ناقشت «محاذير الإفتاء زمن الوباء» وقدمها نخبة من علماء العالم الإسلامي

مطالب بهيئة احتسابية مؤسسية تحاسب على الفتوى

لوسيل

مصطفى شاهين

بثت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الموسم السادس من برنامج وآمنهم من خوف الرمضاني عبر حسابات الوزارة على وسائل التواصل الاجتماعي ومنصة وآمنهم من خوف الإلكترونية .

وناقشت الجلسة الأولى والتي بثت مساء أمس الأول محاذير الإفتاء زمن الوباء ، ضمن عدد من الجلسات تناقش مشكلات وقضايا تهم حاضر الأمة الإسلامية ومستقبل أمنها الثقافي الشامل وأهم التحديات التي تعوق نهوض العالم الإسلامي.

وأكد الدكتور عصام الدين البشير المراكشي المدير العام لمركز إرشاد للدراسات والتكوين بالمملكة المغربية على أهمية العلم وقال إن الله أمر نبيه أن يزداد من العلم فقال: (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) وأمر الناس أن يجعلوه نجوم اهتداء فأمرهم بسؤالهم في الملمات والمعضلات (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون).

وقال إن أهمية العلم والعلماء تتأكد في زمن الفتن والكوارث وعند شدة حاجة الناس وكثرة سؤالهم كما نراه في زمن هذا الوباء مبينا أن حاجة الناس للعلماء لا تنحصر بزمن معين ولا تنحصر في الفتية في نوازل العبادات فقط كما يظن من يظن أن الشرع منحصر في التعبدات الفردية، مؤكداً أن الناس بحاجة إلى التذكير بعظمة الله عز وجل والالتجاء إليه.

ولفت إلى أن الإنسان مهما تجبر بالمكتشفات العلمية الحديثة فإنه يبقى عاجزا ذليلا محتاجا إلى ربه متى سلطت عليه بعض مخلوقات الله ولو كانت صغيرة.

وأضاف أنه يجب التذكير بأن شرع الله في الطهارة والأطعمة والتضامن الاجتماعي هو أكمل الشرائع وأوفاه بحاجات الإنسان الفطرية، والتذكير بأن النظام المادي الذي صار مسيطرا على العالم قد وصل إلى غايته وأبان أنه قاصر عن تحقيق إنسانية الإنسان.

ولفت الدكتور عصام الدين البشير إلى أن النازلة التي حلت أظهرت الخلل في النظام الإفتائي بحيث ظهرت الحاجة الى فتوى محررة لا إلى إجابات سريعة مختصرة.. وقال إن تأخر العلماء عن هذه القضايا إما تغافلا وأما تورعا حيث نتج عن ذلك تصدر غيرهم من الجهال.

وذكر الدكتور عصام الدين البشير أن الخلل في النظام الإفتائي ظهر في جانبين اثنين.. أحدهما من جانب المفتي والآخر من جهة المستفتي.. وقال إن الخلل في المفتي تتمثل في عدم التزام المتكلمين في الفتوى اليوم بمنهجية فقهية واضحة القواعد يمكن أن يحاكموا إليها إذا شطوا ويذكروا بها إذا غلطوا.. وأوضح أن جمعا من الناس اليوم أسقطوا فقه المذاهب الأربعة بذريعة محاربة التعصب المذموم وهو مقصد حسن في الجملة لولا ما تبعه من التشدد والغلو في تنزيله وتطبيقه فكثر التناقض الموبوء وصار لدينا مذاهب بعدد المفتين فضاعت المنهجية خلال العقود الأخيرة.

وأوضح أن الخلل الثاني في النظام الإفتائي يتمثل في عدم وجود هيئة احتسابية مؤسسية منضبطة تحاسب على الفتوى التي هي من طب الأديان كما هو الحال مع المحتسبين من طب الأبدان، مشيراً إلى أن أنصاف المتعلمين لا حسيب عليهم ولا رقيب فيحدث التشويه والفتن والصراعات.

ولفت إلى خلل ثالث في النظام الإفتائي ويتمثل في رضوخ بعض المنسوبين للعلم والفتوى لرغبات بعض الحكام أو نزولهم لشهوات الجماهير وفي ذلك فساد عريض وتحريف للدين وسقوط لهيبة العلماء.. وقال إن الخلل الرابع يظهر في حرص بعض المتصدرين للفتوى على اقتناع الناس بفتواهم لضيق صدورهم بالخلاف.

د. نواف تكروري: فرصة لتعزيز مرجعية ومؤسسية الفتوى

قال فضيلة الشيخ الدكتور نواف تكروري رئيس هيئة علماء فلسطين في الخارج إن إصدار الفتاوى في المستجدات والنوازل، برهان عملي على صلاحية الشريعة لكل الظروف والأحوال، مؤكداً أنه ليس المقصود من النظر في المستجدات التفكير العقلي المجرد، وإنما هو استخدام للعقل في فهم النصوص وتنزيل الوقائع، وتقدير المصالح، مؤكداً أنه لا بد أن يكون النظر من أهله وفي محله.

