في الآونة الآخيرة أطلق خبراء بيئة قطريون فعالية بعنوان القرم (تاريخ، ثقافة، وثروة)، ضمن فعاليات الدوحة عاصمة الثقافة في العالم الإسلامي، وسلَّط خبراء بالوزارة الضوء على العراقة التاريخية لنبات القرم، واستخداماته، وأهمية الحفاظ عليه. ونظموا جولة ثقافية بحرية لمجموعة من منتسبي مبادرة مستقبل أخضر، لمحمية القرم في منطقه الذخيرة الواقعة في منطقه (مرّيح)، حيث استمع المشاركون إلى شرح معلومات عن محمية القرم والجهود المبذولة والمستمرة للمحافظة على نباتات القرم لكونه جزءاً من إرثنا الثقافي البيئي. وتم خلال الجولة التأكيد على دور الأفراد والمؤسسات في نشر الوعي حول أهمية المحافظة على نبات القرم أثناء القيام برحلات بحرية من خلال الالتزام باشتراطات النظافة وعدم رمي المخلفات في المحمية أو بالقرب من منطقة السيف (المد والجزر).
وبمناسبة اليوم الدولي لصيانة النظام الإيكولوجي لغابات المانغروف القرم كشف سالم حسين السفران مساعد مدير إدارة المحميات الطبيعية بأن مناطق أشجار القرم بدولة قطر، تمتد على مساحة 14 كيلومترا مربعا، وركز مساعد مدير المحميات الطبيعية في حديثه على أهمية أشجار القرم في الترويج للسياحة البيئية، حيث تعد غابات القرم بمحمية الذخيرة من الأماكن المفضلة لهواة السياحة الطبيعية، مشددا في الوقت ذاته على ضرورة الالتزام بالحفاظ على البيئة والحرص على النظافة العامة وعدم رمي المخلفات.
وكانت غابات القرم قبل 5 أعوام تمتد على مسافة 9 كيلومترات بيد أنها نمت وتمددت خلال الأعوام القليلة الماضية جراء اهتمام الدولة بها وتنتشر أشجار المانغروف (القرم) في عدة مناطق على شواطئ بحرية لدولة قطر، والقرم او المانغروف غابات متنوعة ثرية بالحياة البحرية وسط مياه الخليج العربي المالحة الضحلة، ومن أجل الحفاظ عليها ضمن رؤية قطر 2030 صدر لها قانون عام 2006 باعتبارها محمية طبيعية- في الشمال الشرقي لقطر، وتبعد نحو 64 كيلو مترا من العاصمة الدوحة.
يقول الدكتور سيف بن علي الحجري الخبير البيئي ورئيس برنامج لكل ربيع زهرة: أشجار المانغروف، أو القرم كما يطلق عليها خليجيا، تنمو عادة في مناطق تجمع مياه الأمطار والأنهار، إلا أنها قادرة أيضا على امتصاص مياه البحر المالحة وتحويلها إلى مياه عذبة والتغذي عليها، مما يؤهلها للانتشار في مناطق الخليج المختلفة وعلى رأسها الذخيرة، وأشجار المانغروف او القرم فريدة من نوعها، إذ بإمكانها التنفس عندما تغمرها مياه البحر في وقت المد، فهي تمتلك جذورا صغيرة تخرج من تحت الأرض، كما تحتوي على خلايا قابلة للفتح لتتنفس من خلالها في أوقات الجزر، وعند حدوث المد تغلق تلك الخلايا لحماية جذور الشجرة من الملوحة الكبيرة في مياه الخليج .
ويستطرد دكتور سيف بن علي الحجري قائلا: لذلك حرص برنامج لكل ربيع زهرة في معسكره بالخور ان يزرع بمياه الخليج على جرف المعسكر سلسلة من اشجار القرم تمتد على طول شواطئ المعسكر، ومن يزور المعسكر الان يجدها تعكس منظرا رائعا على ضفاف مياه الخليج .
ويضيف: تشتهر منطقة القرم النباتية بنظامها البيئي الذي يجذب الطيور المقيمة والمهاجرة كطيور النحام الوردي، وتوفر الأمن الغذائي للمجتمعات المحلية، كما تساهم في حماية الخطوط الساحلية وتخفيف آثار التغيرات المناخية والظواهر الجوية القاسية .
ومن يزور منطقة الذخيرة يرى ان حدود تلك الغابة من القرم تشكل ممرات مائية يمتد طولها نحو كيلومتر داخل مياه الخليج، وعرضها عدة كيلومترات على امتداد الشاطئ وتعد مزارا كبيرا للعائلات في العطلات الأسبوعية لقضاء أوقات استثنائية مغايرة عن تلك الأجواء الموجودة في البلاد.
وفي ذات السياق يصف الخبير البيئي صالح الكواري غابات القرم بالذخيرة بأنها تنتشر على مساحة شاسعة مزدهرة بالنباتات الطبيعية وسط الصحراء المحيطة بها من كل جانب وتشتهر بنظامها البيئي الذي يجذب الطيور، وإن هناك فوائد مباشرة وغير مباشرة لنباتات القرم الساحلية بالنسبة للإنسان والبيئة ولكافة أشكال الحياة فيها، ومن بينها إنتاج الأوكسجين وامتصاص غازات الكربون والغازات السامة، وأن وجود هذه الكثافة الكبيرة من الأشجار يؤدي إلى الحفاظ على درجة الحرارة مناسبة للحياة الشاطئية وخاصة في تقليص الفوارق الحرارية بين النهار والليل، فضلا عن المحافظة على رطوبة ودورة المياه بالتربة وعلى جلب الأمطار، كما تلعب نباتات المانغروف دورا هاما في منع ظاهرتي الانجراف والتعرية للتربة الشاطئية، ولذلك ببذل خبراء البيئة القطريين جهودا كبيرة في سبيل المحافظة على غابة القرم وحمايتها بهذا الشكل من الممارسات الضارة لبعض الزائرين .
