"أوبك+" وأمريكا.. أزمة تلوح في الأفق

السحب من الاحتياطي الإستراتيجي.. آخر أوراق بايدن لتهدئة الأسعار

لوسيل

شوقي مهدي

بإعلان الولايات المتحدة الامريكية إطلاق 50 مليون برميل من الاحتياطي الاستراتيجي، تتسع دائرة الخلاف بين أمريكا (أكبر مستهلك للنفط في العالم) وتحالف (أوبك+) من جهة وما بين كبار وتحالف أوبك+ من جهة الأخرى، الأمر الذي يضع الطرفين أمام تحد قد تكون له انعكاسات سلبية على سوق النفط العالمي.

وتواجه أسعار النفط ارتفاعاً خلال الفترة الماضية حيث ارتفعت الاسعار لمستويات 85 دولاراً لخام برنت ومن ثم واصلت الانخفاض والتذبذب خلال الفترة الماضية.

وكان الرئيس الأمريكي جو بايدن طلب من تحالف أوبك+ ضخ المزيد من النفط اعتباراً من بداية ديسمبر القادم، لكن التحالف رفض ذلك المقترح وأبقت في إجتماعها الذي عقد 4 نوفمبر الحالي على سياسة الإنتاج بإضافة 400 ألف برميل يوميا للأسواق في ديسمبر وذلك على الرغم من دعوات الولايات المتحدة لزيادة الإمدادات من أجل كبح ارتفاع الأسعار، الأمر الذي دفع الإدارة الأمريكية للقول بأن لديها سبلاً للتعامل مع ارتفاع أسعار النفط بعد رفض التحالف للمناشدات الأمريكية بضخ المزيد من النفط.

وطلبت الولايات المتحدة من كبار مستهلكي النفط في العالم (الهند وبريطانيا واليابان وكوريا) استخدام احتياطياتهم الإستراتيجية لمواجهة الارتفاع غير المسبوق لأسعار الوقود في الولايات المتحدة، في وقت اتهم فيه بايدن شركات للنفط والبنزين بالتلاعب لإبقاء الأسعار مرتفعة والإضرار بالمستهلكين في بلاده.

ويتعرض كبار المنتجين في تحالف أوبك+ لضغوط من كبار المستهلكين مثل الولايات المتحدة والهند لزيادة الإمدادات من أجل تهدئة ارتفاع الأسعار التي ارتفعت بنسبة 50% هذا العام. ورفض التحالف سابقاً تغيير خطته الحالية لرفع الإنتاج، في الوقت الذي تعاني فيه دول أعضاء مثل نيجيريا وأنغولا في رفع الإمدادات نتيجة نقص الاستثمارات، ودول مثل روسيا أنتجت أعلى من حصتها الشهر الماضي حسب وكالة الطاقة الدولية.

وقال البيت الأبيض أمس بأنه سيفرج عن 50 مليون برميل من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي للمساعدة في تهدئة أسعار النفط. منها حوالي 32 مليون برميل خلال الأشهر المقبلة، وهناك حوالي 18 مليون برميل اخرى في إطار تسريع بيع النفط الذي وافق عليه الكونغرس في وقت سابق، موضحاً أن هذه الخطوة بالإضافة إلى اقتراض وبيع من الاحتياطي، تجري بالتنسيق مع تحركات للسحب من الاحتياطي الاستراتيجي من جانب الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وبريطانيا.

وتمتلك الولايات المتحدة الامريكية أكبر احتياطي استراتيجي في العالم بأكثر من 606 ملايين برميل تليها الصين التي تمتلك احتياطات ضخمة غير معروفة الكمية.

مواجهة بين الطرفين

هذه الخطوة تضع كبار مستهلكي النفط وبشكل خاص الولايات المتحدة في خط المواجهة مع تحالف أوبك+ (تحالف 23 دولة هم منظمة البلدان المصدرة للنفط و10 دول من كبار المنتجين خارجها)، وكانت الولايات المتحدة وصفت أوبك في السابق (بكارتل) الأمر الذي تنفيه المنظمة مراراً وتكراراً.

وأثار ارتفاع أسعار النفط حفيظة بايدن قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس عام 2022، التي ستحدد ما إذا كان حزبه الديمقراطي سيحتفظ بأغلبيته الضئيلة في مجلسَي الكونغرس، واغتنم مشرعون في الولايات المتحدة ارتفاع أسعار الطاقة لإحياء مشروع يضع (أوبك) تحت مرمى قوانين مكافحة الاحتكار المستخدمة منذ أكثر من قرن ويسمح القانون (عدم وجود كارتلات لإنتاج وتصدير النفط المعروف باسم نوبك) للحكومة الأمريكية بمقاضاة أعضاء أوبك بدعوى التلاعب بسوق الطاقة.

