المسحر.. من رائحة «رمضان لوّل»

alarab
نفحات رمضان 19 مارس 2024 , 01:42ص
د. علي عفيفي علي غازي

يرتبط شهر رمضان في قطر قديمًا بالكثير من المناسبات والعادات والتقاليد، التي تغيرت مع التطور والحداثة، وتغير أسلوب الحياة، مما أدى لأن اختلفت الكثير من المظاهر الرمضانية التي اعتاد عليها القطريون قديمًا؛ بل واختفى الكثير منها مع العولمة والذكاء الاصطناعي، ومن هذه الرموز المسحراتي أو المسحر، الذي كان يطوّف بالبيوت ليوقظ الناس قبل أذان الفجر، فيبدأ جولته قبل الإمساك بساعتين، ويضرب بعصا خاصة على الطبلة، التي يحملها في رقبته بحبل، فتتدلى على صدره، أو قد يحملها بيدٍ ويضرب عليها باليد الأخرى، ويردد بعض الأذكار، كقوله: «قم يا نائم وحد الدائم».
تحفل ليالي رمضان في المجتمع القطري خاصة، والمجتمع الإسلامي عامة، بالكثير من الذكريات، التي تحمل عبق الماضي، ومن هذه الذكريات المسحراتي أو المسحر، وطبلته وصوته الجميل، والذي يقوم بجولته كل ليلة في الأحياء والمناطق والفرجان، لأجل تنبيه الصائمين إلى حلول موعد السحور، وقرب وقت الفجر، ومن ثم يتوجب عليهم تناول الوجبة الأخيرة قبل أن يتبين الخط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ومن ثم يبدأون ساعات الإمساك عن الطعام والشراب، وغيرها من المفطرات.
تقاليد رمضانية
يرتبط المسحر في قطر، كغيرها من الدول الخليجية والعربية والإسلامية بالتقاليد الشعبية الرمضانية، وهي عادة تكاد تكون مشتركة بين كل الدول الإسلامية، فيعتبر المسحر الرجل المميز في شهر رمضان، وينحصر عمله في هذا الشهر، فهو الذي يوقظ الناس للسحور، حيث كان لكل حي أو فريج مسحر خاص به، أو أكثر، وذلك حسب مساحة الحي وعدد سكانه، والذي يبدأ في ممارسة مهمته منذ ليلة ثبوت هلال شهر رمضان الفضيل، أي الليلة الأولى من الليالي المباركة، فيبدأ بالتجول بين البيوت قبل موعد الإمساك بساعتين، ويستخدم طبلة تعرف باسم «البازة»، ذات وجه واحد من جلد، وهيكلها من نحاس، وقد يقول: «لا إله إلا الله سحور يا عباد الله»، وكان سكان الفريج أو الحي أو القرية أو المنطقة يعتمدون على المسحراتي في غرض الاستيقاظ؛ لتناول وجبة السحور، والاستعداد لصلاة الفجر، وابتداءً من ليلة 27 رمضان كان يبدأ في توزيع الشهر الفضيل مرددًا كل ليلة: «ليلة الوداع يا شهر رمضان.. الوداع الوداع يا شهر الصيام».

أجر رمزي
وكان المسحراتي أو المسحر يحصل على أجر رمزي يجود به الأهالي عليه، وقد يكون مالًا أو عينًا من الحبوب والتمور وغيرها، وقد يصاحبه ابنه، الذي يرث المهنة من بعده، ليتعلم منه أسس وقواعد التسحير، كما يحمل له الفانوس، لأن إنارة الشوارع كان محدودة، فلما أنيرت الأحياء والشوارع بالكهرباء، اختفى الفانوس، وبقي المسحر، حيث كان الجميع يعتمدون عليه في استيقاظهم للسحور، وكانت مهنة المسحر وراثية، ولها أهميتها في ذلك الزمن، إلا أنها تناقصت مع دخول الإذاعات والمنبهات، ثم اختفت مع دخول التكنولوجيا والحداثة والتليفزيون والفضائيات، وأصبحت رمزًا من رموز الماضي الجميل.
وبلا شك أثرت العولمة والحداثة على الكثير من روحانيات شهر رمضان المبارك، وكذلك على العادات والتقاليد، فقديمًا كان المسحراتي يقوم بدور كبير في ايقاظ الصائمين لتناول وجبة السحور، أما اليوم فإن الحداثة جعلت المجتمع في غنى عن دوره. ورغم ذلك تظل هذه العادات قائمة كجزء من الهوية والتراث الوطني، وتحرص الأسر على غرسها في الأجيال الجديدة، وتنميتها، لأجل ربطهم بهويتهم؛ في مواجهة العولمة المذيبة للهويات والقوميات.