العقاقير المنشطة أو الملف الأسود، كما يطلقون عليها في أوروبا، باتت واحدة من أكبر آفات الرياضة في عالمنا المعاصر، فكم من أسماء كبيرة سقطت ضحية لها، وكم من نجوم دفعوا ثمناً باهظاً من صحتهم وسمعتهم لقاء تعاطي هذه المنشطات.. وأثبتت التجارب أن لغريزة الفوز أحكاماً أخرى، وأن المجتمعات المادية لا يمكنها أن تفرز غير عبودية المال والرضوخ لشروطه، وقبل أن تفوح رائحة الفضائح في كواليس اللجنة الأولمبية الدولية بعد قرن من إنشائها، فإن المضامير والميادين والقاعات كانت شاهدة في وقت مبكر على فصول الغش والتضليل، خدعونا فقالوا: إنجازات رائعة وخارقة ، وتأتي الحقيقة المرة لتكشف المستور وتُشكك في كل زمن قياسي وفي كل قفزة مذهلة، وفي كل رقم مثير.
ومع التطور العلمي، توصل العلماء إلى ابتكار منشطات وهرمونات تساعد على تنمية القدرات الجسدية للمرضى، قبل أن يتم توظيفها في مساعدة اللاعبين على اكتساب قدرة أوسع للتنافس، في ضرب صارخ للمواثيق الرياضية.
ودفع هذا الأمر المنظمات الدولية إلى التحرك بـ حزم لمكافحة هذه الممارسات لأخطارها المتعددة، سواء على صحة المتعاطي من جهة أم على قواعد التنافس من جهة أخرى، حيث يتم رصد أموال وميزانيات ضخمة لمواجهة آفة المنشطات، وفي مقدمة تلك المنظمات نجد الوكالة الدولية لمكافحة المنشطات أو ما تعرف اختصارا بـ وادا ، والتي رصدت 30 مليون دولار كميزانية لمواجهة أخطار المنشطات، والاتحاد الدولي لكرة القدم فيفا الذي يخصص نحو 16 مليون دولار لمجال البحث الطبي ومن ضمنها مكافحة المنشطات. ووفقا لتقديرات مالية قامت بتجميعها لوسيل بناء على آراء الخبراء والمختصين، فإن معدل تكلفة إجراء اختبارات الكشف على المنشطات سنويا تصل إلى نحو 112 مليون دولار (408.8 مليون ريال)، ويتم سنويا إجراء نحو 280 ألف اختبار عبر العالم في مختلف الرياضات.
ولا يقتصر خطر المنشطات والهرمونات والمكملات المحظورة على الرياضيين المدرجين على لوائح الاتحادات الرياضية، وإنما يطال فئة واسعة من الشباب التي ترتاد قاعات الرياضة أو ما يعرف بـ الجيم ، حيث يقومون بتناول تلك المنشطات عن جهالة لمخاطرها.
وقد أجمع أطباء ومختصون في مكافحة المنشطات تحدثوا لـ لوسيل على أن قرابة 30% من الشباب في العالم الذين يتناولون تلك المكملات والمنشطات معرضون بشكل مباشر لمضاعفات صحية خطيرة تصل إلى الجلطة القلبية ومن ثم الموت السريع في بعض الحالات نتيجة تضخم عضلات القلب.
وعلمت لوسيل أنه يتم العمل حاليا في قطر لإصدار قانون لمكافحة المنشطات وإدخالها إلى الدولة وتطبيق عقوبات على المخالفين، مع العلم أنه تم إحباط 80 محاولة إدخال لمكملات ومنشطات رياضية خلال الثلاث سنوات الماضية عبر مطار حمد من قبل الجمارك وتم تسليم تلك المواد إلى وزارة الصحة واللجنة الوطنية لمكافحة المنشطات لإتلافها. ولحسن الحظ في بلادنا العربية ما زالت حالات تعاطي المنشطات قليلة.. لكن الجهل بأمورها ومخاطرها يبدو كبيراً، ومن أجل الحديث عن المنشطات، ما مخاطرها؟ ولماذا حظرُها؟ وكيف العمل على مكافحتها؟ لوسيل تقلب في صفحات الملف الأسود.
