قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، إن بلاده ستواصل مواجهة الإرهاب حتى القضاء عليه، موجهًا بتكثيف الجهود الأمنية والعسكرية لتأمين الحدود من محاولات الاختراق، جاء ذلك في أول تعليق من السيسي، منذ وقوع حادث الواحات الجمعة الماضي نقله بيان رئاسي عقب اجتماع أمس ضم وزير الدفاع صدقي صبحي، ووزير الداخلية اللواء مجدي عبد الغفار، ورئيس المخابرات العامة اللواء خالد فوزي.
وقال البيان الرئاسي، إن الرئيس استمع خلال الاجتماع إلى تقارير مفصلة بشأن الاشتباكات التي جرت بين قوات الأمن وعدد من العناصر الإرهابية، وأسفرت عن استشهاد عدد من رجال الشرطة ومقتل عدد من الإرهابيين.
من جهة أخرى، روى أحد الأطباء - الذين قدموا العلاجات للجرحى في الهجوم الذي استهدف قوات مصرية بمنطقة الواحات جنوب غربي القاهرة - الشهادات التي أدلى بها ضباط وجنود مصابون حول تفاصيل ما جرى خلال الكمين.
وقال الطبيب إن المسلحين كانوا يقتلون الضباط ويكتفون بإصابة الجنود، مضيفا أن المرشد القادم مع قوات الداخلية المصرية كان هو من يرشد المسلحين عن الضباط الذين كانوا ضمن القوة.
كما روى عن أحد الناجين أن الجرحى بقوا من الليل حتى الساعة الخامسة صباحا دون أن يأتيهم أي دعم جوي أو بري، حتى لفظ أحد الضباط أنفاسه الأخيرة أمامهم.
وروى الطبيب عن الجرحى الناجين من هجوم الواحات أن كثيرا من أفراد قوات الأمن المشاركين بالعملية لم يتم تدريبهم من قبل على استخدام الرصاص الحي، والدخول في اشتباكات مسلحة.
وذكر أيضا أن المسلحين الذين هاجموا القوة كانوا بين عشرة و12 مسلحا، وقد أحكموا السيطرة على هذه القوة التي بها نحو سبعين فردا ما بين ضباط وجنود.
تساؤلات الهجوم
وفي ملف خاص، طرح موقع الجزيرة نت العديد من الأسئلة حول هذه الواقعة، من بينها ما الذي جرى في الواحات؟ وكيف تمكنت مجموعة من المسلحين من نصب كمين محكم لقوات النخبة في وزارة الداخلية؟ ولماذا تجاهلت الدولة ضحايا الحادث؟ وما الجهة التي تقف وراء الهجوم؟..
كل هذه الأسئلة وأكثر تدور حاليا في عقل المواطن المصري بعد مقتل 55 من عناصر الشرطة المصرية خلال مواجهات مع مسلحين مجهولين في طريق الواحات البحرية بمحافظة الجيزة.
ورغم مرور نحو يومين على الحادث، ظل الغموض والتجاهل الرسمي والارتباك الإعلامي يسيطر على المشهد، وسط تضارب للمعلومات حول حقيقة ما جرى وكذلك حول أعداد ضحايا الشرطة، وسط دعوات رسمية لوسائل الإعلام إلى نشر الرواية الرسمية وعدم نشر أي معلومات إضافية حرصا على معنويات الشعب وقوات الأمن.
الرئيس عبد الفتاح السيسي كان أبرز الغائبين عما يجري، فلم يسارع لعقد اجتماع مجلس الأمن القومي كما اعتاد أن يفعل مع كل عملية تستهدف قوات الجيش في سيناء، ولم يشارك كذلك في جنازة ضحايا الشرطة، وفضل المشاركة في احتفال بالذكرى الـ 75 لمعركة العلمين التي دارت أحداثها خلال الحرب العالمية الثانية عام 1942.