ولفت الدكتور نواف تكروري إلى ضرورة مراعاة بعض السمات التي وقعت فيها هذه الظروف والتي لها آثارها على الفتوى، كانعدام المسافات في ظل وسائل التواصل الاجتماعي، وبروز مسائل شرعية مستجدة لم يعرها الفقهاء انتباهاً قبل ذلك لعدم وجود الحاجة إليها كإغلاق المساجد، وصلاة الجماعة وغيرها، بالإضافة إلى تعذر التقاء العلماء لمناقشة المستجدات الفقهية بسبب منع السفر والحجر الصحي.

ومن السمات أيضاً التي تميز هذه الظروف قال د. تكروري إن حالة القلق من الأزمات بيئة مثلى لانتشار الشائعات وعشوائية الأخبار، وكثرة التوصيفات واختلافها وتفاوت النتائج في المختبرات فلم يعد المتابع يعرف الفرق بين الصادر عن خبير والصادر عن محلل أو حتى جاهل، بالإضافة إلى تفاوت النتائج بين أهل الخبرة أنفسهم.

وحول المحاذير في الفتوى في هذه الظروف، قال د. تكروري إن أول هذه المحاذير هي الارتجال والانفعال، مؤكداً ضرورة ألا يتعامل من يفتي على الفتوى أنها كلمة في مسجد يسمعها العشرات أو المئات، بل هي كلمة تنتشر في الآفاق وتؤثر بشكل أكبر مما يتوقع، لافتاً إلى ضرورة التمهل والتمعن والنظر في الفتوى قبل نشرها أو إطلاقها، والرجوع إلى أهل الاختصاص والسماع إلى تفصيلاتهم في المسألة المراد تنزيل الحكم عليها.

ومن محاذير الفتوى في هذه الظروف هي الثقة في غير موضعها، أن يثق العلماء حيث يجب عليهم الحذر، داعياً إلى الحذر من إرسال الرسائل الصوتية للمجموعات مهما بدى أنها مجموعات خاصة وداخلية، موضحاً أنه يتم اجتزاء هذه الصوتيات ونشرها بشكل يؤدي إلى إحداث بلبلة في المجتمع، فيجب التعامل معها بأنها متاحة للجميع.

ولفت إلى ضرورة مراعاة عدم تأثير الفتاوى بعد انجلاء الجائحة، فلا يجب إطلاق فتوى بجواز صلاة الجمعة في البيت على إطلاقها، فقد تكون تلبي حاجة الناس خلال الفترة، لكن في مضمونها قد تؤدي إلى رسوخ معاني وأفكار ومفاهيم غير مراده للعالم في فتواه، مؤكداً ضرورة النظر في صلاحية الفتوى في الوقت الذي تطرح فيه، وفي المآلات في المستقبل.

وأكد د. تكروري أنه من بين المحاذير هو الجدال بين المتخصصين الشرعيين في فتاوى النوازل في الفضاء المفتوح وعبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ولفت إلى أنه من بين المحاذير غياب الاجتهاد الجماعي لصالح الفتوى والاجتهاد الفردي، وقال د. تكروري إنه ظهر جديا ضعف الاجتهاد المؤسسي وانتشار التصريحات التي نزلت منزل الفتوى، مؤكداً أن زمن الوباء فرصة لكي يعزز فيه العلماء مرجعية ومؤسسية الفتوى، وفي ظل وجود المؤسسات لابد أن تنسحب الفتاوى الفردية لصالح الفتاوى المؤسسة والجماعية، وربما يكون الطموح في أن تنسق هذه المؤسسات فيما بينها وتناقش وتتحاور لكي يكون المخرج متفق عليه ما بين المؤسسات وليس أفراد كل مؤسسة.

ودعا فضيلة الشيخ الدكتور نواف تكروري رئيس هيئة علماء فلسطين في الخارج مراعاة الظرف من كل وجهة والانتباه لسمات الوباء والجائحة والنازلة والمستجد زمانا ومكانا، والواقعية، واستحضار بعض القواعد الفقهية في النظر فيها.

د. محمد يسري إبراهيم: تضارب وتعارض الفتوى تشوش على العامة

أكد فضيلة الداعية الدكتور محمد يسري إبراهيم، الأمين العام للهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح، بجمهورية مصر العربية، أن الفتية من أعظم مناصب الدين، وقد قال الله تبارك وتعالى في أهلها: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)، ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول: (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ)، فالفقه في الدين إذن من أعلى المناصب والمراتب في دين الله تبارك وتعالى.

وقال فضيلته بخصوص الفقه والتفقه والإفتاء، إن الإمام الشافعي رحمه الله، يقول: (إن لم يكن الفقهاء أولياء الله في الآخرة فما لله ولي) هكذا إن العلم يورث الخشية والتقى، ثم إن ابن القيم رحمه الله، تحدث عن منصب الإفتاء وقال: (وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله، ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السَّنِيَّات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات؟).

