بحضور سعادة الشيخ عبدالرحمن بن حمد آل ثاني وزير الثقافة، وحشد من المسؤولين في الوزارة عقدت أمس في القاعة الرئيسية بمعهد الدوحة للدراسات العليا ندوة الهويات إنسانية أم محلية؟ الثقافة وتعدد الهويات في الخليج ، والتي تشكل أولى جلسات موسم الندوات الذي تنظمه وزارة الثقافة بهدف تعزيز التنوع الفكري وإثراء المشهد الثقافي، وتأسيس بيئة فكرية تعزز دور الثقافة والمثقفين في خدمة المجتمع. وينتظر أن تستمر جلسات الموسم حتى 31 مارس 2022.
وناقشت الندوة عدة محاور منها: كيفية تشكيل الثقافات والهويات، ودور التاريخ والجغرافيا في تشكيل هوية خليجية مشتركة . حضر الندوة كمتحدثين رئيسيين كل من الكاتب والمفكر عبدالعزيز الخاطر، ود. حيدر سعيد، و.د. أمل غزال، وقدم المتحدثين للجمهور الإعلامي حسن الساعي.
وفي ختام الندوة، حرص سعادة الشيخ عبدالرحمن بن حمد آل ثاني وزير الثقافة، بأن يشيد بمستوى الحوار والفكر الراقي فيها وأوضح أن موسم الندوات يعمل على تحقيق رؤية الوزارة بمنح الثقافة دورها الجوهري في حماية هوية المجتمع، والحرص على تقدمه، وتعزيز الحوار بين المفكرين وأجيال المثقفين من أجل إتاحة الفرصة في عمليات الإثراء الثقافي في المجتمع وتقبل وجهات النظر الأخرى وتبادل الأفكار .
وفي مستهل الندوة شخّص الكاتب والمفكر عبدالعزيز الخاطر رؤيته للهوية الخليجية بالقول إن مجتمعاتنا من فرضية ثبات الهوية ورسوخها وتكورها بشكل يجعلها تخترق الزمن دون الإحساس بدورها في التجدد والتطور .
وطرح الخاطر عدد من الملاحظات من بينها: إن الخوف على الهوية ينطلق أساساً من عجز الثقافة من تحويل النص إلى معنى، فاحتفظنا بالهوية كنص ثابت وليس إلى معنى شعوري يتحرك مع الزمن .
وأوضح الخاطر: لا يتقدم المجتمع إطلاقا ما لم تكن هويته أمامه وليست خلفه. ليست هناك هوية خلف المجتمع، هناك تاريخ له سمات وتراث له مميزات يبنى عليها ويراكم حولها من خلال المرور خلال الزمن. الهوية الإسلامية هي اختراق للزمن وليس ثباتاً بحكم صلاحيته لكل زمان ومكان .
ولفت الخاطر النظر إلى أنه: هناك ارتباط بين ثروة المجتمع ونظرته للهوية، نظرة المجتمع للهوية بأنها ماضٍ مكتمل يجب الحفاظ عليه، يصرف الثروة باتجاه الماضي الموروث سواء كان تاريخا أو بشرا. المجتمعات المتقدمة ثروتها جزء من هويتها المستقبلية، فهل هي بانتظار المستقبل .
ويقول الخاطر: الهوية التوافقية هوية سياسية، وليست دينية، هي هوية مستقبلية تستمع للآخر دون فزع، وتحاور المختلف دون خوف، فلذلك تتطور ويتطور معها المجتمع. والدين ليس مجالاً للهوية إلا ببعده الإنساني لأنه جاء ليكسر الهويات المنغلقة من طائفة وقبيلة وعائلة، نحن مجتمعات تعاني من عدم إدراك لحركة الوعي عبر التاريخ، فالدولة مرحلة من مراحل تبلور الوعي التي وصلت إليها تلك المجتمعات، بينما ظهورها لدينا سابقًا على الوعي بها، فأصبحت شكلاً من أشكال سيطرة الماضي على الحاضر لا أكثر .