المواد المحظورة
تعرف المنشطات الرياضية على أنها مواد تنتج إما من الطبيعة أو محورة اصطناعيا، تعمل على تحفيز أنسجة الجسم وتطويره، ويتم تعاطيها من خلال الحقن أو من خلال المشروبات وغيرها، ويشير المختصون في الأدوية والسموميات إلى أن هذه المواد قد تزيد من حجم العضلات وقوتها إلا أن مخاطر ذلك على المدى المتوسط والبعيد يكون سلبيا. وتضم المنشطات والهرمونات ثلاث مجموعات، الأولى تشمل الذكور والإناث، والثانية تقتصر على الذكور، والثالثة تقتصر على الإناث، كما تحتوي المنشطات الرياضية المعروفة على مواد التستوستيرون والأندروستينيدون والغونداتروبين والإرثروبيوتين والكرياتين، إلى جانب ذلك توجد مجموعة صناعية من الهرمونات وتسمى بالإسترويدات البنائية المصممة. وتقسم الوكالة الدولية لمكافحة المنشطات هذه المواد إلى عدة اقسام تضمن القائمة الأولى مواد الإثارة والثانية مواد التخدير والثالثة مواد مقاومة الألم والرابعة مواد البناء الجسماني والخامسة المواد المساعدة على التركيز الذهني والسادسة مدرات البول والسابعة هرمونات النمو، كما تشدد الوكالة الرقابة على منشطات الدم والكحول والماريجوانا.
براءة المشروبات المنشطة من شبهة المحظورات
يثير موضوع المشروبات المنشطة استنفار عدد من الأشخاص بمن فيهم الرياضيون، حيث يعتبرون أن هذه المشروبات تدخل ضمن جدول المشروبات المحظورة على اللاعبين والمضرة بصحة الفرد بشكل عام، في هذا الإطار قال الدكتور مارسيل سوجي الطبيب والباحث في جامعة لوزيان السويسرية والمدير السابق لمختبر مكافحة المنشطات بسويسرا لـ لوسيل إن الرياضي يعمد إلى هذه المشروبات لاستعادة قواه الجسدية بعد المجهود الكبير الذي يبذله خاصة أنها تحتوي على مادة السكر، كما شاركه في نفس الرأي الخبير في علم السموم بكلية الطب بالأردن الدكتور كمال الحديدي الذي قال إنه لا توجد قوانين تمنع تناول هذه المشروبات التي تحتوي على مادة الكافيين، مشيرا إلى أن الوكالة الدولية منعت قبل 15 سنة مادة الكافيين، حيث اعتبرت وجود 12 ميلليجراما من الكافيين يدخل ضمن طائلة تعاطي المنشطات ومخالفة القانون. ورغم ذلك فقد حذر الدكتور كمال الحديدي من تعاطي هذه المشروبات لخطورتها الصحية على بعض الأشخاص الذين يعانون من مشاكل قلبية وعائية، حيث يؤثر الكافيين على نبضات القلب وضغط الدم، مما يسبب خطرا على الحياة، مضيفا: هي مواد سليمة لكن الإكثار منها ضار حتى على الأفراد الطبيعيين .
إلى ذلك، فإن هذه المشروبات تحتوي على منبهات، حيث تشتمل على الكافيين والأمفيتامين والإفيدرينالى، إلى جانب كمية كبيرة من السكر ويشير الأطباء بشكل عام إلى أن هذه المشروبات تسبب الأرق والاضطراب في عدد دقات القلب والهلوسات وصعوبة في التركيز والإدمان عليها قد يؤدي بالإنسان إلى السكتة الدماغية أو القلبية بالنسبة لمرضى القلب والشرايين والسكري.