التجاهل الرسمي وفداحة الحادث دفعت عدد من ضباط الشرطة إلى التعبير عن غضبهم وامتعاضهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومنهم الضابط أحمد أسامة الذي نشر تدوينة على موقع فيسبوك أبرز ما جاء فيها أنا كضابط هاستفيد إيه من كم الضغط المهول ده، وهل ما جرى عجز إمكانيات أم نقص في الخبرات أم حرب عصابات، أم أن الداخلية أضحت واجهة تتحمل الفشل، وكل ما يقتل واحد نقول قضاء وقدر، خدوا الكتافات والسلاح واشبعوا بيهم لو ده سيجعلني أعيش بني آدم زي خلق ربنا .
تضارب المعلومات
لا أحد يعرف على وجه التحديد ما الذي جرى في الواحات وسط تضارب البيانات، ففي حين تصرح وزارة الداخلية بأن 16 فقط من قوات الشرطة - بينهم 11 ضابطا - قتلوا في اشتباكات وقعت الجمعة كما أصيب في الاشتباكات 13 آخرون، وأنها لا تزال تبحث عن ضابط مفقود، ذكرت مصادر أمنية وتقارير صحفية مصرية أن عدد قتلى قوات الأمن في هجوم منطقة الواحات بلغ 55.
وذكر بيان لوزارة الداخلية المصرية أنها تلقت معلومات عن وجود من سمتهم عناصر إرهابية في إحدى المناطق بالعمق الصحراوي بالكيلو 135 في طريق أكتوبر الواحات، حيث اتخذوها مكانا للاختباء والتدريب والتجهيز للقيام بعمليات . وأضاف البيان أن قوات الأمن توجهت إلى المكان، وأن تلك العناصر اشتبكت معها لساعات واستخدمت أسلحة ثقيلة من كافة الاتجاهات ، وأنها قتلت خلال الاشتباكات 15 من العناصر المسلحة، وأنها تجري مطاردات بمشاركة قوات الجيش لعناصر مسلحة على مسافة تتراوح بين 25 و30 كيلو مترا داخل الصحراء من نقطة تجمع القوات على طريق الواحات.
مشاكل الداخلية
وبغض النظر حول ما جرى في الواحات، فقد كشف الحادث وفق خبراء أمنيين عن مشاكل كبيرة في طريقة عمل وزارة الداخلية، بداية من سوء التخطيط وسهولة الاستدراج وكذلك اختراق عدد من التنظيمات المسلحة لقوات الأمن بالإضافة إلى غياب التنسيق بين قوات الجيش والشرطة، وقد وصف الخبير الأمني محمود قُطري الحادث بأنه ضربة موجعة تصل إلى حد الفاجعة، حيث لم يسقط مثل هذا العدد من قبل في تاريخ الشرطة المصرية، مؤكدا في اتصال مع الجزيرة وجود تقصير وتقاعس وتخاذل كبير في التخطيط الأمني بوزارة الداخلية المصرية.
وتساءل قُطري عن غياب المعطيات الكافية لدى الشرطة بشأن عدد المسلحين وتسليحهم وأماكن اختبائهم، كما تساءل عن السبب في غياب الدعم الجوي منذ بداية العملية الأمنية وعدم استخدامه في استكشاف المنطقة، خاصة أن هناك معلومات سابقة عن وجود المسلحين في هذه المنطقة.
ارتباك إعلامي
ومع الغموض الأمني والسياسي، ساد الارتباك في الأوساط الإعلامية المصرية، فقد اختلفت تلك الوسائل حول طبيعة ما جرى وأعداد قتلى الشرطة، كما اختلفت في تحديد المسؤول المحتمل عن الاشتباكات التي وقعت بمنطقة الواحات ما بين تنظيمات المرابطون و ولاية سيناء و حسم . الصحفي أحمد عبدالقوي علق على الارتباك الإعلامي قائلا مفيش فضيحة للإعلام المصري أكبر من أن حادث مقتل قوات الشرطة في الواحات حصل في مصر، وتكون المصادر اللي الإعلام العالمي كله بينقل عنها الخبر وكالات أجنبية زي رويترز والفرنسية، وده بسبب إن الداخلية لسة منزلتش تفاصيل، إعلامنا مجرد نشرة علاقات عامة لبيانات الداخلية والجيش .