وأوضح فضيلته أن زماننا هذا يشهد بحمد الله تبارك وتعالى إقبال الناس على الدين وحرصهم على السؤال ورغبتهم في معرفة الحلال والحرام وهذا أمرا بلا شك محمود، وقد سهلت الوسائل الحديثة والمعاصرة في أن يكثر السؤال ويتحقق الجواب، وهنا ما ينبغي أن ننبه إليه بالنسبة للسائل والمسؤول المفتي والمستفتي، فإذا كانت هذه الوسائل قد سهلت التواصل ويسرته وفتحت أبوابه وأجابت كل إنسان، فإن ثمة أمور يجب الالتفات إليها والحرص عليها.

ولخص د. يسري ضوابط الفتوى عبر الوسائل الحديثة من فضائيات ومحطات ومواقع تواصل اجتماعي في الآتي: أن يكون المفتي دقيقاً فطناً لما يورد عليه من أسئلة وأن يتحرز عند الجواب بحيث يفهم السائل، ويُفهم من يسمع بأن الفتية تكون متشخصة، بمعنى أنها لهذا السائل وحسب ولا يصلح أن تعمم غالباً إلا إذا كان السؤال من طبيعته العموم، لأن الخطأ إذا وقع في الفضائيات صعب تداركه وانتشر وأشكل على الناس أمره.

وأضاف: إن الفتية تكون متشخصة في الغالب والسائل يسأل عن أمور تخصه وملابسات تتعلق به، وهذه الأمور التي تخصه وتتعلق به لا يصلح بالضرورة أن تكون لكل أحد، ولكل أحد خصوصيات، ولهذا يراعي المفتي المسائل التي تتعلق بالشخص السائل، في الأمور الخاصة جداً مثل الطلاق والنكاح والفراق ونحو ذلك من المسائل.

وقال د. يسري إن من إشكاليات الفتية المحاصرة ما يمكن أن نسميه اليوم بتضارب الفتية، باعتبار أن الفتية في كثير من المواضع اجتهادية ويفتي المجتهد بما ظهر له وبما استبان له سواء كان يقلد في الفتية أحد الأئمة المتبوعين أو كان لا يتقيد بأحد من الأئمة، وهنا يوجد قدر من الاختلاف لا يمكن تجاوزه أو القفز عليه لأن المذاهب أربعة، فإذا أذيعت الفتية وضدها أو الفتية وما يقابلها والفتية وما يعاكسها فإن هذا يورث شيئا من التضارب والتعارض يشوش على العامة الذين لا يدركون عمق هذه المسائل.

د. كمال عكود: البلاء سينجلي إن شاء الله

قال الشيخ الدكتور كمال عكود من مركز الفتوى بالشبكة الإسلامية إسلام ويب : من بين الأسئلة التي وردت على الشبكة كانت حول صلاة الجماعة، لأن المساجد أغلقت حتى لا تنتقل العدوى، فكانت أسئلة الناس حول أداء صلاة الجماعة في البيوت وتراص الصفوف وموقف الناس في الصلاة، إن كان البيت فيه بنات وأولاد، فكيف يكون وقوفهم في الصفوف.

الصبر والتفاؤل ضروران حتى يرفع البلاء

وأضاف: ومما ورد لنا من أسئلة كان عن التباعد في الصلاة وإن كان يؤثر في الصلاة، أو يؤثر في صحتها، وكذلك جاءت الأسئلة عن صلاة الجمعة، وعن جواز صلاتها في البيت، وإن كانت تجوز فما العدد الذي تنعقد به، وهل الأفضل أداؤها جمعة أو ظهراً وكانت الفتوى من المركز أن الإنسان إذا تعذر عليه صلاة الجمعة في المسجد فالبديل هو صلاة الظهر.

وتناول د. عكود ما ورد من أسئلة لموقع إسلام ويب حول صلاة التراويح في البيوت، وكيفية صلاتها، وهل يمكن تأديتها منفرداً أم يجب أن تكون جماعةً، وكذلك حكم القراءة من المصحف فيها إن كان الإمام لا يحفظ القرآن.

وأشار إلى أن من الأسئلة التي وردت لـ إسلام ويب الاعتكاف في البيوت للنساء والرجال، وإن كان جائزا فكيف تكون صفته، وبُين لهم أنه لا يجوز إلا في المسجد، وتابع د. عكود: وسأل البعض عن الزكاة وجواز تقديمها لأن بعض الناس تركوا أعمالهم في ظل جائحة كورونا، وهم في حاجة لأموال الزكاة.

وتطرق إلى أسئلة طريفة وردت إلى الموقع، ومنها ما حصل من خلاف بين الأزواج والزوجات لطول مكوث الأزواج في المنزل، لأن الأزواج باتوا يدققون في أشياء كانت النساء تنفردن بإدارتها، فحصل تنازع، وجاءت الأسئلة عن طلاق الغضبان وعن الطلاق المعلق وغيرها من الأسئلة الاجتماعية.

وأكد على أن الموقع ينصح السائلين بالصبر على أقدار الله المؤلمة، وكذلك يذكرهم بالتفاؤل الذي هو سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويذكرهم بأن البلاء سينجلي إن شاء الله، داعياً الله أن يرفع البلاء والغمة.