ويقول الخاطر: مجتمعات الهوية الجاهزة بأنها لا تتطور ولا تتقدم لأنها ليست مجتمعات حرية حين يعتقد الناس أنهم يمارسون حريتهم، وهم لا يمارسون سوى حرية التصرف وليست حرية الإرادة، فرق كبير بين الاثنين؟.
ويشير الخاطر إلى أن حرية التصرف ضمن ما يسمى بالهوية حرية ناقصة، لأنها محكومة أصلاً داخل إطار الهوية المعطاة، الحرية تتطلب انفتاح أفق الهوية نحو المستقبل، تعني أن تختار هويتك أو أن تصنعها أنت، لا أن يحددها المجتمع مسبقاً اعتماداً على تصور ماضوي يجري تحديثه بإعادته وتلقينه من جيل إلى آخر .
ويستطرد: ما أود الإشارة إليه هو ألا تبقى الهوية ربوة عالية تقف عليها وتنظر إلى العالم منها، أن يختار الإنسان من يكون، هي هويته، الدولة لا دخل لها بالهوية، كما يصرخ البعض بين حين وآخر على الدولة أن تحافظ على هويتنا، هذه دعوة للشمولية وللعبودية وليس للحرية، الدولة شكل للحكم وبينما الحرية شكل من أشكال الإنسانية، الإشكالية الأكبر حين تتدخل الدولة في فرض هوية وشكل محدد لها لتكتب تاريخاً أو تعيد هندسة المجتمع اجتماعياً، هذا كله من مثالب الخلط بين الدولة والهوية سواء .
ويخلص للقول: نحن مجتمعات امتداد وليست مجتمعات إنجاز وهنا يكمن الإشكال الكبير والصراع على التاريخ كما كان لا كما يجب أن يكون، كذلك الدين ليس مجالاً للهوية إلا ببعده الإنساني لأنه جاء ليكسر الهويات المنغلقة من طائفة وقبيلة وعائلة، نحن مجتمعات تعاني من عدم إدراك لحركة الوعي عبر التاريخ، فالدولة مرحلة من مراحل تبلور الوعي التي وصلت إليها تلك المجتمعات، بينما ظهورها لدينا سابقًا على الوعي بها، فأصبحت شكلاً من أشكال سيطرة الماضي على الحاضر لا أكثر .
واستعرض الدكتور حيدر سعيد رئيس قسم الأبحاث في المركز العربي للأبحاث تعدد الهويات متخذا من العراق منطلقا للتنوع والثراء فيها، حيث يوجد السنة والشيعة والأكراد وغيرهم من ألوان الطيف متعددة الهويات، وأوضح أن بناء الأمة هو إنشاء الهوية القومية وهيكلتها اعتمادًا على سلطات الدولة. يهدف بناء الأمة إلى توحيد الشعب ضمن الدولة بغية بقائه مستقرًا سياسيًا وقابلًا للبقاء على المدى الطويل.
وأشار د. حيدر سعيد الى أنه في الحقيقة، تتجاوز علاقةُ الدولة بالتأريخ الأيديولوجيا، فالمنطق الداخلي للدولة (في ثقافة سياسية قريبة من الثقافة السياسية التي نمت فيها الدولةُ في العراق)، بغض ّ النظر عن الأيديولوجيا التي تتبناها، يحفّزها إلى محاولة السيطرة على حقل الدراسات التاريخية وضبطه، وهو أمر يندرج -بلا شك- في مسعاها العام للسيطرة على المؤسسات الأكاديمية، والعلوم الاجتماعية والإنسانية، على نحوخاص، إلا أن ّ حقل الدراسات التاريخية يبدو الأكثر إغراء لمنطق السلطة في السيطرة، من جهة أنه يرتبط بالصورة التي تريد أن تقدّ مها .