الهيئة العامة للاستعلامات (حكومية) وجهت احتجاجا شديد اللهجة إلى كل من وكالة رويترز وشبكة بي بي سي حول حادث الواحات، وقالت الهيئة إن إعلان تلك الوسائل الإعلامية أن عدد الشهداء من قوات الشرطة قد بلغ 52 شهيدا منهم 23 ضابطا استنادا إلى مصادر أمنية لم تحددها لا يليق من الناحية المهنية باثنتين من كبرى وسائل الإعلام في العالم . لكن الإعلامي المقرب للنظام أحمد موسى أذاع خلال برنامجه على مسؤوليتي ، تسجيلا صوتيا لطبيب بمستشفى العجوزة، ينقل من خلاله شهادات مصابي هجوم الواحات الذين قدموا العلاجات للضباط الجرحى، مؤكدا أن ما بين 10 إلى 12 مسلحا فقط نجحوا في السيطرة على القوة التي كانت مكونة من نحو سبعين ضابطا وجنديا، وأنهم كانوا يقتلون الضباط ويكتفون بإصابة الجنود.
وسارعت وزارة الداخلية في بيان رسمي لنفي صحة التسجيل، معتبرة أن نشر مثل تلك التسجيلات على هذا النحو يهدف لإحداث حالة من البلبلة والإحباط في أوساط وقطاعات الرأي العام ويعكس عدم مسؤولية مهنية، كما سارع مجلس نقابة الإعلاميين للدعوة إلى عقد اجتماع طارئ لمناقشة ما أسماها التجاوزات والخروقات التي حدثت خلال برنامج موسى في حلقته بشأن حادث الواحات وسط توقعات بإيقاف بث البرنامج.
لغز الواحات
ورغم ارتفاع عدد ضحايا الشرطة في حادث الواحات فإن تلك المنطقة الصحراوية تشهد منذ ثلاث سنوات مواجهات مفتوحة بين قوات الجيش والشرطة ومسلحين مجهولين، كما تعد مسرح عمليات لتنظيمات مسلحة من أبرزها تنظيم المرابطين التابع لتنظيم القاعدة والذي يقوده ضابط الجيش السابق هشام عشماوي.
ففي 19 يوليو 2014 تعرض كمين أمني تابع للجيش بمنطقة الفرافرة لهجوم استخدمت فيه أحزمة ناسفة وقنابل يدوية وآر بي جي، وبحسب مصادر أمنية فقد قتل في الهجوم 21 من قوات حرس الحدود، وفى 14 سبتمبر 2015 لقي 12 شخصا مصرعهم، وأصيب 10 آخرون بينهم سياح مكسيكيون في منطقة الواحات عن طريق الخطأ أثناء ملاحقة قوات مشتركة من الشرطة والجيش بعض المسلحين في منطقة الواحات بالصحراء الغربية.
ورغم قلة أعداد المنتمين لتنظيم المرابطين فإنه يستمد قوته من وجود عدد من الضابط والجنود السابقين بالجيش والشرطة، من أبرزهم قائد التنظيم الرائد السابق بسلاح الصاعقة هشام عشماوي، والنقيب بالصاعقة عماد الدين عبد الحميد اللذان فصلا من الجيش لدواع أمنية إثر تبنيهما للفكر الجهادي.
وكان عناصر التنظيم ينشطون ضمن جماعة أنصار بيت المقدس في محافظة شمال سيناء، قبل أن تنفصل عن أنصار بيت المقدس عقب إعلان الأخير في نوفمبر 2014 مبايعة لتنظيم الدولة الإسلامية وتغيير اسمه إلى ولاية سيناء .