أكدوا سرعة تطورها مستقبلا

علماء وخبراء: قطر رائدة في الصيرفة الإسلامية والبيئة القانونية أبرز التحديات

لوسيل

الدوحة - أحمد فضلي

شهدت الصيرفة الإسلامية خلال الأعوام القليلة الماضية تحولات جذرية وعميقة مكَّنَتْها من الظهور على الساحة المصرفية بقوة من خلال الاستحواذ على مستويات عالية من النمو، في ظل الإقبال المتزايد من قبل الأفراد وكبار المستثمرين إلى جانب الشركات، على هذا النوع من الخدمات المصرفية التي توفر قنوات تمويل واستثمار وإيداع متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، خاصة بعد أن أثبتت جدارتها في مواجهة التقلبات الاقتصادية التي عايشها العالم منذ الأزمة المالية في العام 2008، والتي عصفت بالعديد من البنوك التقليدية.

وشكَّلَ نجاح تجربة البنوك والمصارف الإسلامية في مواجهة التحديات عامل جذب لخبراء الهندسة المالية والمصرفية لاستكشاف هذا المجال الجديد من الصيرفة وذلك من خلال وضع خبرتهم العلمية والعملية بالتعاون مع علماء الشريعة الإسلامية من أجل تعزيز صناعة الصيرفة الإسلامية، سواء في الوطن العربي أو بعض دول شرق آسيا أو حتى بعض الدول الأوروبية والأمريكية.


وانعكس ذلك الزخم بشكل مباشر على مستوى نمو الصيرفة الإسلامية في العالم، حيث يتوقع الخبراء أن يصل حجم الأصول والموجودات المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية على مستوى العالم بحلول العام 2022 إلى نحو 3.7 تريليون دولار أي ما يعادل نحو 13.5 تريليون ريال، بمعدل نمو مركب يصل إلى 9.4%، خاصة بعد أن سجلت خلال الفترة المتراوحة بين 2003 و2016، أي خلال 13 عاما، مستويات نمو قياسية، حيث قفزت الأصول الإسلامية من نحو 200 مليار دولار أي ما يعادل 728 مليار ريال في العام 2003 إلى مستوى 2.2 تريليون دولار، أي ما يعادل نحو 8 تريليونات ريال في العام 2016، محققة نسبة نمو تساوي 1000%، وذلك بفعل عوامل متعددة من أهمها ارتفاع طلب المستثمرين التقليديين على الصيرفة المطابقة للشريعة الإسلامية، بالإضافة إلى زيادة وتسهيل وصول المجتمعات الإسلامية إلى المنتجات المصرفية المطابقة للشريعة الإسلامية وبمعدل ربح متيسر.


وعلى المستوى المحلي، تستحوذ دولة قطر على مستويات نمو عالية في مجال الصيرفة الإسلامية وتعد من أكبر المؤثرين على المستوى العالمي في مجال المالية الإسلامية، خاصة بعد أن نجحت في أن تكون ثالث أكبر المساهمين في حجم النمو العالمي في الخدمات المصرفية الإسلامية وأن تكون خامس أكبر سوق للتمويل الإسلامي من حيث الحجم، وهو ما مكَّنَها من أن تحتل المركز الثامن عالمياً في قائمة الاقتصادات العالمية الأكثر تطوراً في مجال التمويل الإسلامي في العام 2018، حيث نمت أصول التمويل الإسلامي بمعدل نمو مركب بلغ 11% خلال الفترة ما بين 2012 - 2016، وذلك بأصول إجمالية بلغت نحو 389.5 مليار ريال بما يعادل نحو 107 مليارات دولار، متأثرة بشكل أساسي بقطاعها المصرفي التقليدي القوي الذي تطور بشكل أسرع في نفس الفترة الزمنية بمعدل نمو مركب بلغ 13% ليصل إجمالي أصوله إلى نحو 323.96 مليار ريال بما يعادل 89 مليار دولار.


