ثلاث سنوات انقضت منذ بدء برنامج إصلاح الاقتصاد، عقب موافقة صندوق النقد الدولي على قرض لمصر بقيمة 12 مليار دولار سلمت على 6 دفعات كان آخرها أغسطس الماضي. وهو البرنامج الذي يفترض فيه إنعاش الاقتصاد وإخراجه من وهدته وظهور نتائجه على المواطن المصري الذي ظل يعاني جراء زيادة ارتفاع السلع والخدمات وما سببته سياسة رفع الدعم من زيادة للمعاناة وارتفاع معدلات الفقر.
بدأ برنامج الإصلاح الاقتصادي بقرار تعويم الجنيه المصري الذي تراجع فورا أمام الدولار الأمريكي ليصل إلى 18 جنيها بعد أن كان يعادل قبل القرار نحو 8.8 جنيه، ليستقر أخيراً عند حدود 16.5 جنيه. كانت تلك الفقرة الأولى في سلسلة تراجعات لازمت مؤشرات الاقتصاد ضاعفت من العبء الذي يتحمله المواطن بدلاً من رفعه عن كاهله.
بقراءة ومتابعة للأهداف الرئيسية لبرنامج الإصلاح المتمثلة في ضبط قيمة العملة المحلية وزيادة الصادرات وزيادة الاستثمار الأجنبي وخفض عجز الموازنة، تكشف البيانات الرسمية عن الهوة الكبيرة بين ما تم رسمه من سياسات والواقع. على المستوى الظاهري نجد أن سعر صرف الجنيه المصري تحسن أمام الدولار، إذ استقر حتى الآن في حدود 16.5 للدولار متراجعاً من 18 جنيها للدولار، لكن بقراءة الواقع يكتشف المراقب أن الدولار الذي كان يساوي 8.8 جنيه تضاعف خلال الثلاث سنوات بنسبة 100% وهو ما ترتب عليه زيادة نسبة الفقر بين المواطنين بتراجع القوة الشرائية للجنيه المصري.
وفقاً لبيانات حكومية رسمية فإن معدلات الفقر زادت بدرجة كبيرة أثناء تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي في سنته الأولى، مع استمرار تلك الزيادة حتى الآن. فقد أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر في يوليو الماضي ارتفاع معدلات الفقر في البلاد لتصل إلى 32.5% من عدد السكان، بنهاية العام المالي 2017 - 2018، مقابل 27.8% لعام 2015 - 2016.
وقالت وزيرة التخطيط المصرية، هالة السعيد، إن السبب الرئيسي في ارتفاع معدلات الفقر بنسبة 4.7%، خلال الفترة بين عامي 2016 إلى 2018، هو تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي في الفترة ذاتها، وهو ما تطلب تكلفة على المجتمع والدولة المصرية، حسب قولها.
غير أن تقديرات أخرى تكذب التقديرات الحكومية وتشير إلى تضاعف هذه النسبة، إذ أشارت تقديرات البنك الدولي مطلع العام الجاري إلى أن نحو 60% من سكان مصر إما فقراء أو عرضة للفقر. وبحسب البنك الدولي فإنه هناك تباينات جغرافية مذهلة في معدلات الفقر، إذ تتراوح بين 7% في محافظة بورسعيد (شمال) و66% في بعض محافظات الصعيد (جنوب) موضحا أن الإصلاحات الاقتصادية أثرت على الطبقة الوسطى، وأضحت تواجه ارتفاعا في تكاليف المعيشة.
وهو ما أكده التقرير الحكومي في فقرات لاحقة، إذ تصدر صعيد مصر (جنوبي البلاد) قائمة المحافظات الأكثر فقرا في الجمهورية، حيث سجلت محافظة أسيوط نسبة فقر بين مواطنيها بلغت 66.7%، تلتها محافظة سوهاج بنسبة 59.6%، ثم الأقصر 55.3%، والمنيا 54%، ثم قنا 41%. وكانت محافظات بورسعيد والغربية ودمياط (شمالي مصر) ضمن المحافظات الأقل فقرا.
وأشار ذات التقرير إلى أن ما يقرب من 46 قرية في محافظتي أسيوط وسوهاج، بصعيد مصر، تتراوح نسبة الفقر فيها بين 80 إلى 100 في المئة، فضلا عن معاناة 236 قرية في سوهاج من الفقر، وهي نسبة بلغت 87% من قرى المحافظة، ما جعلها تسجل النسب الأعلى بين أفقر 1000 قرية في مصر.
