

لم تعد الصورة الفوتوغرافية في قطر مجرد تسجيل للحظة عابرة أو توثيق لمشهد يختفي بعد لحظات، بل تحولت إلى وسيلة لقراءة المكان واكتشاف تفاصيله وحفظ ذاكرته، وإلى مساحة يلتقي فيها الفن بالتاريخ والهوية والتحولات التي شهدها المجتمع.
ومن السماء إلى أعماق البحر، ومن تفاصيل العمارة إلى ملامح التراث، تتسع تجارب المصورين لتقدم صورًا مختلفة لقطر، لا تكتفي بما تراه العين، وإنما تبحث عما وراء المشهد: عن الضوء الذي يكشف تفاصيل المكان، وعن الزمن الذي يغير ملامحه، وعن الإنسان الذي يمنح الصورة معناها.
وبمناسبة اليوم العالمي للتصوير الذي يوافق 19 أغسطس كل عام، تقدم «العرب» ملفا خاصا حول تنوع الإبداع التصويري والعدسات في قطر عبر حلقات نابضة لواقع جمالي يربط بين الإبداع والتوثيق
في السماء وفي البحر وفي ملامح عمارتنا التقليدية ونهضة بلادنا وتاريخنا وتراثنا عندما تكون الصورة ليست مجرد أبعاد جمالية، بل وثيقة لحفظ الذاكرة.
ونتتبع في هذا الملف كيف تتحول العدسة من أداة لرصد الواقع إلى وسيلة لصناعة ذاكرة بصرية لقطر، تحفظ ملامح المكان وتوثق تحولات المجتمع، وتؤكد أن الصورة، حين تلتقي فيها المعرفة بالفن، لا تحفظ التاريخ فحسب، بل تمنح الحاضر فرصة لأن يُقرأ من جديد في المستقبل. وفي أولى حلقات الملف نتناول التصوير الفلكي حيث يشهد تطورًا متسارعًا يتجاوز توثيق الأجرام السماوية إلى أداة مهمة لدراسة الكون ورصد ظواهره، مستفيدًا من تطور التلسكوبات والكاميرات الرقمية وتقنيات معالجة الصور. وبينما تتيح تقنيات التعريض الطويل والتكديس إظهار أجرام خافتة لا تراها العين المجردة، يفرض هذا التطور تحديًا يتمثل في تحقيق التوازن بين الدقة العلمية والجمال الفني، خاصة مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى عمليات معالجة الصور وتحسينها.

رصد الأجرام السماوية
ويستعرض خبراء ومصورون فلكيون لـ «العرب» مراحل تطور هذا المجال، وأبرز تقنياته، وحدود المعالجة الرقمية، ودوره في توثيق أسرار السماء وخاصة في قطر.
الدكتور بشير مرزوق، الخبير الفلكي بدار التقويم القطري، يقول إن التصوير الفلكي هو أحد أنواع التصوير المتخصص في رصد الأجرام السماوية، مثل الكواكب والمجرات والسدم، باستخدام كاميرات خاصة وتلسكوبات تتيح الحصول على صور واضحة وملونة لهذه الأجرام. وأوضح أنه ينقسم إلى نوعين رئيسيين؛ الأول للمتخصصين، ويركز على دقة التفاصيل والبيانات التي يمكن توظيفها في البحوث العلمية، فيما يهتم النوع الثاني، الذي يمارسه الهواة والمصورون، بإبراز الجانب الجمالي للأجرام السماوية.
وأشار مرزوق إلى أن بدايات التصوير الفلكي تعود إلى القرن التاسع عشر مع ظهور التصوير الفوتوغرافي، وكانت أول صورة فلكية معروفة للقمر عام 1840، قبل أن تتطور التقنية وتصبح أداة أساسية لعلماء الفلك في دراسة أجرام النظام الشمسي، والمجرات والسدم والأجرام البعيدة. وبيّن أن المجال مرّ بمراحل تقنية متعاقبة، بدأت باستخدام الصفائح النحاسية المطلية بالفضة والمواد الكيميائية، ثم الألواح الزجاجية الحساسة للضوء، فالأفلام المرنة والملونة، وصولًا إلى الكاميرات الرقمية والحساسات الإلكترونية، التي ألغت الحاجة إلى الأفلام والمحاليل الكيميائية وأتاحت الحصول على صور أكثر دقة وتفصيلًا.
