تبدو قضية التبرعات المالية الموجهة للمرشحين قديمة، لكن اتجاهًا ما جديدًا في انتخابات العام 2016 يوحى بتغير المشهد الأمريكي تمامًا، وهو التوجه الرأسمالي نحو الديمقراطيين بقوة، والاتجاه المعلن من رؤوس الأموال لنبذ المرشح الجمهوري، بشكل يحدث لأول مرة تقريبًا، على الرغم من كون المرشح الجمهوري هذه المرة، واحدًا من أغنى أصحاب رؤوس الأموال في البلاد، دونالد ترامب، صاحب شركة ترامب عملاقة التطوير العقاري، والمعروف بولعه بصيحات اليخوت والطائرات الخاصة والمشاركة في مزادات الرفاهية.
تودد مستمر
فعلى الرغم من تصريحات ترامب المفعمة دائمًا بالتودد تجاه الأثرياء فيما يتعلق بالسياسة الضريبية التي يعتزم تطبيقها، والتي تحمل صك ترامب، واختلافه المعتاد، إذ يؤكد في كل محفل أنه بصدد خفض الضرائب على الأثرياء، في إجراء يطلق عليه دافع للاستثمار و المعزز للنمو الاقتصادي ، ولكن يبدو أن الأثرياء وأصحاب الشركات ذائعة الشهرة في أمريكا لا يبادلونه نفس الود، إذ تتجه قلوبهم وأموالهم هذه المرة بشكل مكثف نحو الحزب الديمقراطي وممثلته هيلاري كلينتون، على الرغم من الإرث الطويل لتأييد تلك الطبقات للجمهوريين في كل الانتخابات الأمريكية السابقة تقريبًا، وعلى الرغم من أن التوجه كان يبدو في بدايته مائل الكفة ناحية الاتجاه التقليدي، الجمهوريين.
فرؤوس الأموال دائمًا ما تفضل الجمهوريين، الذين يميلون لتوسعة رقعة السيطرة الأمريكية لأن الرأسمالية دائمًا ما تكون عنصرية كما يقول مالكوم إكس.
الأثرياء والشركات
دعم الأثرياء لكلينتون يبدو جليًا في حملات الملياردير الأمريكي جورج سوروس، الخبير الاقتصادي، وصاحب مؤسسة أوبن سوسايتي الأمريكية الشهيرة، الذي طالب في أكثر من محفل بضرورة ألا يصل ترامب إلى سدة الحكم بأي شكل من الأشكال ، كما يكرر كلام سوروس الملياردير اليهودي حاييم صبان المعروف بصلته الوثيقة أصلًا ببيل وهيلاري كلينتون.
أبرز مظاهر تخلي الأثرياء عن ترامب، تمثل في عرض المليونير الإعلامي لاري فلينت مليون دولار لأي شخص يقدم تسجيلات فيديو فاضحة تدين ترامب، أو تظهره بأي شكل غير لائق سلوكيًا أو اجتماعيًا .
لكن اتجاه إحدى كبريات المؤسسات المصرفية في الولايات المتحدة والعالم جولدمان ساكس إلى منع موظفيها من التبرع بأي مبالغ مالية لحملة ترامب، يفضح توجهًا غير مسبوق لرؤوس الأموال نحو المرشح الديمقراطي، بالإضافة إلى تسريبات ويكيليكس التي نشرت مؤخرًا موضحة وجود تنسيق كامل بين المرشحة الديموقراطية وبين بعض المؤسسات الكبرى في وول ستريت من خلال نشر خطابات مدفوعة الأجر لكلينتون، في ظل عدم نفي الحملة الرئاسية الرسمية لكلينتون هذه التسريبات، مكتفية بتحميل موسكو مسؤوليتها فقط، بهدف دعم ترامب.
كما يبدو الأمر واضحًا، لدى الوصول إلى معلومة أن 158 أسرة ثرية ضخت نصف أموال الحملات الدعائية الأولية للحزب الديمقراطي، بحسب معهد الضرائب والسياسات الاقتصادية الأمريكي، في تقرير سابق له.
مفارقة غريبة ! فترامب الذي يعتبر أول مرشح من تلك الطبقة المليارديرات بالغي الثراء في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، كان يتوقع أن يحظى بدعمهم، على الأقل بعد الوعود الطائلة لهم بسياسات تعفيهم ضريبيًا، عكس كلينتون التي لم تعدهم إلا بأن تبقى الأمور على حالها مع بعض الوعود بتوسيع مشاريع البنى التحتية، مع تطرق حتى لزيادة الضرائب عليهم، كان متوقعًا على الأقل ألا ينقلب الأثرياء على ترامب، وينفقوا أموالهم دعمًا للمنافس.