رمضان في الجزائر.. مناسبة متجددة للتضامن ولم الشمل

لوسيل

الجزائر - قنا

استقبل الجزائريون شهر رمضان الكريم، هذا العام، بكثير من الطقوس التي لا تظهر إلا في هذا الشهر الفضيل وتعود جذورها إلى عهود ضاربة في التاريخ، منذ أن دخل المسلمون الفاتحون هذه الأرض قبل 15 قرنا.
وقبل حلول الشهر الكريم، تستعد العائلات الجزائرية لهذه المناسبة عبر إعادة تجديد مستلزمات المطبخ وطلاء المنازل داخليا وخارجيا تعبيرا منها عن الفرحة بالضيف الغالي، ولأجل ذلك تعج الأسواق بالمتسوقين الباحثين عن جديد الأواني المنزلية وآلات الطبخ، والتجهيزات مثل المبردات والثلاجات وأجهزة التلفاز.
وبعيدا عن التحضيرات المادية، تستغرق الأسر الجزائرية في إعداد نفسي لصغار السن من خلال حثهم على الاستعداد للصيام، اعتبارا من سن السادسة، ويرافق ذلك جملة من الطقوس تتمثل أهمها عند أغلبية الجزائريين في هدية نادرة تتمثل في كثير من الأحيان وبحسب الحالة المادية والمالية لأسرة الطفل، في طبعة فاخرة للمصحف الشريف، وثوب الصلاة ناصع البياض.
وتزيد بعض العائلات على هذه الهدية بإهداء حاسوب أو هواتف نقالة متطورة، مع وعود بقضاء إجازة صيفية في أحد المنتجعات السياحية داخل الجزائر او خارجها إذ تعتبر تونس الوجهة المفضلة لأكثر من مليوني جزائري خلال العطلة الصيفية التي تبدأ من شهر يونيو وتستمر إلى غاية مطلع سبتمبر من كل عام.
أما بالنسبة لغالبية المواطنين، فإن المساجد في ليالي رمضان هي المقصد المفضل للكبار، رجالا ونساء، إذ يتهافتون على المساجد التي تشتهر بجلب أفضل القراء والحفاظ بعد تناول وجبة الإفطار مباشرة، فتزدحم دور العبادة والطرقات التي تؤدي إليها، فيما ينزع عدد آخر من الجزائريين إلى إحياء سنة التزاور بين الأقارب وصلة الأرحام قبل أن يلتحق بهم باقي أفراد العائلة بعد انتهاء صلاة التراويح ليستمر السهر حول موائد مزينة بحلويات تقليدية أشهرها قلب اللوز و الزلابية بأنواعها العديدة، و المقروط و القريوش و خبز تونس .
أما بالنسبة للشباب، فإنهم يفضلون خلال هذا الشهر الفضيل التوجه إلى المراكز التجارية وصالونات القهوة والشاي بوسط المدينة أو على الخيمات التي أصبحت ميزة شهر رمضان منذ سنوات قليلة، خاصة بعد استيطان أفراد الجاليات العربية من الشرق الأوسط والخليج العربي في الجزائر بفضل عقود العمل مع مجموعات استثمارية غيرت بمشاريعها الوجه السياحي للبلد.
وقبل كل ذلك، تزدحم مائدة إفطار الجزائريين بأنواع متعددة من الأطباق التي تعتبر ماركة مسجلة في شهر رمضان فقط. وتتصدر هذه الأطباق شوربة الفريك بالنسبة لسكان وسط البلاد، و الحريرة بالنسبة لمناطق غرب البلاد المجاورة للمغرب، وأما بالنسبة لسكان شرق البلاد، فإن الجاري هو سيد المائدة، وتقدم هذه الأطباق وهي عبارة عن حساء ساخن يبدأ به الصائم إفطاره بعد حبات من التمر المحلي المشهور باسم دقلة نور (أجود أنواع التمر في المغرب العربي).
كما تتفنن النسوة في تزيين مائدة الإفطار بإعداد أطباق تبقى بلا منازع حكرا على شهر الصيام، ولعل أشهرها ويعرفها بعض من زار الجزائر من العرب، طبق الحلو وهو عبارة عن ثمار المشمش والتفاح والأناناس والزبيب المجفف، وطبق الدولما أو الكفتة ، و الكباب ، و شطيطحة اللحم الأحمر والدجاج ، و السفيرية ، مع ميزة أخرى تتمثل في اختفاء أطباق العجائن طيلة الشهر الفضيل.
أما عند السحور، فيفضل الكثير من الصائمين تناول فناجين من القهوة، ومنهم من يجعل آخر طعامه عند السحور طبق الكسكسي بالحليب والزبيب المجفف، والفاكهة بشكل كبير تجنبا للعطش في النهار وخاصة إذا كان شهر الصيام في فصل الصيف.
ولا ننسى أم العادات بالنسبة للأسر الجزائرية قاطبة خلال شهر رمضان الفضيل، وهي ختان الذكور في ليلة اليوم الـ27 منه، ففي أجواء من الفرحة تتسابق الجمعيات الأهلية والخيرية من أجل إدخالها على نفوس العوائل غير ميسورة الحال، مثلما تنافست طيلة الشهر على إقامة مطاعم الرحمة لإفطار الفقراء وعابري السبيل، يمولها المحسنون المتبرعون، والشركات الخاصة التي ترصد ميزانيات خاصة بهذه المناسبة، وتنفق على اللباس التقليدي الخاص بالختان، ومصاريف العزومة ، في صورة تعكس مبدأ التضامن بين المواطنين.