وقال دكتور حيدر سعيد: إن الحدود الثقافية توضع لاحقا، وضرب مثالا على ذلك بالمقام الغنائي العراقي والذي كان ممتدا بجغرافيته إلى ما وراء حدود العراق في البلدان المجاورة إلى أن تم تسميته بالمقام العراقي وباتت حدوده عراقية .
وتقول الدكتورة أمل غزال، أستاذة التاريخ وعميدة كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية بمعهد الدوحة للدراسات العليا: ما زال ينقص تاريخ العرب الحديث سردية عامة تحتضن شعوبه المتنوعة عرقيًا ودينيًا وثقافيًا. لا أعني بالسردية هنا مجرد سرد زمني يشمل كل مناطق العالم العربي، بل سردية تقوم بإنتاج تاريخ مترابط مبني على حلقات وصل بين مختلف المناطق من حيث التفاعل والتأثير في الأحداث. فما زالت عملية التأريخ للحقبة الحديثة تأخذ من المشرق وعواصمه مركزًا محوريًا، مع ترك المغرب والصحراء، وكذلك الجزيرة العربية في مواقع سردية هامشية ضمن الإطار التاريخي الشامل .
وتضيف: ما زلنا نفتقد منهجية نستطيع من خلالها ربط المناطق العربية بعضها بالبعض، من حيث أدوارها المتشابكة في بلورة تاريخ عربي عام، وخلق نوع من التوازن في إبراز هذه الأدوار وللدراسات الإقليمية دورًا كبيرًا في عملية شرذمة التأريخ العربي، إذ تفشل بطبيعتها وطبيعة تقسيمها، في تتبّع الروابط بين المجتمعات العربية المتعددة .
وتخلص: ثمة مجموعات بشرية واجتماعية تربطها معًا مصالح وأهداف مشتركة، وتبني لنفسها أدوات تواصل تعبّر وتنشر من خلالها آراءها وأهدافها. وقد تكون لهذه المجموعات مصالح اجتماعية واقتصادية مشتركة، لكن الأساس المشترك إيديولوجي وفكري. وثورة المواصلات والاتصالات الحديثة تزيد من أهمية الشبكة كمنهجية لدراسة التاريخ الحديث .
وحظيت الندوة بتفاعلات من قبل جمهور الحضور تتعلق بالقضايا التي أثيرت ولاسيما قضية الهوية وعرف أحد الحضور نفسه بأنه كاتب وصحفي عراقي كردي يعيش في المجتمع العربي ويتفاعل معه ويكتسب صفاته، لكن يجيد اللغة الكردية والعادات الكردية، دالاً بذلك على احتفاظ المرء بهويته حتى وإن كان يعيش في مجتمع يختلف عن المجتمع الذي نشأ فيه، مشيرا إلى أن ذلك ينطبق على العربي أو الكردي عندما يذهب ليعيش في البلدان الأجنبية او الأوربية.
وفي معرض حديثها عن الهوية الخليجية قالت بثينة الجناحي من وزارة الثقافة: إن وجود أ. عبدالعزيز الخاطر على هذه المنصة في ندوة الهويات إنسانية أم محلية: الثقافة وتعدد الهويات في الخليج يكفي أن يعبر عن ماهية الهوية الوطنية بعمق ويفسر إصلاحاتها المطلوبة، والثقافة إحساس وعمق لن تجده في الكلمات إن لم تستطع أن تدخل ما بين سطور الكلمان لتكتشف سبل التعبير والوصول لها بأسلوبك الذي يمثلك في الثقافة والفن .
وخلال تعقيبها على ما ذكره الخاطر تساءلت حنان عن الأسباب التي تكمن في قلة الدراسات بمجالات الهوية القطرية؟
وأجابها الخاطر بأنه توجد دراسات وأنه كتب الكثير من المقالات حولها.
وحظيت فكرة الندوات بترحيب من كبار المثقفين والمفكرين القطريين وعنها قال الدكتور حمد الكواري وزير الدولة ورئيس مكتبة قطر بأن الفكرة تجيء تعبيراً عن مكانة الثقافة في بلادنا وحصاداً لسنين من الجهد لمثقفي هذا البلد وشبابه، وبداية واعدة لحياة ثقافية نشطة في بلدنا وماهو إلا بداية غيث لابد أن ينهمر متوجها بالتحية للوزير الطموح.
