بعد سباق انتخابي استمر ثمانية أشهر، وفترة طويلة من الترقب والانتظار تغلبت الوزيرة النيجيرية السابقة الدكتورة نغوزي أوكونجو إيويلا على سبعة مرشحين منافسين، وتم اختيارها لتصبح المديرة الجديدة لمنظمة التجارة العالمية، وهو المنصب الذي وصفه البعض بأنه وظيفة من الجحيم، نظرا للتحديات والصعوبات التي تنتظرها، خاصة في ظل تصاعد الحمائية التجارية والاضطراب الذي زلزل الاقتصاد العالمي بسبب جائحة كورونا كوفيد 19 .
وقد فازت إيويلا بهذا المنصب بعد انسحاب منافستها الأخيرة وزيرة التجارة الكورية الجنوبية يو ميونج هي، وبعد تغير الموقف الأمريكي بعهد الرئيس الجديد جو بايدن لصالح دعم ترشيحها، علما بأن المدير العام للمنظمة ينتخب بالإجماع من قبل أعضاء المنظمة وعددهم 164 عضواً، وستتسلم إيويلا مهام منصبها مطلع مارس المقبل لمدة أربع سنوات، قابلة للتجديد تنتهي في الحادي والثلاثين من أغسطس 2025.
وتدخل إيويلا البالغة من العمر ستة وستين عاماً، التاريخ كونها أول امرأة وأول مواطنة أفريقية تقود المنظمة المختصة بملف العلاقات التجارية بين دول وشعوب الأرض، لكن المديرة الجديدة تتولى مسؤولية منظمة دولية محاصرة وشبه مشلولة نتيجة الصراعات والأزمات والاحتكاكات التجارية المتزايدة بين القوى الاقتصادية العظمى كالولايات المتحدة والصين.
وفي أول مؤتمر صحفي لها بعد انتخابها التاريخي /الإثنين/ الماضي، أكدت أن أولوياتها تتمثل بالعمل على إيجاد حلول لجائحة كورونا / كوفيد 19 / باعتبارها المشكلة الإنسانية والاقتصادية العالمية الأولى، مضيفة أن وجود منظمة تجارة عالمية قوية أمر حيوي للتعافي بشكل كامل وسريع من الدمار الذي أحدثه الجائحة، وتعهدت بالضغط من أجل اتفاقية جديدة متعددة الأطراف للحد من الإعانات الضارة لصيد الأسماك - كوسيلة لاستعادة الثقة وبناء الزخم لصفقات أكبر، واتفاق لإدارة سوق التجارة الإلكترونية العالمية البالغة قيمته 26 تريليون دولار.
وقالت إنها ستعطي الأولوية لتحديث قواعد التجارة ، وتشجيع الأعضاء على التحلي بالشفافية وإبلاغ بعضهم البعض بالتغييرات في سياساتهم .. مؤكدة على أن المبادئ التي تأسست عليها المنظمة ونظام التجارة العالمية ، نجحت سابقاً، ويمكنها تحقيق النجاح مرة أخرى.
وأشارت الوزيرة السابقة إلى أنها ستعيد إحياء دور منظمة التجارة العالمية، وستبحث عن طرق لإضفاء المرونة على نظام الملكية الفكرية بمنظمة التجارة العالمية لتحفيز تصنيع اللقاحات وغيرها من المنتجات الصحية داخل البلدان منخفضة الدخل ، وكذلك إزالة القيود التجارية التي تعوق التدفق الحر للمنتجات الصحية بين مختلف دول العالم .
وفيما يتعلق بأهم قضايا المنظمة وهي قضية نظام تسوية المنازعات التجارية المصاب بالشلل نتيجة الرفض الأمريكي لانتخاب أعضاء جدد فيه، أكدت الدكتورة إيويلا أن هذا النظام الذي يعتبر جوهرة التاج لمنظمة التجارة العالمية يحتاج بشكل عاجل إلى إعادة التشغيل بصفته ميسراً حاسماً لجميع سياسات وقواعد المنظمة ويجب أن يعمل لصالح الجميع، وكان تعطيل واشنطن لهذا النظام عام 2019 قد وضع المنظمة على حافة الهاوية وأفقدها أحد أسباب وجودها.
والدكتورة إيويلا ليست غريبة عن المؤسسات والمحافل الدولية فهي مزودة بخبرة 25 عاما بدوائر صناعة القرار بالبنك الدولي، وارتقت للمرتبة الثانية كعضو منتدب عام 2007 ، وتولت إدارة محفظة عملياتية بقيمة 81 مليار دولار أمريكي بإفريقيا وجنوب آسيا وأوروبا وآسيا الوسطى، وكانت بطليعة رواد المبادرات العديدة لمساعدة البلدان الفقيرة.
