بعد 27 عاما من انطلاق تجربة الخصخصة في مصر، تعود البلاد تحت ضغط صندوق النقد الدولي إلى هذا البرنامج الذي لا يرتبط بذكريات طيبة في أذهان أغلب المصريين، وبتوجيهات مباشرة من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، تمضي الحكومة في طريقها لخصخصة عدد من الشركات والبنوك الحكومية عن طريق طرح حصص منها للبيع في البورصة المصرية.
صدر الإعلان الأول عن هذا البرنامج في يناير 2016 من جانب الرئاسة المصرية، والآن تقول الحكومة إنها قررت مباشرة الخطوات التنفيذية وستبدأ بطرح حصص من خمس شركات (مدرجة في البورصة أصلا)، كشفت عن أسمائها يوم الثلاثاء 17 يوليو 2018. لا تقول الحكومة إنها تتحرك تحت ضغط صندوق النقد الدولي - الذي يقرضها 12 مليار دولار على مدى ثلاث سنوات بدءا من نوفمبر 2016- ولا تقول إنها تلجأ للخصخصة لسد عجز مالي، بل تعلن أن هدفها هو تنشيط البورصة وزيادة رؤوس الأموال فيها وتطوير الشركات المستهدفة.
بيد أن تقارير صحفية عدة تفيد بأن الخصخصة شرط من شروط صندوق النقد الدولي لصرف الدفعات الباقية من القرض، إذ إن الصندوق يدفع دائما في اتجاه تمكين القطاع الخاص وتخفيف سيطرة الدولة على النشاط الاقتصادي وكذلك تخفيف الأعباء المالية عن الدولة، بصرف النظر عن الآثار الاقتصادية والاجتماعية الجانبية.
ولم تكشف الحكومة تفاصيل شافية عن برنامج الخصخصة منذ إعلانه في 2016، وأبرز ما كشفته حتى الآن هو أنها ستطرح حصصا من 23 شركة لجمع 80 مليار جنيه (نحو 4.5 مليارات دولار) خلال 24 إلى 30 شهرا.
وتستهدف الخصخصة بشكل رئيسي قطاعات البنوك والصناعات البترولية، وأهم الشركات المستهدفة هي إنبي للصناعات البترولية والكيميائية التي سيطرح منها ما يصل إلى 24%، وبنك القاهرة، وبنك الإسكندرية، وشركة ميدور للتكرير، وشركة مصر للتأمين . ويؤخذ على هذا البرنامج استهدافه لشركات ناجحة ورابحة يقول المنتقدون إن الحكومة تفرط فيها من أجل مكاسب مالية مرحلية، بدلا من تنفيذ إصلاحات هيكلية شاملة لتمكين القطاع الخاص وتحسين بيئة الأعمال وتعزيز الإنتاج المحلي وتوفير فرص العمل.
ويخشى كثير من المتابعين للاقتصاد المصري أن يكون برنامج الخصخصة الجديد إعادة لتجربة التسعينيات التي نتج عنها إغلاق العديد من المصانع وتشريد آلاف العمال، كما اقترنت بقضايا فساد وتلاعب وتقارير عن ضياع مليارات الجنيهات من حصيلتها.
وبدأت الخصخصة في مصر عام 1991، وبلغت ذروتها في السنوات الخمس الأولى من القرن الـ 21. وكانت النتيجة بيع أكثر من 400 شركة، بحسب البيانات الرسمية، بحصيلة تقارب 50 مليار جنيه (2.8 مليار دولار، بحسب أسعار الصرف الحالية). وأحدثت الخصخصة هزات في المجتمع المصري، كما ظهر جليا في محافظة الغربية التي شرد الآلاف من عمالها، وفقدت الدولة العديد من الشركات التي كانت توصف بأنها قلاع صناعية، وسلّمت قطاعات بأكملها إلى شركات أجنبية مارست الاحتكار في السوق المصرية، كما حدث في قطاع الإسمنت.