وتنفى (أوبك) باستمرار عنها هذه التهمة وقال وزير الطاقة السعودي الامير عبدالعزيز بن سلمان إن أوبك هي منظمة لسوق النفط والتي تحتاج بالفعل للتنظيم، وأضاف خلال مؤتمر صحفي: نحن ملتزمون بجهودنا وسلوكنا تجاه أسواق النفط، وسنبذل ما نستطيع لكي لا تواجه الأسواق أي مفاجآت، ونحن منظمة نفط مسؤولة تجاه الأسواق ولسنا مثلما وصفنا البعض كـ كارتل .

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هل سيتخذ تحالف أوبك+ أي خطوة أو ردة فعل لهذا التنسيق بين المستهلكين بقيادة الولايات المتحدة، خاصة أن الاجتماع الشهري للتحالف سيكون في الثاني من ديسمبر المقبل لمراجعة السوق ورؤية ما اذا كان التحالف سيستمر في سياسة زيادة الإنتاج الشهري أم لا؟.

وحسب وكالة بلومبيرغ نقلاً عن مندوبين في تحالف أوبك+ إن المجموعة التي تضم دول أوبك ودولاً من خارجها، على رأسها روسيا، قد تتراجع عن سياسية زيادة إنتاج النفط حال حدوث تنسيق بين كبرى الدول المستهلكة للنفط لاستخدام الاحتياطي الاستراتيجي لديها لزيادة المعروض النفطي.

وأشار منتدى الطاقة الدولي ، ومقره العاصمة السعودية الرياض، إلى أن أوبك+ قد تغير خطتها لزيادة إنتاج النفط إذا عمدت الدول المستهلكة لزيادة المعروض عبر احتياطاتها من النفط، أو في حال تفاقم جائحة كورونا.

وقالت مصادر إن بعض دول أوبك+ غير راضية عن لجوء الدول المستهلكة إلى الاحتياطيات الإستراتيجية المفترض استخدامها في حالات الطوارئ، بهدف خفض الأسعار في الأسواق العالمية، ومن المقرر أن تعقد دول أوبك بلس اجتماعا الأسبوع المقبل لمناقشة خطة زيادة الإنتاج بمقدار 400 ألف برميل يوميا في ديسمبر المقبل.

وفي أول رد فعل على هذه الخطوة (التنسيق بالسحب من الاحتياطي) قال وزير الطاقة الإماراتي أمس خلال فعالية بمعرض إكسبو 2020، رداً على استخدام الاحتياطيات لتخفيض الأسعار إن بلاده لا ترى منطقاً في زيادة اسهاماتها في الأسواق العالمية. مشيرا إلى أن الربع الاول من العام المقبل سيشهد فائضاً نفطياً. وأكد الكرملين أن روسيا لا تزال ملتزمة بالوفاء بتعهداتها مع أوبك+ وأضاف أن الرئيس الروسي ليس لديه خطط للاتصال بشركاء بلاده في أوبك+ على الرغم من الحديث عن لجوء دول مستهلكة إلى احتياطاتها النفطية الاستراتيجية.

وقالت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها الشهري إن نمو الطلب لا يزال قوياً، لكن العرض يفي بالطلب والتغيرات في مخزونات النفط المسجلة خلال أكتوبر تشير إلى أن المسار قد يتغير .

وشهدت أسعار النفط تذبذباً يوم أمس فبعد أن بدأت الأسعار في الاستجابة للسحب من الاحتياطي الاستراتيجي لهذه الدول تراجعت لحوالي 79 دولارا للبرميل لخام برنت، ومن ثم عاود الارتفاع مرة أخرى وارتفعت بأكثر من 2.5% واقترب خام برنت من 82 دولاراً للبرميل.

تنسيق كبار المستهلكين لإطلاق الاحتياطي الاستراتيجي

وبعد إعلان الولايات المتحدة السحب من الاحتياطي قال بيان حكومي هندي أمس إن الهند ستفرج عن خمسة ملايين برميل من احتياطياتها الاستراتيجية بالتنسيق مع مشترين آخرين من بينهم الولايات المتحدة والصين واليابان وكوريا الجنوبية. وتمتلك الهند مخزونات استراتيجية تصل لأكثر من 25 مليون برميل

وتعد هذه الخطوة جزءا من جهود يقودها الرئيس الأميركي جو بايدن للإفراج المنسق عن المخزونات، والتي يُنظر إليها على أنها تحذير لمنظمة أوبك وحلفائها، أوبك+، من ضخ المزيد من النفط لمواجهة التضخم المتزايد في الاقتصادات الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين وغيرها.

