ترتبط دولة قطر بعلاقات اقتصادية وإستراتيجية وصفها رئيس الوزراء السابق أحمد داوود أوغلو في أبريل الماضي بالقوية جدا، تلك العلاقات تعرضت لاختبار صعب في ظل المحاولة الانقلابية الفاشلة التي واجهتها القيادة التركية المنتخبة من الشعب خلال اليومين الماضيين، وبدأت العلاقات بين البلدين رسمياً عام 1979 بافتتاح سفارتي البلدين في الدوحة وأنقرة.
وتنامت العلاقات خاصة العلاقات الاقتصادية، عام 2001 مع توقيع اتفاقية منع الازدواج الضريبي، واتفاقية تشجيع وحماية الاستثمارات، بين البلدين، وشهدت العلاقات ازدهاراً كبيراً في عهد حزب العدالة والتنمية، بزيارات متبادلة ومكثفة بين قيادات البلدين خلال الأعوام القليلة الماضية، بل والأشهر الماضية وعلى أعلى مستوى.
وهي التطورات الإيجابية التي حدت بوزير الاقتصاد والتجارة القطري سعادة الشيخ أحمد بن جاسم آل ثاني، أواخر أبريل الماضي، أن يقدم مقترحاً لإبرام اتفاقية تجارة حرة بين الدول العربية وتركيا في إطار جامعة الدول العربية، وفق المبادئ المتفق عليها في منظمة التجارة العالمية.
وأصبحت تركيا في ظل حكم حزب العدالة والتنمية الشريك التجاري الخامس مع الدول العربية.
وحسب تصريحات لرئيس الوزراء التركي في أبريل الماضي، تسعى أنقرة إلى أن يصل حجم التبادل التجاري بين قطر وتركيا إلى 3 مليارات دولار خلال السنوات المقبلة بدلا من 1.4 مليار دولار في العام 2015.
وفي ديسمبر الماضي قدرت القناة العربية التركية قيمة المشاريع التركية في قطر بـ 13 مليار دولار. وقالت القناة: قطر التي ستستضيف كأس العالم عام 2022، من المنتظر أن تنفق 150 مليار دولار على البنية التحتية، ما يمنح فرصة كبيرة للشركات التركية للعمل في هذا البلد، العام الماضي نجحت الشركات التركية في الحصول على مشاريع بقيمة 2.5 مليار دولار، وبالمقابل الاستثمارات القطرية في تركيا، هي أيضا في وتيرة متصاعدة، حيث من المنتظر أن تتجاوز هذه الاستثمارات 12 مليار دولار في حال الاتفاق على مشروع توليد الكهرباء جنوب تركيا، ما سيجعل قطر من أكثر الدول التي لها استثمارات مباشرة في تركيا. وتلعب الشركات التركية دوراً مهما في إنجاز العديد من المشاريع التنموية في دولة قطر، خاصة في مجال البنية التحتية، بحسب سعادة الوزير أحمد بن جاسم آل ثاني.
والذي قال إن عدد الشركات التركية العاملة في قطر برأس مال تركي قطري مشترك، وصل إلى 242 شركة، بينما الشركات التركية الممولة برأس مال تركي فقط، بلغت نحو 26 شركة برأس مال قدره 2 مليار دولار . وحسب تقارير رسمية تركية، فإن تركيا وقطر تكملان بعضهما البعض، ولدى قطر مخزون كبير من الطاقة وتركيا دولة مستهلكة للطاقة.
واللجنة الإستراتيجية العليا القطرية - التركية العليا هي الإطار الذي تتنامى فيه العلاقات بين الجانبين وفي آخر زيارة للدوحة قام بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تم توقيع 17 اتفاقية في مجالات متعددة، من بينها التعليم، والبيئة، والملاحة البحرية، والطاقة، والعلوم والتكنولوجيا وغيرها من المجالات.
وينشط رجال الأعمال القطريون في قطاع العقارات في تركيا، حيث يفضل العديد منهم الاستثمار بشراء العقارات والأراضي والفنادق في عدة ولايات تركية. وتوثيقا لعرى التعاون الإستراتيجي، أعلن البلدان في مطلع عام 2015 عن إنشاء مجلس التعاون الإستراتيجي عالي المستوى.
وفي معرض شرحه لأبعاد المحاولة الانقلابية في تركيا وانعكاساتها على دولة قطر، قال المحلل السياسي الدكتور طارق الزمر لـ لوسيل : إن الانقلاب لم يكن يستهدف ديمقراطية تركيا وتقدمها واستقرارها فحسب، إنما كان يستهدف المنطقة العربية والإسلامية برمتها من أجل استكمال المخطط الصهيوني الذي يستهدف تلك المنطقة، وأن هزيمة الانقلاب تشكل نجاحا للعلاقات الاقتصادية والإستراتيجية التركية القطرية، والتي تعد نموذجا يحتذى به على مستوى العالم الإسلامي، وتعتبر رصيدا للشعوب العربية الإسلامية، وخاصة شعوب الربيع العربي.
إلى ذلك، أعلن المعهد المصري للدراسات السياسية والإستراتيجية بأسطنبول أن هناك العديد من الاعتبارات التي يمكن الإستناداً إليها الآن للتأكيد على أن الاستثمارات القطرية في تركيا آمنة بدرجة كبيرة، وذلك علي الرغم من التطورات السياسية التي شهدتها الدولة التركية الجمعة، ومحاولة الانقلاب العسكري الفاشلة على النظام السياسي.
وقال الدكتور عصام عبد الشافي مدير المعهد لـ لوسيل إن من بين هذه الاعتبارات التي حصرها المعهد أن هذه الاستثمارات لا ترتبط بنظام سياسي فقط ولكنها ترتبط بمصالح استراتيجية للدولة والمجتمع والشعب في تركيا أياً كان نظامه السياسي، بل إن جانبا كبيرا منها يرتبط بالمؤسسة العسكرية التركية في ظل اتفاقيات التحالف الاستراتيجي بين الدولتين . وأوضح أيضا ً أن هذه الاستثمارات تتسم بالتنوع الشديد، وتعدد المجالات والقطاعات التي تعمل فيها وتنطلق من خلالها، وهذا التنوع يعني ارتباطها بقطاعات أوسع من الشعب التركي، تنعكس عليهم فائدتها، ويجعل هذه القطاعات أكثر حرصاً على هذه تأمين هذه الاستثمارات .
ومن بين تلك الاعتبارات أيضاً التي كشفها المعهد أن جانبا كبيرا من هذه الاستثمارات يتم من خلال القطاع الخاص التركي، وهذا القطاع يكون أكثر حرصاً على تأمين المصالح الاقتصادية، بعيداً عن التحولات السياسية .
وخلص المعهد إلى أن خبرة السنوات العشر الأخيرة في الدولة التركية تشير إلى قدرة النظام السياسي، مهما كانت توجهاته، في الحفاظ على وتأمين المصالح الاقتصادية والاستثمارات الخارجية، بعيداً عن المشهد السياسي، لأن تأمين هذه المصالح وجذب المزيد من الاستثمارات هو سبب لتعزيز شرعيته وتعزيز قدرات أدائه التنموية، بما يزيد من معدلات الدعم والتأييد المجتمعي.