وأكد أن التصوير الفلكي أسهم بصورة كبيرة في تعميق فهم العلماء للكون، ودراسة الفضاء السحيق، وجمع البيانات حول خصائص المجرات والحشود النجمية والسدم وغيرها من الأجرام السماوية، مشيرًا إلى أن هواة الفلك يؤدون بدورهم دورًا مهمًا في إنتاج صور تكشف جمال الكون وتفاصيله.

وأوضح المصور القطري ربيعة الكواري، المتخصص في التصوير الفلكي، أن الفارق بين الصور التي تلتقطها الهواتف والكاميرات العادية للسماء والصور الفلكية الاحترافية يعود أساسًا إلى قدرة العدسة على جمع الضوء؛ فكلما كبرت فتحة العدسة، دخل ضوء أكثر إلى حساس الكاميرا، ما يتيح تصوير الأجرام الخافتة بوضوح أكبر. وينطبق الأمر ذاته على التلسكوبات، التي قد تصل فتحاتها إلى متر أو أكثر، مقابل نحو 40 ملم كحد أقصى للعدسات.
وأوضح أن المجرات من الأهداف شديدة الخفوت، ولذلك تحتاج إلى تعريضات طويلة وتقنيات خاصة، مشيرًا إلى أن الحركة الظاهرية للنجوم والمجرات ناتجة عن دوران الأرض. ولهذا تُستخدم متتبعات النجوم التي تُعاير وفق موقع المصور لتتبع الأجرام طوال الليل وجمع أكبر قدر من البيانات، ثم تُدمج الصور بتقنية التكديس لإنتاج الصورة النهائية.
وبيَّن الكواري أن القمر هدف ساطع يمكن رؤيته بالعين المجردة، بخلاف كثير من السدم والأجرام البعيدة، ولذلك لا تمثل مدة التعريض عاملًا أساسيًا في تصويره، بينما يتمثل التحدي في اضطرابات الغلاف الجوي التي تؤثر في حدة التفاصيل. وأوضح أن التغلب على ذلك يتم بتصوير القمر فيديو بمعدل 80 صورة في الثانية أو أكثر، ثم استخدام برامج متخصصة لاختيار أكثر الصور أو البكسلات وضوحًا ودمجها في صورة عالية الحدة، وهي تقنية تعرف باسم «التصوير المحظوظ» (Lucky Imaging).
ساعات من التصوير لتحسين الجودة
وأشار إلى أن بعض الأهداف تحتاج إلى ساعات من التصوير بسبب تقنية التكديس، التي ترفع نسبة الإشارة إلى التشويش (Signal-to-Noise Ratio)؛ فالأجرام الخافتة تنتج إشارة ضعيفة وسط التشويش، بينما يؤدي جمع عدد كبير من الصور ودمج بياناتها إلى تقوية الإشارة وتقليل التشويش، وصولًا إلى صورة أكثر صفاءً وتفصيلًا.
وأكد أن الصور الفلكية النهائية تخضع للمعالجة الرقمية، لكن أساليبها تختلف بين المصورين، موضحًا أن المعالجة العلمية تهدف إلى إظهار الجرم بأكبر قدر ممكن من صورته الطبيعية، وهو ما يمثل أحد الفوارق بين المصور المحترف والمبتدئ. كما تختلف المعالجة الفنية، خصوصًا في تشبع الألوان؛ فالألوان تكون حقيقية في كثير من الحالات، ولا سيما عند استخدام تقنيات النطاق العريض (Broadband)، لكن درجة تشبعها قد تتأثر بذوق المصور. ولفت إلى وجود منصات عالمية متخصصة في تقييم الصور الفلكية من حيث الدقة والجودة والجمال، موضحًا أنه يعمل حَكَمًا في إحدى هذه المنصات ويقيّم نحو 150 صورة فلكية يوميًا.
من الشغف إلى العالمية
وقال الكواري إن بدايته مع التصوير الفلكي جاءت من شغفه بعلم الفلك، إذ بدأ بتلسكوب صغير لمراقبة القمر والكواكب، قبل أن يقوده الفضول إلى تصوير الأجرام التي لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة وتحتاج إلى تعريضات طويلة وتقنيات دقيقة.
وأضاف أنه واصل تطوير تجربته لسنوات، ونشر أعمالًا التقطها من سماء قطر في مجلات عالمية متخصصة، مشيرًا إلى أن وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» نشرت ثلاث صور له ضمن برنامج «صورة اليوم الفلكية» (Astronomy Picture of the Day).