ويرى خبراء ماليون في مجال الصيرفة الإسلامية وشيوخ وفقهاء تحدثوا لـ لوسيل أن التوجه العام لاقتصاد العالم سيكون خلال السنوات المقبلة مركزا على المالية والصيرفة الإسلامية لما فيها من استقرار وقدرة على مواجهة تقلبات الأسواق، إضافة إلى أن تلك المعاملات تخضع لأحكام وقواعد تنظمها الشريعة الإسلامية التي تحقق الاستقرار والنماء، مشددين على أن دولة قطر تمكنت خلال السنوات الماضية من إرساء نظم وآليات تدعم الصيرفة الإسلامية وتجعلها تنطلق إلى العالمية لتكون عامل جذب للاستثمارات والتدفقات المالية الراغبة في التعامل من خلال أحكام ومبادئ الصيرفة والمالية الإسلامية، متوقعين في ذات الإطار أن تحقق دولة قطر في السنوات القليلة المقبلة قفزات عملاقة في هذا المجال والذي سيكون مدفوعا بالنمو الاقتصادي لدولة قطر من جهة وبالنمو العالمي للصيرفة الإسلامية من جهة أخرى، مشددين على أهمية ودور علماء الشريعة والمختصين في المال الإسلامي لتحقيق النجاح المنشود.

59.8 مليار ريال تمويل ممنوح للقطاع العام


تشير البيانات المالية الصادرة عن مصرف قطر المركزي إلى أن إجمالي موجودات البنوك الإسلامية القطرية بلغ مستوى 343.6 مليار ريال بنهاية شهر نوفمبر من العام الماضي تمثل الموجودات المحلية منها ما نسبته 88.64% بإجمالي يساوي نحو 304.6 مليار ريال، في حين تقدر موجودات البنوك الإسلامية خارج دولة قطر بنحو 39 مليار ريال بما يمثل 11.36%. في حين يصل التمويل المحلي للبنوك الإسلامية وفقا لذات البيانات إلى مستوى 224.3 مليار ريال، مقابل 20.2 مليار ريال تمويلا خارجيا، أي خارج دولة قطر.


وتشكل موجودات البنوك الإسلامية من إجمالي الموجودات للبنوك نحو 25.6%، وفقا لبيانات نوفمبر من العام الماضي والتي بلغ فيها إجمالي الموجودات 1.342 تريليون ريال.
أما على مستوى الإيداع، فقد بلغ مستوى الإيداع لدى البنوك الإسلامية القطرية خلال نفس الفترة من العام الماضي نحو 205.5 مليار ريال بما يشكل 25.61% من إجمالي ودائع البنوك والمصارف العاملة في دولة قطر والتي تقدر بنحو 802.2 مليار ريال.


وتوزعت الودائع لدى البنوك الإسلامية خلال نوفمبر من العام الماضي إلى نحو 119.1 مليار ريال ودائع القطاع الخاص بما يمثل 57.95%، تشكل منها ودائع توفير ولأجل المقيمة بالريال القطري نحو 66.49%. في المقابل بلغت ودائع القطاع العام والمؤسسات التابعة له نحو 66.4 مليار ريال منها 32.1 مليار ريال ودائع توفير ولأجل مقيمة بالريال القطري مقابل 24 مليار ريال ودائع توفير ولأجل مقيمة بالعملات الأجنبية.


ويأتي تمويل القطاع العام في صدارة التمويلات التي تقدمها البنوك الإسلامية، حيث يستحوذ هذا القطاع على نحو 59.8 مليار ريال بما يمثل 24.48% من إجمالي التمويل الإسلامي، ثم يليه التمويل المقدم لقطاع الاستهلاك بنحو 52.4 مليار ريال بحصة تساوي 21.47% ثم التمويل الممنوح لقطاع العقارات بنحو 51.6 مليار ريال بحصة تساوي 21.12%. وتعكس البيانات المالية الصادرة عن البنوك الإسلامية القدرات العالية على تحقيق التطور والنمو وتنويع قطاع التمويل الإسلامي والذي يعتبر واعدا على المستوى المحلي، شريطة أن يتم تعزيز مركز للتميز إلى جانب مزيد من التنسيق في مجال الحوكمة الشرعية مع الاستفادة بشكل أكبر من الصكوك والاستفادة من النمو الهائل الذي يشهده القطاع المصرفي التقليدي، والذي يمكن توجيهه إلى مجال الصكوك وإدارة الأصول والتمويل غير المصرفي المطابق لمبادئ الشريعة الإسلامية.



