

قال فضيلة الشيخ عبدالله محمد النعمة خلال خطبة الجمعة التي ألقاها بجامع الإمام محمد بن عبدالوهاب، ها هو شهر رمضان المبارك، يتهيأ للرحيل، تصرمت أيامه، وانقضت لياليه ، وقد كنا قبل أيام نستقبلهُ ونَتَشوِّفُ لقدومه، وها نحن اليوم نقترب من نهايته، ونَستَعِدُ لأواخره، بأوقاتها الفاضلة، ونفحاتها المباركة، فضلها الله تعالى على سائر ليالي العام، وحباها بالخصائص والكرامات ، وجعلها ميداناً للتنافس في الأعمال الصالحات، وتكفير الخطايا والسيئات، ورفعة الدرجات والحسنات، والعتق من النيران ودخول الجنات .
وأضاف الخطيب: لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحتفي بهذه العشر من رمضان أيما احتفاء، فكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يخلط أول رمضان وأوسطه بالنوم والقيام والتهجد، فإذا دخلت العشر الأواخر شمر لعبادة ربه،وجد في الطاعة، فأحيا ليلة، وطوى فراشه ، واعتزل نِسَاءهُ، وخص هذه العشر بإعمال لا يخص بها غيرها ، تصفه عائشة رضى اله عنها فتقول: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليلَه، وأيقظ أهله) حديث متفق عليه.
وكان صلى الله عليه وسلم يعتكف هذه العشر حتى توفاه الله وكان يوقظ أهله وأزواجه في هذه العشر للصلاة وهو يتلو قوله سبحانه: ( وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ) حديث متفق عليه.
وأردف الشيخ عبدالله النعمة: لقد خص الله تعالى عشر رمضان الأخيرة بليلة القدر المباركة، عظم الله أمرها و أعلى شأنها ، ورفع مكانتها وقال عنها مطرياً منوها: ( وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر ، تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر) فهي ليلة واحدة، جعلها الله في الخير والبركة والأجر والثواب خيراً من ألف شهر، أي ما يزيد على ثلاثة وثمانين عاما، يقضيها المسلم في طاعة ربه، وكفى بذلك فضلاً وكرماً ، وعطاء وبركة لهذه الأمة.
جاء في الأثر ما رواه مالك رحمة الله قال: (بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري أعمار الناس قبله، أو ما شاء الله من ذلك، فكأَنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل مثل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف)
وذكر الخطيب أن الله خص هذه الليلة المباركة وشرفها بإنزل القرآن الكريم فقال سبحانه : ( إنا أنزلناه في ليلة مُباركة إِنَّا كُنَّا مُنذرين) وفي هذه الليلة الشريفة ( يفرق كل أمر حكيم) فتقدر فيها مقادير الخلائق على مدى العام، يكتب فيها الأحياء والأموات، والسعداء والأشقياء، وكل ما أراده الله عز وجل فى تلك السنة.
وفي هذه الليلة يكثر تنزل الملائكة بالبركات والخيرات، فهي ليلة مباركة طيبة (سلام هي حتى مطلع الفجر) فهي سالمة من العقاب والعذاب لطاعة العبد لربه، سالمة من أذى الشياطين، حتى طلوع الفجر، قال قتادة ( هي خير كُلها ، ليس فيها شر إلى مطلع الفجر)
وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على قيامها والاجتهاد فيها بالعبادة والطاعة، والإكثار من الذكر والدعاء في ليلتها، والتقرب فيها بالصدقات والإنفاق وبذل الخير والمعروف قال عليه الصلاة والسلام : ( من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ) متفق عليه
وقد جعل الله تعالى هذه الليلة في العشر الأواخر وأخفى تحديدها ، امتحاناً للعباد واختباراً ليجتهدوا في الطاعة ، ويتنافسوا في الخير.
قال الحسن البصري رحمه الله : ( إن الله عز وجل جعل شهر رمضان مضماراً لخلقه، يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاتِهِ ، فسبق قَومُ ففازوا وتخلف آخرون فخَابُوا )
ولفت الخطيب إلى أن في هذه الدنيا مصائب ورزايا ، ومحن وبلايا آلام تضيق بها النفوس، ومزعجات تورث الخوف والجزع والقلق، ولكن في هذه الابتلاءات ألطاف يستشعرها من صدق إيمانه ، وأخلص لله قلبه ، كم محنة في طيها منح ورحمات وخير وبركات (فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيرا كثيرا)
عباد الله - لا يخفى عليكم ما نمر به وتمر به المنطقة من اعتدادات سافرة، وترويع للناس وأول عدة وخير زاد أمام هذه الابتلاءات تقوى الله، وصدق التعلق به سبحانه، فمن يتق الله يجعل له مخرجاً، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، وطلب العون والاستعانة بالله (وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ) رواه الترمذي
وحث الشيخ عبدالله النعمة كل المسلمين قائلاً: توجهوا بالدعاء إلى ربكم واسألوه أن تكشف عنا وعن الأمة هذا البلاء (أَمَّن يُجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء)
ادعو لهذا البلد المعطاء، ادعو لأميرها بالإعانة والتوفيق والسداد، ادعو لأهل قطر والمقيمين على أرضها بالثبات والصبر والتفريج.
عباد الله -- في مثل هذه الأحداث تكثر الشائعات، والأكاذيب و تنتشر ، تخلخل الأمن، وتزرع الخوف، وتقضي على الثقة، وعلى المسلم أن يتحرى الصدق في التعامل مع الاخبار، ونقل الشائعات وتصديقها (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) يأمر سبحانه بالتثبت في الخبر والتروي في نقله قال تعالى: (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ، ولو رَدُّوهُ إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم)، يقول ابن كثير: (وهو إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها، فيخبر بها ويفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها صحة)، على المرء أن لا يهتم كثيراً للشائعات بل يكون حريصاً على اعتماد و أخذ الأخبار والمعلومات من مصادرها الرسمية وأن لا يتسرع في نشرها وإفشائها، وعند مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال :( كفى بالمرء كَذِبًا أن يحدث بِكُل ما سمع )