وكان سعادة الشيخ عبدالرحمن بن حمد آل ثاني وزير الثقافة، أكد على أن الموسم يعمل على تحقيق رؤية الوزارة بمنح الثقافة دورها الجوهري في حماية هوية المجتمع، والحرص على تقدمه، وتعزيز الحوار بين المفكرين وأجيال المثقفين.
ونوّه سعادته بأن رؤية وزارة الثقافة تقوم على دعم الإبداع، وتعزيز الشراكات مع المؤسسات الفاعلة في المجتمع، من أجل مقاربة شاملة للقضايا المجتمعية، ومنح الثقافة دورها الجوهري في حماية هوية المجتمع والحرص على تقدمه، وتأسيس بيئة فكرية تدعم الإبداع، وتعزز الحوار بين المفكرين وأجيال المثقفين مما يخدم نهضة المجتمع، وإن موسم الندوات يهدف لتحقيق هذه التطلعات الجماعية، وإثراء المشهد الثقافي.
وأضاف سعادته إن التنوع في الأفكار، والفعاليات خلال هذا الحدث يعكسان أهمية الثقافة في كل الجوانب، ولكل الشرائح، مشيراً إلى أن الوزارة تعمل على إقامة فعاليات منوعة، على مدار العام.
وبشان الندوات السبع المقبلة ستخصص ندوة حول هل اللهجات المحلية مكملة للفصحى؟ يوم الأحد ٢٠ مارس في جامعة قطر، لمناقشة مدى تكامل واقتران اللهجات المحلية باللغة العربية، فضلاً عن ندوة تناقش بشكل معمق، مكانة اللغة العربية، بعنوان هل تراجعت مكانة اللغة العربية في مجتمعنا؟ يوم الاثنين ٢١ مارس بجامعة قطر، بمشاركة أساتذة متخصصين، لتقديم أوراق عمل، وطرح محاور مختلفة.
ولم تغفل الوزارة عن طرح عناوين تهم المجتمع بكل أطيافه، وفي كل الاتجاهات، بطريقة فكرية وتخدم قضايا المجتمع، حيث ستنظم ندوة حول موضوع الوسطية في الإسلام بين المثالية والواقع يوم الأربعاء ٢٣ مارس بجامعة قطر، ويشارك فيها أساتذة وباحثون متخصصون.
أما ندوة نحن والغرب.. المركزية العربية ومفهوم العالمية.. عقدة الغربي بين الحقيقة والوهم فتنظمها وزارة الثقافة يوم الخميس ٢٤ مارس بالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وتهتم هذه الندوة بتقديم سرد تاريخي لمدى العلاقة بين العرب والغرب.
ويوم الاثنين ٢٨ مارس تقام ندوة بعنوان الشعر والأغاني.. مدى الاختلاف ولماذا تراجعت المستويات ، وذلك في جامعة قطر، بهدف الوصول إلى نقاط الالتقاء والقواسم المشتركة بين القصيدة والأغنية، وماهية المفارقات الحاصلة، بالإضافة إلى تراجع مستويات كل منهما.
وتنظم الوزارة يوم الثلاثاء ٢٩ مارس ندوة النخب الثقافية القطرية.. الدور المأمول في إثراء المشهد الثقافي وذلك في جامعة قطر، بمشاركة نخب من المجتمع من كتاب وإعلاميين ومفكرين، مما يوفر منصة لتلاقي الأفكار، والخروج بتوصيات، ورؤى بناءة تضمن تكوين علاقة وشراكة هادفة لخدمة الثقافة بشكل عام.
وفي ختام الفعاليات تنظم الوزارة ملتقى التواصل الاجتماعي يوم الخميس ٣١ مارس، ويستضيف عدداً من المؤثرين القطريين.