التفاؤل قبيل اجتماع الدوحة ساعد في امتصاص تضخم الأسعار

السياسة.. الغائب الحاضر في سوق النفط

لوسيل

شوقي مهدي

  • الخلافات بين كبار المنتجين أدت لتعثر الاتفاق
  • د.محمود: قرار عدم تجميد إنتاج النفط سياسي بالمقام الأول
  • فينست: إيران حريصة على العودة لمستويات ما قبل العقوبات
  • QNB: تجميد الإنتاج سينقذ منتجي النفط الصخري إذا انتعشت الأسعار

انتهى اجتماع الدوحة بين منتجي النفط الكبار من أعضاء منظمة أوبك وخارجها إلى نتائج غير مرضية، خاصة وأن العالم من أقصاه إلى أقصاه كان يترقب اجتماع الدوحة بأنفاس محبوسة وآمال بأن يخرج المجتمعون بما ينعش سوق النفط العالمي بعد أن تهاوت أسعار النفط لمستويات أضرت باقتصادات الدول المنتجة للنفط والسوق العالمي بشكل كبير.
تلك الآمال الكبيرة لم تكن مجرد صدفة وإنما نتيجة نقاشات واجتماعات طويلة، خاصة بعد نجاح الدوحة في جمع الأربعة الكبار المنتجين للنفط في يناير الماضي واستطاعت التوصل لاتفاق مبدئي لتثبيت الإنتاج كان من المنتظر أن يستكمل في اجتماع الأسبوع الماضي. الأمر الذي جعل العالم ينتظر اجتماع منتجي النفط الذي استمر لنحو ست ساعات وخرج بنتيجة لم ترض الكثيرين بآمال تثبيت مستويات الإنتاج. إلا أن هذه النتيجة لم تقطع الأمل في تعافي الأسعار بتوصل المنتجين لاتفاق خلال الشهرين القادمين.
وتكمن أهمية اجتماع الدوحة باعتباره يضم دولاً من أوبك وخارجها يمثل انتاجها ما يقارب 73% من الانتاج العالمي، مقارنة بإنتاج الأوبك نفسها حوالي 30% من إنتاج النفط.
لوسيل ناقشت عدم توصل المنتجين لاتفاق على تثبيت الإنتاج في الاجتماع الأخير مع الخبراء الدوليين، ومناقشة الأسباب الحقيقية التي أدت لهذه النتائج.

وحسب مراقبين فإن العوامل السياسية كانت حاضرة في اجتماع الدوحة وهي التي قادت بشكل رئيسي لعدم التوصل لاتفاق بسبب التوترات السياسية بين بعض الدول خاصة السعودية وايران. أكثر من ذلك يرى كثيرون أن ايران حاولت أن تلعب دوراً استعراضياً بالترويج لحضورها لإجتماع الدوحة وتمسكها برفع إنتاج لمستويات ما قبل فرض العقوبات عليها (حوالي 4 ملايين برميل) ثم عادت لتؤكد عدم رغبتها في حضور الاتفاق. رغماً عن تأكيدات وزير الطاقة الروسي في نفس اليوم بعيد تصريحات الوزير الايراني أن ايران ستكون حاضرة في اتفاق الدوحة.

مياه كثيرة عبرت تحت الجسر قبيل اجتماع الدوحة الذي تأثر بالعوامل السياسية والتوترات بين بعض دول الأوبك وايران في عدم التوصل لاتفاق في اجتماع الدوحة الأخير الأمر الذي أرجئ النقاش لوقت لاحق، على أن يترك الباب موارياً لمزيد من البحث والتشاور.

الخلافات السياسية
الدكتور محمود محمد حداد، أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة تينسي الأمريكية الذي تحدث لـ لوسيل من مقر إقامته بأمريكا، يرى أن غياب ايران ورفضها مبادئ اجتماع الدوحة من أهم الاسباب التي أدت لتعثر الاتفاق، مضيفاً أن قرار عدم تجميد إنتاج النفط هو سياسي بالمقام الأول ولا يرتكز على أسباب اقتصادية.
ويرى حداد، أن الخلاف السياسي بين ايران والسعودية برز بشكل كبير في اجتماع الدوحة، أضف إلى أن إيران تريد زيادة مستوى الإنتاج وفي المقابل لا تريد السعودية فقدان حصتها في السوق.
ويتفق مع هذه الفرضية فينست جي. بيازا كبير المحللين في مجال الطاقة بشبكة بلومبرج الذي أجاب على سؤال لوسيل عن أسباب عدم التوصل لاتفاق، فهو يرى أن اجتماع الدوحة كان واضحاً بأنه سيتعثر وذلك بسبب الشروط المسبقة التي وضعتها ايران التي قللت فرص النقاش منذ البداية. وايران نفسها حريصة على العودة لمستويات ما قبل العقوبات والتي هى أعلى من إنتاجها الحالي بشكل كبير.
ويعتقد فيسنت أن الاستراتيجية السعودية تقوم على الإبقاء على مستويات الإنتاج العالية وأسعار منخفضة للنفط لرغبتها في افشال تنامي النفوذ الايراني في المنطقة. إضافة لعدم الاستقرار الجيوسياسي والحرب بالوكالة المستمر في كل من سوريا واليمن ساهمت في تصعيد التوتر بين الفصائل السنية والشيعية في المنطقة.
أكثر من ذلك يرى فينست أن ايران بدورها تريد استعادة الزخم المفقود بسبب العقوبات التي كانت مفروضة عليها، والعودة لمستويات إنتاج ما قبل العقوبات (4 ملايين برميل)، وهذا بالضرورة لا يتفق مع استراتيجية اجتماع الدوحة. ويضيف فيسنت أن السعودية استفادت من تعثر اتفاق الدوحة بابقاء استراتيجيتها (مستويات إنتاج عالية وأسعار منخفضة) اضافة لخروج منتجي النفط ذي التكلفة العالية من السوق. وساعد عدم الاتفاق على دعم سياسة السعودية ايضاً بالضغط على شركات الإنتاج التي تنتج نفطاً ذا كلفة عالية.
ويرى آخرون أن روسيا ايضاً حاولت لعب دور استعراضي يتعلق برغبتها في ملء فراغ الصمت السياسي الأمريكي في قضية النفط. على النقيض من رأي وزير النفط الفنزويلي إيولوخيو ديلبينو الذي تحدث للصحفيين عن ضغوطات كثيفة مارستها أمريكا أدت لفشل المنتجين في التواصل لاتفاق على تثبيت الإنتاج.

