هل ينبغي أن تحدد فكرة الاقتصاد اللاأخلاقي القائم على المصلحة الذاتية الكيفية التي نتوقع من خلالها الاستجابة للمكافآت والعقوبات المالية، وكذا الحوافز الأخرى؟
سؤال أجاب عليه صمويل بوليز بـ النفي في كتابه الذي يحمل عنوان الاقتصاد الأخلاقي: لماذا لا تغني الحوافز الجيدة عن المواطنين الصالحين؟ والذي قال فيهه إن السياسات التي تنبع من هذا النموذج ربما يتمخض عنها تقديم حوافز سخية وأخلاقية ومن ثم قد تؤدي لنتائج عكسية.
لكن الحوافز في حد ذاتها، وفقا لـ بوليز، ليست جريمة، ولكن المشكلة تظهر حينما تكون الرسالة التي يُراد نقلها عبر فرض غرامات أو مكافآت محفوفة بالمصلحة الذاتية، أو يظن صاحب العمل أن العاملين وصلوا إلى مرحلة الكسل في العمل، أو أن المواطنين لا يمكن الوثوق بهم في تقديم إسهامات في الصالح العام. وباستخدام دراسات الحالة التاريخية والحديثة جنبا إلى جنب مع إجراء التجارب السلوكية، يظهر بوليز الكيفية التي تظهر بها الحوافز الجيدة في الدوافع المدنية التي تعتمد عليها الحوكمة الجيدة.
المشكلة مع الرجل الاقتصادي
قبل قرنين ونصف قرن من الزمان، دعا جين-جاكس روسو قراء كتابه الذي يحمل عنوان العقد الاجتماعي ( أو Social Contract ) إلى الأخذ في الاعتبار القوانين كما هي بالنسبة للبشر كما هم. ويقول صمويل بوليز إن الحكم الجيد يتطلب فهما للكيفية التي يستجيب من خلالها الأشخاص للقوانين والحوافز الاقتصادية والمعلومات أو الدوافع الأخلاقية التي تشكل نظام الحوكمة. وتلك الاستجابات ستعتمد، وفقا لـ بوليز، على الرغبات والأهداف والعادات والمعتقدات والأخلاقيات التي تحفز على وتفرض قيودا على تصرفات الأشخاص وسلوكياتهم.
لكن ما الذي يجب علينا فهمه من عبارة روسو البشر كما هم ؟ فبين الخبراء الاقتصاديين والمحلفين وصناع السياسة الذين يتأثرون حتما بأفكارهم، ثمة اعتقاد واسع بأنه وأثناء التفكير في استحداث السياسة العامة والأنظمة القانونية علاوة على التفكير في آلية تنظيم عمل الشركات والمؤسسات الخاصة الأخرى، ينبغي علينا افتراض أن الأشخاص- سواء أكانوا مواطنين أو موظفين أو شركاء أعمال أو حتى مجرمين محتملين- تحركهم مصالح ذاتية وغير أخلاقية بصورة كاملة. ولهذا السبب، يتم استخدام الحوافز المادية في الوقت الحالي لتحفيز عملية تعلم الطلاب وزيادة كفاءة وفاعلية المدرسين وخفض الوزن والتصويت الانتخابي ومنع التدخين والتحول من استخدام حقائب البقالة البلاستيكية إلى استخدام حقائق أخرى يمكن إعادة تدويرها، والمسؤولية الأخلاقية في الإدارة المالية وإجراء البحوث الأساسية. وكل تلك حوافز ربما، في غياب الحوافز الاقتصادية، تقوم على أسباب جوهرية أو أخلاقية أو حتى أسباب غير اقتصادية.
وبالنظر إلى تلك العملة الافتراضية في الدوائر القانونية والاقتصادية وأيضا دوائر صنع القرار، ربما يبدو من الغريب ألا يعتقد أحد في أن الأشخاص تحركهم المصالح الذاتية وغير الأخلاقية بصورة كاملة. وبدلا من ذلك، فقد تم تطوير تلك الفرضية على أساس من الحيطة والحذر.
ويسعى مؤلف الكتاب إلى إقناع القاريء بأنه فيما يتعلق بوضع القوانين والسياسات ومؤسسات الأعمال، فإنه يتعين التسليم بالحقيقة القائلة إن مصطلح الرجل الاقتصادي ( أو Homo Economicus ) سيكون النموذج السلوكي الذي ينتهجه المواطن والموظف والطالب أو المقترض.
ويُعرف مصطلح الرجل الاقتصادي بأنه ذلك النموذج الذي تتبعه الاقتصادات الكلاسيكية الجديدة والذي يفترض أن الناس عقلانيون ومستقلون ويهتمون بأنفسهم. مستقلون، تعني أن أعمالهم ومعتقداتهم ورغباتهم تنبع من داخلهم ولا ترتبط بأي شخص آخر. وهم مهتمون بأنفسهم، بمعنى أنهم يسعون لتحقيق غاياتهم الخاصة وليس غايات أحد آخر. ولا يُعنى هنا الأنانية بالضرورة، على الرغم أنه في بعض النماذج الاقتصادية. قد يكون الوضع كذلك، ولكن ذلك يعني أن المستهلك يسعى لرفع رضاه إلى الحدّ الأقصى والمنتج يسعى لرفع أرباحه.