وبالمقابل أعلنت وزارة الطاقة البريطانية، بأنه سيتم ضخ مليون ونصف مليون برميل من النفط في الأسواق إذا اختارت شركات النفط ذلك، مشيرة إلى أن إفراج شركات النفط عن جزء من مخزونها لن يؤثر على احتياطاتها من النفط.

وتعتبر اليابان آخر المنضمين لما يعرف بتحالف أو تنسيق كبار المستهلكين، الذين قرروا السحب من المخزون الاستراتيجي لمواجهة ارتفاع أسعار النفط عالمياً، حيث قالت أربعة مصادر حكومية لرويترز إن المسؤولين اليابانيين يعملون على طرق لاستخدام الاحتياطيات الحكومية من النفط الخام رغم قوانين البلاد، لتنضم بذلك طوكيو إلى بكين وواشنطن سعيا للحد من ارتفاعات الأسعار.

ولا تزال الضبابية تسيطر حول كيفية تنفيذ هذا القرار من قبل رابع أكبر مشتر للنفط في العالم.،حيث إن احتياطيات الحكومة، المكونة من أسهم خاصة وعامة، لا يمكن استخدامها عادةً إلا في أوقات النقص.

يذكر أن الشركات اليابانية الخاصة بما في ذلك المصافي تمتلك حوالي 175 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات النفطية كجزء من احتياطي البترول الاستراتيجي، وهو ما يكفي لحوالي 90 يومًا، وفقاً لبيانات حكومية.

وبحسب بيانات رسمية، وصل احتياطي النفط الياباني إلى مستويات الـ145 يومًا من الاستهلاك اليومي للبترول بنهاية سبتمبر، وهو أعلى بكثير من الحد الأدنى البالغ 90 يومًا الذي يتطلبه القانون.

كوريا الجنوبية

وافقت كوريا الجنوبية على المشاركة في سحب مشترك من الاحتياطيات النفطية استجابة لطلب من الولايات المتحدة. وقالت وزارة الصناعة الكورية إن التفاصل بشأن حجم وتوقيت السحب من احتياطيات النفط ستتقرر بعد مناقشات مع الولايات المتحدة وحلفاء آخرين.

ويبلغ المخزون البترولي الحالي في كوريا الجنوبية 97 مليون برميل وهو ما يكفي الاستهلاك لحوالي 106 أيام، بحسب مسؤول بوزارة الصناعة.

وأعلنت الإدارة الوطنية للغذاء والاحتياطيات الاستراتيجية في الصين أنها بدأت تسحب كميات من النفط من الاحتياطيات الاستراتيجية لديها. وتأتي هذه التصريحات بعدما أفادت تقارير بأن الرئيس الأمريكي جو بايدن ناقش المسألة مع نظيره الصيني شي جين بينج .

ما هو الاحتياطي الاستراتيجي؟

يعرف الاحتياطي الإستراتيجي بأنه موارد النفط التي تحتفظ بها بعض الدول الكبرى لحالات الطوارئ، أبرزها الولايات المتحدة التي تحتفظ بـ621 مليون برميل مخزنة في كهوف بخليج المكسيك.

ويتعين علي كالة الطاقة الدولية التي تضم حوالي 29 دولة الاحتفاظ باحتياطات من النفط للطوارئ تغطي 90 يوما من صافي الواردات. ومن أبرز أعضاء هذه الوكالة، بالإضافة إلى الولايات المتحدة، بريطانيا وألمانيا واليابان وأستراليا.

الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأمريكي هو موارد النفط التي تحتفظ بها الولايات المتحدة ممثلة بـوزارة الطاقة (DOE) لحالات الطوارئ بالنسبة الوقود، وهي أكبر إمدادات الطوارئ في العالم، ولديها خزانات تحت الأرض في لويزيانا وتكساس بطاقة 797 مليون برميل. بدأت الولايات المتحدة مشروع احتياطي النفط في عام 1975 بعد انقطاع إمدادات النفط خلال الحظر النفطي العربي 1973-1974، للتخفيف من آثار تعطل الإمدادات النفطية في المستقبل.

ووفقاً لقانون سياسة الطاقة والحفاظ عليها الذي تم إقراره في 1975، فإن الرئيس الأمريكي بإمكانه السحب من الاحتياطي الاستراتيجي في حالة الطوارئ والنقص الشديد في الامدادات الداخلية أو العالمية، ولم يحدد السحب من الاحتياطي لغرض الموازنة في أسعار النفط، مما يجعل قرار سحب الولايات المتحدة 50 مليون برميل من الاحتياطي أمراً استثنائياً يحتاج لصياغة قانونية مختلفة.