وتولت حقيبة المالية بنيجيريا مرتين، وقادت المفاوضات التي أدت إلى سداد معظم ديون نيجيريا الخارجية، وساعدت بتحقيق الاستقرار لأحد أكثر الاقتصادات تقلبا بالعالم من خلال قيادة إصلاحات مهمة للاقتصاد القائم على الطاقة، وكانت القضايا التي واجهتها بهذا المجال شائكة سياسيا، وثقيلة اقتصاديا، وخطيرة على المستوى الشخصي، وقد تخرجت بامتياز مع مرتبة الشرف من جامعة هارفارد عام 1976 وحصلت على درجة الدكتوراه بالاقتصاد من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عام 1981.
وفي كتابها محاربة الفساد خطرة قالت الدكتورة إيويلا إن إصلاحاتها لمكافحة الفساد خلقت لها الكثير من الخصوم والأعداء، لكنها أكدت أن السنوات التي أمضتها متنقلة بمراكز السياسة النيجيرية، ولقاءاتها مع العديد من الفصائل الداخلية وجماعات المصالح، جعلتها محترفة في اختيار المعارك الكبرى وخوضها، غير أن منتقديها يأخذون عليها عدم بذل جهود كافية للجم الفساد عندما كانت وزيرة للمال بنيجيريا أكثر دول القارة الإفريقية تعدادا للسكان.
ويقول محللون إن تغيير منظمة التجارة العالمية وإحياء دورها بشكل كامل سيكون أمرا صعبا ولا يمكن تصوره خلال فترة واحدة مدتها أربع سنوات، ويضيف هؤلاء أن المديرة الجديدة ستواجه أول اختبار لقدرتها على احتواء وحسم المعارك الضارية بين الأعضاء خلال المؤتمر الوزاري الثاني عشر لمنظمة التجارة العالمية، المقرر هذا العام.
ويعتقد المحللون أن مؤشرات النجاح ستتمثل بإبقاء منظمة التجارة العالمية على خريطة الحوكمة الاقتصادية العالمية، فضلا عن استمرار المناقشات حول التجارة الإلكترونية والخدمات، وتبني صيغة لتحديث قواعد منظمة التجارة العالمية وفتح آلية تسوية المنازعات المجمدة.
ويرى كبار المسؤولين بالمنظمة أنه يتعين عليها أن تكون قادرة على تقديم المساعدة بشكل عاجل وواضح بقضايا مثل ضمان التجارة بالسلع الأساسية أثناء الأزمات الصحية، وتسهيل الانتعاش الاقتصادي ومعالجة المناخ، وأن تثبت أنها تستطيع تقديم موضوعات ذات صلة بجميع أولئك الذين يشاركون بالتجارة الدولية أو يتأثرون بها.
وتتراوح التحديات التي تفرض نفسها على أجندة منظمة التجارة العالمية بين قائمة طويلة من الأزمات مثل تهديد الوباء للصحة والاقتصاد العالمي، والحاجة الماسة إلى الانتعاش الاقتصادي، والآثار التي لا يمكن إنكارها لتغير المناخ، والتفاوت بالدخل والتغييرات التي أحدثتها التكنولوجيا بالعالمين الرقمي والميكانيكي، ونقل اللقاحات والأدوية والمستلزمات الطبية الأخرى عبر الحدود، ونقل الغذاء من مناطق الوفرة إلى مناطق العجز لتخفيف الجوع، ونشر فوائد التكنولوجيا للشعوب بجميع أنحاء العالم مع عدد أقل من الأعباء والتكاليف غير الضرورية، وخلق فرص جديدة لمستوى معيشة أعلى.
ومن المؤكد أن منظمة التجارة العالمية وسابقتها، الجات، قد عملت خلال الأرباع الثلاثة الأخيرة من القرن، الكثير لتغيير العالم لصالح البشرية جمعاء، إلا أن نظام التداول يحتاج حاليا إلى تحديث ليصبح أكثر استجابة، وأكثر مرونة، وأكثر ملاءمة للغرض، لكن منتقدي المنظمة يرون أنها فشلت بالتدخل بشأن ما يصفونه جرائم اقتصادية صينية، والتي دفعت الولايات المتحدة لاتهام خصمها الاقتصادي بالتلاعب بالعملة، وفرضت مليارات الدولارات من الرسوم الجمركية على البضائع القادمة من الصين.
تأسست منظمة التجارة العالمية خلال يناير 1995، بعد أن شهد العالم نموا استثنائيا وغير مسبوق بالتجارة العالمية، وتهدف المنظمة إلى إقامة عالم اقتصادي يسوده الرخاء والسلام، وتسعى عبر لجان عديدة ووسائل مختلفة لفض النزاعات والخلافات التجارية بين دولها الأعضاء والحيلولة دون تحولها إلى نزاعات وأزمات سياسية أو عسكرية.