وعالميا تهتم منظمة الأغذية والزراعة بغابات القرم في شتى أرجاء العالم، ومن خلال مبادرة مصايد الأسماك الساحلية تعمل الفاو على: إصلاح النظم الإيكولوجية الغنية بالأنواع دعمًا للمجتمعات المحلية في العديد من دول العالم، كما تسعى المجتمعات المحلية في شتى أرجاء العالم إلى إنقاذ الموائل الطبيعية مثل غابات القرم لحماية بيئاتها المحلية، على غرار ما تفعل دولة قطر ايضا .
وحول أهمية القرم يقول صيادون للفاو: نذهب للبحث عن المحار في غابات المانغروف لتوفير الغذاء لأسرنا ولأعمالنا هكذا نجني عيشنا. وإن عملنا بها بين يومين وثلاثة أيام، يمكننا كسب ما يكفي من المال لتغطية نفقاتنا على حدّ قول السيدة فاتو سار لخبراء الفاو، ولذلك يسعى أصحاب مشاريع الصيد أيضا الى جانب الدول إلى إنقاذ الموائل الطبيعية مثل غابات القرم الغنية بالأنواع .
وتضيف فاتو سار: في غابات المانغروف، نجد العديد من أصناف الأسماك ندرك أهمية أشجار المانغروف، ولهذا السبب لا ندمرها ، وهي تعني بذلك مجموعتها المحلية المعنية بصيد الأسماك، والتي تتألف من أشخاص ينتمون إلى ثالث أكبر مجموعة أصلية في السنغال، تدعى النيومينكا. وهم يعتبرون أشجار المانغروف مقدسة ويلتزمون بحماية تراثهم لأسباب اجتماعية ومالية على حدٍّ سواء .
ويحذر خبراء بالفاو انه: من دون أشجار القرم- الموجودة في أكثر من 100 بلد حول العالم، والتي توجد جميعها في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية- سيتغير النظام الإيكولوجي بالكامل وسوف تختفي سبل معيشة هذه المجتمعات. وتشكل غابات المانغروف بالنسبة إلى الأسماك موائل للتفريخ والنمو والملاذ بفضل المياه الباردة، ومحتوى الأكسجين العالي، والجذور المترامية الأطراف التي تؤدي دور الملجأ من الفرائس الأكبر حجمًا. أما بالنسبة إلى البيئة، فتشكل غابات المنغروف مكانًا تتقاطع فيه النظم الإيكولوجية المحيطية والقارية وتلك الموجودة في المجاري المائية .
ويقول الخبراء: إن سحر أشجار المنغروف متعدد الأبعاد. فهي تمثل مكانًا لتكاثر الأسماك، وتؤدي دور الحواجز بوجه العواصف، وتوفر مصادر الخشب للبناء والطهي. وإن الشبكة الملفتة لجذورها تعمل أيضًا كمرشح للرواسب، فتنظف المجاري المائية فيما تعمل أيضًا على تثبيت التربة.
ويشرح يعقوب اسولا، منسق المشاريع لاتفاقية برنامج الأمم المتحدة للبيئة: إذا لم نقم اليوم بإعادة تشجير غابات المانغروف، ستؤدي الأمطار والأنشطة المختلفة إلى تآكل قواعدها. وإن ذهبت هذه القواعد، أصبحت هذه التربة عقيمة، بحيث لا يمكن أن ينمو أي شيء فيها.
ومع انطلاق عقد الأمم المتحدة لإصلاح النظم الإيكولوجية (2021-2030)، تعمل منظمة الأغذية والزراعة وشركاؤها على تعزيز النظم الإيكولوجية السليمة لغابات المنغروف وقدراتها الإنتاجية، وعلى إصلاح الموائل المحلية لصالح المجتمعات والكوكب.
وكان تقرير سابق لوزارة التخطيط التنموي والإحصاء رصد تخصيص أكثر من 23% من مساحة قطر البرية عام 2014 كمحميات طبيعية (2744 كيلو مترا مربعا)، موضحا أنه في المجمل هناك 12 محمية طبيعية بيئية برية هي (العريق، الذخيرة، خور العديد، الرفاع، أم العمد، أم قرن، الصنيع، الريم، الشحانية، المسحبية، الوسيل، وادي سلطانة)، وتبلغ مساحة المحميات البحرية 720 كيلومترا مربعا تشمل محمية خور العديد والذخيرة.
وأشار التقرير إلى ثبات نسبة المحميات الطبيعية من إجمالي المساحة الكلية للدولة، وتأتي محمية خور العديد على رأس المحميات البرية من حيث المساحة البالغة 1293 كيلومترا مربعا بنسبة 47% من إجمالي المحميات البرية، كما تعتبر أكبر المحميات البحرية، حيث بلغت مساحتها 540 كيلومترا مربعا أي بنسبة 75% من إجمالي المحميات البحرية.