وتشير بعض التقارير الطبية والعلمية إلى أن الحد الأقصى الآمن من الكافيين الذي يمكن أن يتناوله الفرد البالغ والذي لا يعاني من مشاكل صحية نحو 400 ملليجرام يوميا.
للحيوانات نصيب كبير من المنشطات
لا يقتصر تعاطي المنشطات على الإنسان فقط، بل يتجاوز ذلك ليشمل الحيوانات، حيث يتم إعطاء الخيول وحيوانات السباقات مواد منشطة، بهدف منحها كتلات عضلية وقدرة أكبر على التنافس، حيث يتم من فترة إلى أخرى الكشف عن تجاوزات لقواعد مكافحة المنشطات ضمن السباقات التي يكون فيها الحيوان طرفا في التسابق، وخاصة الخيول.
إلى ذلك، فقد كشف ناصر شريدة الكعبي، مدير عام نادي السباق والفروسية، عن إيقاف حصان ومدربه لمدة عام بعد التأكد من خلال التحليل المخبري من وجود فيتامين B12 مضاعفا 12 مرة من المعدل الطبيعي في دم الحصان، مشددا على أن الصرامة والشدة في التعامل مع مسألة المنشطات في مجال سباقات الخيل سمح بتعزيز النزاهة والتنافس النبيل، موضحا أن إستراتيجية النادي تتطلب التحقق ومكافحة المنشطات ضمانا للقيم والمبادئ الرياضية.
ويشار إلى أنه تم بنهاية العام الماضي توريد خيول للرياضة بقيمة 19.8 مليون ريال.
من جهته، قال الرئيس السابق لمركز مكافحة المنشطات السويسري د. مارسيل سوجي لـ لوسيل إن رياضة الخيول هي من أكثر الرياضات التي يتم فيها تجاوز قوانين مكافحة المنشطات، حيث يتم حقن الحصان بهرمونات أو إطعامه المنشطات والفيتامينات ضمن العلف والماء قبل السباق بفترة من الزمن، مشيرا إلى أن تقفي أثر المنشطات في دم وفضلات الحصان بسيط مقارنة بتتبع أثر المنشطات في دم الرياضي.
وأشار الأستاذ بكلية الطب بلوزيان في سويسرا إلى تأثير إعطاء الحيوانات للمنشطات على صحة الإنسان، حيث قال إن استعمال المنشطات للحيوانات في الرياضة لا يؤثر على صحة الإنسان، حيث يقتصر التأثير على المسابقات، أما إذا تحدثنا عن حقن الحيوانات المعدة للاستهلاك البشري من عجول وأبقار وخراف بهرمونات ومنشطات إلى جانب إعطائها لمكملات غذائية بهدف تضخيم اللحم، فإن ذلك له مخاطر كبيرة على صحة الإنسان .
وأوضح أن الهرمونات والمنشطات التي تحقن للعجول والخراف، قد تكون في الغالب ملوثة، رغم أن بعض الدول تقوم بعملية التسمين من خلال الهرمونات على غرار الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول في أمريكا الجنوبية، حيث تخضع العملية إلى المراقبة البيطرية، مضيفا: ورغم ذلك لاحظنا وجود مخاطر كبيرة على صحة الإنسان بطول مدة استهلاكه لتلك اللحوم .
وأشار الدكتور سوجي إلى وقوع 60% من اللاعبين في كأس العالم لأقل من 17 عاما والتي أقيمت في المكسيك 2011، ضحية للمنشطات نتيجة تناولهم للحوم ملوثة بهرمونات ومنشطات محظورة من الوكالة الدولية لمكافحة المنشطات.
وكانت اختبارات الكشف عن المنشطات في هذه البطولة، أفضت للكشف عن تعاطي 109 لاعبين مادة الكلينبوتيرول المنشطة، بعد أكل هؤلاء اللاعبين لكميات من اللحوم المكسيكية الملوثة بهذه المادة المحظورة.