وأكد أن إحدى صوره كانت أول صورة من سماء قطر تنشرها ناسا ضمن البرنامج، معتبرًا ذلك محطة مهمة في مسيرته وتقديرًا لحضور التصوير الفلكي من قطر على المنصات العلمية والفلكية العالمية.
أما المصور الفلكي الدكتور محمد داود العاني، فقال: إن التصوير الفلكي يجمع بين العلم والفن، ويُعد أحد فروع علم الفلك للهواة، إذ يتيح التعرف إلى النجوم والسدم والمجرات وتكوينات الكون، ويسهم في رسم خرائط السماء والكشف عن بعض الكويكبات والمذنبات وتوثيق الظواهر الفلكية، مثل الكسوف والخسوف وزخات الشهب. وأوضح أن التحدي الأساسي يتمثل في الموازنة بين جمال الصورة ودقتها العلمية، مشيرًا إلى أن الصور الفلكية تمر بمراحل معالجة تبدأ بالمعايرة وإزالة التشويش وتصحيح عيوب العدسات، ثم تكديس عدد من الصور لتحسين جودة البيانات. ويعتمد التصوير غالبًا على التعريض الطويل، الذي قد يستمر دقيقة أو أكثر، لجمع الضوء الصادر عن أجرام بعيدة ملايين أو مليارات الكيلومترات.
وتشمل المعالجة العلمية مقارنة الصور بخرائط السماء، وتصحيح الألوان استنادًا إلى معلومات القياس الطيفي، وإزالة الضوضاء الناتجة عن الأضواء الشاردة والتلوث الضوئي، قبل الانتقال إلى المعالجة الفنية عبر ضبط التباين والحدة والسطوع والتشبع اللوني.
وبيّن العاني أن تصوير أجرام الفضاء السحيق يتم أساسًا بطريقتين: الأولى باستخدام الألوان الأساسية للضوء الأحمر والأخضر والأزرق (RGB)، بما يحاكي رؤية العين، والثانية باستخدام ألوان اصطناعية ومرشحات خاصة تُبرز انبعاثات عناصر وغازات محددة، مثل الهيدروجين باللون الأحمر، والأكسجين بالأزرق، والكبريت بدرجات حمراء داكنة.
وأوضح أن هذه الألوان لا تغيّر الحقيقة العلمية، وإنما تكشف مكونات وخصائص موجودة فعليًا في الضوء ولا تستطيع العين البشرية رؤيتها مباشرة، كما تزيد التباين وتظهر تفاصيل إضافية.
وضرب مثالًا بـمجرة المرأة المسلسلة، التي تبعد نحو 2.5 مليون سنة ضوئية، موضحًا أن تصويرها بالألوان الطبيعية يظهرها وسط خلفية سوداء، بينما تكشف المرشحات الخاصة تكتلات حمراء تمثل مناطق تشكل النجوم ووفرة غاز الهيدروجين، وبقعًا زرقاء تمثل انبعاثات الأكسجين.
وأشار إلى أن المبالغة في زيادة الألوان أو حدة الصورة قد تنقلها تدريجيًا من وثيقة علمية إلى عمل فني يعكس رؤية المصور. كما يعتمد اختيار الجرم وطريقة تصويره على البعد البؤري المناسب للتلسكوب، سواء لإظهار الجرم كاملًا أو جزء منه، إلى جانب اختيار زاوية التصوير وتدوير الكاميرا وفق الرؤية الفنية. أما في الصور المخصصة للبحث العلمي، فيجب أن يكون الجزء العلوي منها باتجاه الشمال الحقيقي.
ولفت العاني إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة مفيدة في معالجة الصور الفلكية، خصوصًا في تقليل الضوضاء وتصحيح أشكال النجوم الناتجة عن التشوهات البصرية، بما يساعد على استعادة شكلها الدائري الطبيعي.
وشدد على ضرورة استخدام الذكاء الاصطناعي بقدر محدود في الصور ذات الاستخدام العلمي، حتى لا تتغير البيانات أو تفقد الصورة مصداقيتها، مؤكدًا أهمية الحفاظ على أصلها العلمي.
واختتم العاني بالتأكيد على القاعدة المتداولة بين المصورين الفلكيين: «الجمال بالبساطة».