آفاق صناعة النفط
ويري الدكتور حداد أن آفاق صناعة النفط غير واضحة المعالم فكثير من شركات الإنتاج في الغرب ستتأثر كثيراً بسبب انخفاض الأسعار، خاصة شركات النفط الصخري ذي التكلفة العالية. وما لم يتفق المنتجون على تجميد الإنتاج لن تتعافى أسعار النفط العالمية في الوقت الحالي.
ويضيف بأن دول الأوبك بقيادة المملكة العربية السعودية يمكن أن تنعش الأسعار على المدى الطويل، وذلك بتوافق الدول المنتجة على مستويات الإنتاج وهذا بالتأكيد يصب في مصلحتهم على أن يتم ذلك بموافقة ايران أو بدونها.
أما كيف سيحدث التوافق ما بين أيران ودول الأوبك يقول الدكتور حداد إن الاتفاق على تجميد الإنتاج بين ايران وأوبك سيحدث في حال إن سمحت دول الاوبك بتجميد الإنتاج عند مستويات إنتاج إيران قبل فرض العقوبات. وحتى ذلك الحين ستبقى أسعار النفط منخفضة.

بالتالي يبقى الأمل في انتعاش الأسعار حاضراً طالما أن المباحثات الأخيرة لم تغلق الباب في وجه عدم الاتفاق. ويضيف فينست إن التفاؤل الذي سبق اجتماع الدوحة ساعد في امتصاص تضخم الأسعار الا أن ذلك لم يستمر طويلاً بعيد تعثر الاجتماع في الوصول لاتفاق. ويمكننا أن نلاحظ انتعاش الأسعار بسبب اجتماع الدوحة، الأمر الذي يدل على تفاؤل توقعات التجار في نتائج اجتماع الدوحة.
وبالفعل ارتفعت الأسعار بعض الشيء بسبب الاعتقاد في تقليص الإنتاج من المنتجين خارج الأوبك. السوق يحتاج لمزيد من التطمينات بالتشديد على الثقة في تحسن الأسعار. ويحتاج فعلياً لتطمينات أساسية وليس شائعاً عن ترتيبات تساعد في تحسن الأسعار.


ديناميكية السوق
مصرف قطر الوطني، في تقريره عن اجتماع الدوحة لتثبيت إنتاج النفط، يرى أن مقترح تثبيت الإنتاج من دون مشاركة ايران لن يغير في ديناميكية السوق، وذلك لثلاثة أسباب اولها أن ايران هي البلد الرئيسي المتسبب في نمو المعروض من النفط، فهي اضافت 370 ألف برميل يومياً منذ يناير والمتوقع أن يستمر ارتفاع انتاجها ليصل 600 ألف برميل في اليوم. والسبب الثاني أن مقترح التجميد في مستويات يناير كان عندما ارتفع الانتاج لمستويات تاريخية، في الوقت الذي تراجع فيه انتاج روسيا ودول الاوبك (باستثناء ايران) بحوالي 500 الف برميل في اليوم، مما يترك مجالاً لهذه الدول لرفع انتاجها.
والنقطة الثالثة أن تجميد الانتاج من شأنه أن ينقذ منتجي النفط الصخري إذا ما أدى لانتعاش أسعار النفط. فتراجع أسعار النفط يدفع منتجي النفط الصخري الأمريكي خارج السوق . خاصة وأن انتاج النفط الخام الأمريكي شهد تراجعاً بما يقارب 500 الف برميل في اليوم منذ الذروة التي وصل اليها في 2015.


فنزويلا ونيجيريا أكثر تضرراً
وعودة للسؤال عن آثار انخفاض النفط على الدول المنتجة والمستهلكة يقول الدكتور حداد إن كل الدول المنتجة للنفط ستتأثر سلباً بانخفاض الأسعار، وفي المقابل يكون التأثير ايجابياً للدول المستهلكة للنفط بسبب انخفاض التكاليف. ومع ذلك، ونظراً للارتباط الموجب بين أسعار النفط والأسواق المالية يبدو أن الاتجاه الحالي لانخفاض الأسعار سيشدد على الاقتصاد العالمي. كما يرى فيسنت أن دولاً مثل فنزويلا ونيجيريا ستكون الأكثر تضرراً من تدني أسعار النفط.
على كلٍ ترك المجتمعون في العاصمة القطرية الأسبوع الماضي الباب موارياً للبحث بإرجاء النقاشات لوقت لاحق، ولم يغلق الباب بعد وما زالت الفرصة مواتية لدول الأوبك للعب دور كبير في إنعاش سوق النفط العالمي، وما زالت الدوحة تستطيع أن تلملم الأطراف وتوفق ما بين آراء المختلفين.