دراسة لمكتبة قطر الوطنية توثق تاريخ الطواعين والأوبئة في العالم الإسلامي

لوسيل

الدوحة - قنا

كشفت دراسة لمكتبة قطر الوطنية عن بعض الحقائق المهمة حول تعامل العرب والمسلمين عبر تاريخهم القديم مع الأوبئة والطواعين، وكيف نجوا من هذه الأمراض والأوبئة التي فتكت بالملايين.

وأظهرت مجموعة من النصوص والوثائق التراثية، بعضها متوفر في المكتبة التراثية بمكتبة قطر الوطنية بأصولها الورقية وبصيغة رقمية كذلك، أن العلماء العرب والمسلمين قد عاصروا هذه الطواعين والأوبئة وجربوا آلامها ومعاناتها، بل وصنفوا فيها العديد من المؤلفات والكتب التي وثقوا فيها حياتهم تحت وطأتها ودونوا فيها ملاحظاتهم ومشاهداتهم حولها.

وقال الباحث محمود زكي، أخصائي المخطوطات في المكتبة التراثية، ومعد الدراسة، شهد تاريخ البشرية العديد من الأوبئة والجوائح، ومنه التاريخ الإسلامي، وغالبًا ما كان يطلق عليها عمومًا اسم الطَّاعون أو للجوائح منها الطاعون الكبير أو الجارف. وقد نتج عن العزلة التي فُرضت على العلماء والمؤلِّفين العرب والمسلمين الذين عاصروها أو اختاروها بأنفُسهم عددٌ كبيرٌ من المؤلَّفات المُفردة في موضوع الأوبئة والطواعين، منها ما تناول هذه النوازل من جانبٍ طبيّ، ومنها الشرعيّ الدينيّ، إضافةً إلى السرد التاريخيّ -الاجتماعيّ والأدبيّ، فضلًا عما وقع تناوله ضمن كتب الحديث والفقه والطب ، وكانت التجارب الفردية لمن عايشوا هذه الطواعين حاضرةً بجلاء في أعمالهم، كلٌّ منهم حسب مجال تخصُّصه .

وأشار إلى عدد من الكتب والمخطوطات التي تناولت الموضوع، ومنها رسالة الكندي (توفي نحو 260 هـ/873 م) في الأَبْخِرَة المـُصْلِحَة للجو من الأوباء، وكتاب الطواعين لابن أبي الدنيا (توفي 281 هـ/894 م)، ونعت الأسباب الموَّلِّدَة للوباء في مصر لابن الجزار (توفي 395 هـ/890 م)، وكتاب مادة البقاء بإصلاح فساد الهواء والتحرز من ضرر الأوباء لمحمد التميمي (توفي نحو 390 هـ/990 م).

كما كان الطاعون الكبير أو الموت الأسود حاضرًا بقوة في كتابات العلماء المسلمين، وقد تسبَّب في موت نحو 200 مليون إنسان في أوروبا وآسيا بين عامي 1346 و1353، وكان هذا الطاعون قد وصل إلى العالم الإسلامي 1348 م. وقد ذكر المؤرَّخ المقريزي الذي ولد في 766 هـ / 1364م أي بعد مرور عشر سنوات على انتهاء هذا الطاعون أن ابتداءه كان في الصين، وأنه لم يكن مثل الطواعين السابقة بل عمَّ أقاليم الأرض شرقًا وغربًا، وشمالًا وجنوبًا، جميع أجناس بني آدم، وغيرهم حتى حيتان البحر، وطير السماء، ووحش البرّ ، كما وصف المؤرخ عبد الرحمن بن خلدون في مقدمته الشهيرة الخسائر الهائلة التي أنزلتها كارثة الموت الأسود بالبشرية.

وأشارت الدراسة إلى علماء ومؤلفين آخرين ممن عاصروا الطاعون الأكبر، ومنهم من مات به أو بطاعون لاحق أو بأسباب متصلة به بعد تأليفه عنه، مثل ابن الوردي (توفي 749 هـ) والصَّفَدِي (توفي 764 هـ) الذي كتب فيه مقامةً أدبيةً كذلك، وتاج الدين السُّبْكِي (توفي 771 هـ) وابن أبي حَجَلَة التِّلِمْساني (توفي 776 هـ)، الذي ألَّف في الطاعون رسالته المختصرة الطب المسنون في دفع الطاعون ، ويُعدُّ كتاب بذل الماعون في فضل الطاعون من أشهر الأعمال العربية في الطاعون، التي بني عليها واعتمدها كثيرٌ مما كتب بعده، اختصارًا وتهذيبًا، مثل السيوطي (توفي 911 هـ / 1505 م) وغيره. وهو من تأليف ابن حَجَر العَسْقَلاني (توفي 852 ه/1449 مـ) المُحّدِّث والمؤرخ المعروف، وعاصر عدة طواعين.

ويذكر معد الدراسة أن مكتبة قطر الوطنية تحتفظ بنسخة مخطوطة نفيسة من كتاب العسقلاني كُتبت بالمسجد الأقصى بفلسطين سنة 864 هـ / 1460 م، أي بعد اثنتي عشرة سنةً من وفاة المؤلف، وإحدى وثلاثين سنةً من تاريخ تأليفه لها (سنة 833 هـ)، كما تقتني المكتبة مخطوطا نادرًا بعنوان مِجَنَّة الطاعون والوَباء لإلياس بن إبراهيم الإسباني، ألَّفها سنة 915 هـ / 1509 م للسلطان العثماني بايزيد الثاني، وهذا المخطوط متوفر أيضًا بصيغة رقمية عبر المستودع الرقمي للمكتبة (http://ediscovery.qnl.qa/).