وقت قياسي، مستبعداً أي إرجاء لموعدها إلى ما بعد نهاية العام. لكن الأوروبيين يعتبرون أن هذا الوقت لا يكفي وأنه يجب تحديد الأولويات.

واعلن جونسون بوضوح أنه يرغب في اتفاق مشابه لاتفاق بلاده التجاري مع كندا، مع عدم الالتزام بقواعد التكتل الأوروبي. وفي موازاة ذلك، تريد المملكة المتحدة التفاوض على اتفاقاتها الخاصة للتبادل التجاري الحر مع دول أخرى خصوصاً الولايات المتحدة في ظل إدارة دونالد ترامب الذي توقع اتفاقا تجاريا مذهلا مع لندن. ولن تكون المفاوضات البريطانية الأميركية سهلة لا سيما مع إعلان لندن أنها ستفرض ضريبة رقمية على الشركات التكنولوجية الكبرى في ابريل، رغم تهديد الأميركيين بتدابير مقابلة.

ومن المقرر أن يصل وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إلى لندن في 29 يناير للقاء بوريس جونسون، و إعادة التأكيد على العلاقة المميزة بين الحليفين و مناقشة السبل إلى توسعة وتعميق العلاقات التجارية بينهما بعد بريكست.

__________________

أطراف رئيسيون في أزمة بريكست

أثرت شخصيات سياسية بارزة على مسار بريكست الذي يدخل حيز التنفيذ ليل الجمعة.. وفي التقرير التالي أبرز هذه الشخصيات وأهم ملامحها ومدى تأثيرها في مسار الخروج البريطاني.

ديفيد كاميرون:

رغم أنه كان معارضاً للخروج من الاتحاد الأوروبي، يدخل ديفيد كاميرون الذي تولى رئاسة وزراء بريطانيا لست سنوات منذ عام 2010، التاريخ كالرجل الذي أطلق عملية بريكست. وأمر كاميرون بإجراء استفتاء حول مصير بريطانيا في الاتحاد الأوروبي عام 2016، أملاً في تهدئة أصوات المشككين بالاتحاد داخل حزبه المحافظين، والتصدي لصعود الحراك المناهض لأوروبا والمهاجرين يوكيب (حزب استقلال المملكة المتحدة) برئاسة نايجل فاراج. وبعدما خاض حملته السابقة للاستفتاء إلى جانب المؤيدين للبقاء، لم يكن أمامه سوى الاستقالة غداة تأييد 52% من البريطانيين للخروج من الاتحاد الأوروبي. واعتزل كاميرون الحياة السياسية بعد ذلك معرباً عن ندمه لكن رافضاً تحمل مسؤولية كل ما تلى الاستفتاء من أزمات.

نايجل فاراج:

بات نايجل فاراج التاجر البالغ من العمر 55 عاماً والمثير للجدل، المنادي الدؤوب بالخروج من الاتحاد الأوروبي. وغادر هذا الرجل الماهر في إطلاق الضربات الإعلامية حزب الاستقلال (يوكيب) الذي شارك في تأسيسه بعد أيام على الاستفتاء. وعاد إلى الواجهة من جديد بعد الأزمة السياسية التي تلت الاستفتاء، ليرأس في ابريل 2019 حزب بريسكت الذي تصدر الانتخابات الأوروبية بعد شهرين. ورغم انتخابه نائباً أوروبياً عن اتحاد أوروبي لا يريده، أخفق فاراج بالفوز في الانتخابات التشريعية البريطانية.

تيريزا ماي:

تولت تيريزا ماي المشككة في المؤسسات الأوروبية لكن المؤيدة للبقاء فيه، رئاسة الحكومة خلفا لكاميرون. وواجهت ماي انتقادات لإطلاقها إجراءات الخروج من الاتحاد الأوروبي مبكراً جداً في 29 مارس، والتي كان يفترض أن تنتهي بعد عامين من ذلك. ورغبة منها في تعزيز سلطتها قبل المفاوضات مع بروكسل، دعت ماي إلى انتخابات نيابية مبكرة خسر فيها حزب المحافظين غالبيته لتضطر إلى التحالف من الحزب الإيرلندي الوحدوي الصغير لتحافظ على غالبيتها. ورفض البرلمان ثلاث مرات اتفاق الخروج الذي تفاوضت عليه تيريزا ماي مع بروكسل. أعلنت بعد ذلك استقالتها في 24 مايو 2019، غداة انتخابات أوروبية كانت مترددة في تنظيمها.

بوريس جونسون:

وضع رئيس بلدية لندن السابق كل ثقله لتحقيق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وصل جونسون المعروف بوعوده بشأن النظام الصحي المبنية على أرقام عشوائية، وجهت إليه بسببها تهم بالكذب تم رفضها في نهاية المطاف، إلى رئاسة حكومة بريطانيا في سن الخامسة والخمسين في يوليو 2019. ولم ينجح جونسون بتحقيق وعده بتنفيذ بريكست في 31 أكتوبر. لكن الغالبية الساحقة التي حققها في انتخابات كانون الاول/ديسمبر، مكنته من دخول التاريخ كرئيس الوزراء الذي ستخرج خلال عهده المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي. إلا أن المهمات التي تنتظره ليست سهلة. عليه التوصل خلال وقت قياسي لاتفاق مع الاتحاد الأوروبي خلال المرحلة الانتقالية التي تنتهي نهاية العام، والتفاوض على اتفاق تجاري مع الولايات المتحدة كان رئيسها دونالد ترامب قد اعتبر أنه سيكون مذهلاً .

ميشال بارنييه:

مفاوض الاتحاد الأوروبي قبل بريكست، سيكون كذلك مفاوضه خلال المرحلة الانتقالية. تمكن بارنييه، المدافع الشرس عن مصالح الاتحاد الأوروبي، من الحفاظ على وحدة دوله الـ27 خلال المحادثات مع لندن خصوصاً بشأن مسألة الحدود الإيرلندية الشائكة. وسيمثّل بارنييه (69 عاماً) الذي تولى وزارات الشؤون الأوروبية والبيئة والزراعة وغيرها في حكومات يمينية فرنسية بين عامي 1990 و2000، الاتحاد خلال المفاوضات المقبلة حول العلاقة المستقبلية مع لندن.