حديث السلطات عن خفض عجز الموازنة، كهدف من أهداف برنامج الإصلاح الاقتصادي، يقوم أساساً على سياسة رفع الدعم عن السلع وزيادة الضرائب التي تضرر منها المواطن. واستهدفت السلطات رفع الدعم بشكل أساسي عن الوقود والكهرباء خلال فترة برنامج الإصلاح، ورفعت أسعارهما نحو 4 مرات خلال تلك الفترة، وباعتبارهما سلعا إستراتيجية تدخل في كل الخدمات، أدى ارتفاعهما إلى ارتفاع كل السلع والخدمات المرتبطة بهما. فغير التأثير المباشر لارتفاعهما على المواطن، أدى ذلك إلى ارتفاع أسعار السلع الغذائية لا سيما الزيوت ومنتجات الألبان، وفقاً لجريدة البورصة، وإلى زيادة تكلفة إنتاج الدواجن نحو 10%.، مما أدى إلى الإضرار بصغار المربين وربما يتسبب في خروجهم من المنظومة. ولأن تكلفة الطاقة تمثل نحو 15 20% من تكلفة الإنتاج الصناعي فقد تأثرت الصناعات الدوائية والبلاستيكية وارتفاع أسعار مواد البناء. وتمكن ملاحظة أثر الزيادة في أسعار الوقود بشكل مباشر في تعرفة النقل التي ارتفعت في الزيادة الأخيرة فقط الى نسب تتراوح بين 20 إلى 50%.
وعن ديون مصر أظهرت بيانات من البنك المركزي ارتفاع إجمالي الدين العام المحلي للبلاد بنسبة 18.8% على أساس سنوي إلى 4.204 تريليون جنيه (256.2 مليار دولار) في نهاية مارس الماضي.
وأشارت البيانات إلى أن الدين الخارجي المصري صعد بنسبة 20.4% على أساس سنوي، إلى 106.221 مليار دولار في نهاية مارس الماضي.
وأمام مصر جدول سداد ديون خارجية صعب للعامين القادمين، وهي تحاول توسيع قاعدة مستثمريها، وتمديد آجال استحقاق ديونها والاقتراض بفائدة أقل.
وتزايدت فوائد الديون محليا وخارجيا التي يتعين على الحكومة المصرية تسديدها سنويا، ففي 2015- 2016 (عام تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي السلطة)، كانت فوائد الديون 13.6 مليار دولار، وارتفعت في العام 2016-2017 لتصل إلى 17.7 مليار دولار، وفي 2017-2018 بلغت 24.5 مليار دولار، وبحسب توقعات العام المالي الحالي سترتفع فوائد الديون إلى 30.4 مليار دولار.
برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي يستهدف زيادة الصادرات، تشير بيانات الجهاز المركزي المصري للتعبئة العامة والإحصاء أنه في مارس الماضي زاد عجز الميزان التجاري 10.1% إلى 4.15 مليار دولار حيث تراجعت الصادرات 3.9% وارتفعت الواردات 4.3%.
وأضاف جهاز الإحصاء في بيان أن الصادرات نزلت إلى 2.58 مليار دولار في مارس من 2.68 مليار قبل سنة نتيجة انخفاض صادرات البترول الخام 7.3% والبرتقال الطازج 55.4% والملابس الجاهزة 0.4%.
وارتفعت الواردات إلى 6.73 مليار دولار في مارس من 6.45 مليار دولار قبل عام، بدعم من زيادة واردات اللدائن والبلاستيك بنسبة 14.3% والمواد الكيماوية 29.8% والقمح 18.7% واللحوم 5%.
وعن الواردات، فقد أشار الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى ارتفاعها خلال مارس الماضى إلى 6.73 مليار دولار مقابل 6.45 مليار دولار لنفس الشهر من العام السابق، بنسبة زيادة 4.3%.
السلطات المصرية وضمن برنامجها الإصلاحي راهنت على زيادة معدلات الاستثمار الأجنبي لدعم الاقتصاد، لكن عدم الاستقرار السياسي والأمني دفع برؤوس الأموال الأجنبية إلى الهروب في معظم الأوقات، ويكفي هنا الإشارة إلى 8 أيام من التداول في البورصة المصرية اضطرت إلى إيقاف التداول عقب تراجع المؤشر إلى مستوى غير مسبوق، عقب تظاهرات اندلعت مطالبة برحيل الرئيس المصري.
ففي أولى جلسات خلال هذا الأسبوع كانت البورصة على موعد مع وقف التداول لمدة 30 دقيقة للمرة الأولى منذ نوفمبر 2016، وذلك بعد أن هوى المؤشر إي. جي. إكس 100 بنسبة 5%، وسجل المؤشر الرئيسي أكبر نزول يومي منذ سبتمبر 2018. واستمرت موجة الخسائر، ورغم هدوء الشارع استمر التوتر بالبورصة، ليصل مجموع خسائر الجلسات الثلاثة الأولى من هذا الأسبوع إلى نحو 10.7%، ويفقد رأس المال السوقي نحو 65 مليار جنيه.