ويسوق المؤلف سببان للتسليم بنموذج الرجل الاقتصادي : أولا، السياسات التي تنبع من هذا النموذج تأخذ أحيانا فرضية الأنانية العالمية غير الأخلاقية على أنها أكثر صحة تقريبا مما هي عليه في ظروف أخرى. ويوضح المؤلف أن الأشخاص أحيانا ما يتصرفون بطرق تدفعها المصالح الذاتية في وجود حوافز، بصور أكبر عما هو عليه في ظل غياب الحوافز. ثانيا، لا تؤدي الغرامات والمكافآت والحوافز المادية الأخرى الهدف منها في الغالب على النحو المطلوب. فأيا كانت الطريقة التي صُممت بها تلك الحوافز للحد من جشع الأشرار، لا يمكن للحوافز وحدها أن تقدم الأسس التي تقوم عليها الحوكمة الجيدة.
ولذا فإن تآكل الحوافز الأخلاقية والاجتماعية الأخرى الضرورية للحكومة الجيدة ربما تكون نتيجة ثقافية غير مقصودة للسياسات التي ينتهجها الخبراء الاقتصاديون، من بينها الحقوق العقارية الخاصة الموسعة والمنافسة السوقية والاستخدام الواسع للحوافز النقدية لتوجيه السلوك الفردي.
ويشير مؤلف كتاب الاقتصاد الأخلاقي: لماذا لا تغني الحوافز الجيدة عن المواطنين الصالحين؟ إلى أن تلك السياسات وغيرها ممن تعد ضرورية لاقتصاد السوق لكي يقوم بوظيفته، ربما تسهم أيضا في تعزيز المصلحة الذاتية وتقويض السبل التي يقوم من خلالها أي مجتمع في المحافظة على الثقافة المدينة القوية للمواطنين المتعاونين والذين يتسمون بالكرم. وعلاوة على ذلك، يضيف المؤلف أن تلك السياسات ربما تخاطر أيضا بتقويض الأعراف الاجتماعية اللازمة لآليات عمل السوق نفسها .
ثم يمضي المؤلف في حديثه قائلا إن المشكلة التي تواجه صانع السياسة أو كاتب مواد الدستور تتمثل في أن الدوافع والقيود عاملان ضروريان لأي نظام حوكمة. لكن وفيما يتعلق بعبارة البشر كما هم كونها تشبه نموذج الرجل الاقتصادي ، ربما تؤتي الحوافز بنتائج عكسية إذا ما أسهمت في تعزيز المصلحة الذاتية ذاتها التي وضعت تلك الحوافز من أجل القضاء عليها، لتحقيق ما فيه خير للصالح العام.
ويوضح المؤلف أن المشكلة لم تظهر إذا كان نموذج الرجل الاقتصادي يمثل وصفا دقيقا لعبارة البشر كما هم .
لكن وفي العقدين الماضيين، قدمت التجارب السلوكية أدلة دامغة على أن الدوافع الأخلاقية وغيرها من الدوافع الأخرى شائعة لدى كل البشر.
ويتساءل مؤلف الكتاب: كيف ينبغي أن يستجيب صناع السياسة إلى الحقيقة القائلة إنه وبالرغم من أن كلا من الحوافز الاقتصادية والدوافع الأخلاقية عاملا أساسيا للسياسة الفاعلة، فإن الأولى تقلل من الأخيرة؟
ويجيب المؤلف نفسه على هذا السؤال بقوله إنه إذا ما تم أخذ كلا مصدري التحفيز في الاعتبار، ربما يفكر صناع السياسية جديا في إعطاء الحوافز الاقتصادية دورا محدودا بصورة أكبر في حزم السياسة الخاصة بهم. ويوضح المؤلف أنه إذا ما كانت الحوافز تقوض القيم الاجتماعية، فإن كلا من الحوافز والقيم الاجتماعية ضروريا ولا غنى عنهما.
سبب منطق مشابه ربما يقود صناع السياسة إلى فرض قيود على صناع دور الأسواق في توزيع الموارد، وأيضا إلى تفضيل دور أكبر من جانب الحكومات أو المؤسسات غير السوقية وغير الرسمية. ولفت المؤلف إلى أن فعل ذلك يجيء متسقا مع ما قاله مايكل ساندل في كتابه الذي يحمل عنوان ما لا يمكن أن يشتريه المال: الحدود الأخلاقية للأسواق : وضع تسعيرة على كل نشاط إنساني يمحو السلع الأخلاقية والمدنية التي تستحق الاعتناء بها.
إن مصلحة الذاتيـة هـي الدافعية للنظام الاقتصادي، والمجسدة للديناميكية الاقتصادية والسوق الذي ينقل المصلحة الذاتية بفعل اليـد الخفية إلى المصلحة العامة، من خلال التبادل وحرية التجارة. كل ذلك ما كان ليحدث لولا الثورة الصناعية التي شهدتها أوربا بعامة وإنجلترا بصفة خاصة والتي أوجدت تقسيم العمل وتحولات جوهرية في علاقات الإنتاج، وتراكما مع تركز في رأس المال الناتج عن سوء عدالة توزيع الدخل. وقد أسهمت الثورة التي اندلعت شرارتها في العام 1848 في تنبيه المجتمع على هذه الحقائق، فكانت احتجاجا على مغادرة أوربا للأخلاق التي انعكست في مزيد من السوء في علاقات الإنتاج والتوزيع.
إن تأسيس منطق اقتصادي خارج القواعد الليبرالية - الرأسمالية لا يزال التحدي الأبرز أمام مشاريع التغيير اليوم. ونقل أفكارٍ كالاقتصاد الأخلاقي إلى واقعنا المعاش هو تمرين أكثر فائدة من التلهي بأوهام الديمقراطية النخبوية، وانتظار الحلول منها.