د. القره داغي : العملات الرقمية محرمة شرعا

فرض ظهور العملات الرقمية تحديات كبيرة على الاقتصاد العالمي وخاصة على نظامه المصرفي على وجه الخصوص، وتعتبر الصيرفة الإسلامية أحد الفروع المعنية بهذا التحدي الجديد، حيث اعتبر علماء الشريعة والقائمون على هيئات الرقابة الشرعية للبنوك الإسلامية أن التداول بالعملات الافتراضية محرم شرعا في الوقت الحاضر.


ويقول في هذا الإطار لـ لوسيل الشيخ الأستاذ الدكتور علي القره داغي رئيس هيئة الرقابة الشرعية في عدد من البنوك الإسلامية والشركات المالية التي تعمل وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية: إن التعامل بالعملات الإلكترونية والافتراضية محرم شرعا في الوقت الحالي، وأنه لا يجوز امتلاكها أو التداول بها خاصة أنها تشهد كمًّا هائلا من المضاربات المحرمة شرعا، كما أنها تستند إلى أبسط المقومات ومنها الاعتراف الدولي بها، وتابع قائلا: إذا ما أصبحت هذه العملات في المستقبل واقعا وتم الاعتراف بها ضمن ضوابط محددة من الممكن أن تراجع الهيئات الشرعية الفتوى بما يتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية ولا يتعارض معها، ولابد من الإشارة إلى أن المشكلة ليست في قضية العملة الإلكترونية وإنما في واقعيتها، حيث إنها تحتوي على مخاطر عالية كما أنها لا تمتلك المواصفات التي تمتلكها العملات الورقية أو النقدية المتداولة في مختلف دول العالم . داعيا في ذات الإطار الأمة الإسلامية وخاصة الفقهاء وخبراء المالية الإسلامية إلى دراسة العملات الإلكترونية لأنها تشكل المستقبل في حال تم الاعتراف بها على المستوى العالمي.


ويحدد علماء الشريعة الإسلامية والمختصون في المال الإسلامي عدة ضوابط لرفع درجة التحريم عن العملات الرقمية، ويشيرون إلى أنه لحل اللبس والإشكال، لابد من الاعتراف بالعملات الأجنبية من قبل الدول وجعلها نقدا أولا أو ثانيا أو أن تتبناها شركة استثمارية تكون بمثابة الأسهم أو تتبناها مجموعة من المصارف الإسلامية وتتعامل فيها على شكل بطاقات ائتمان، مشددا على أنه لا ينبغي عدم التأخر في حال أصبحت العملات الإلكترونية واقعا.
واعتبر الشيخ الأستاذ الدكتور علي القره داغي أن التمويل الإسلامي يحتاج إلى تطوير المنتجات المستخدمة إلى جانب طرح منتجات جديدة وجعلها في القياس والاختبار، مشددا على دور العلماء اليوم في ضرورة ضبط العقود ومن ثم تطويرها وتقديم منتجات جديدة لتنتقل بنا من البدائل إلى صناعة الصيرفة الإسلامية الحقيقية، مضيفا: ما زلنا إلى الآن ندور حول البدائل والحال يتوجب علينا الانتقال فعليا نحو المنتج الإسلامي الصحيح الذي يكون نتيجة لتطور الصناعة المصرفية الإسلامية التي ستكون هي المستقبل .


د. عصام العنزي : البيئة القانونية تحدي الصيرفة الإسلامية

من جهته، قال الدكتور عصام العنزي الأستاذ في قسم الفقه المقارن والسياسة الشرعية في جامعة الكويت إن الصيرفة الإسلامية واجهت تحديات مختلفة منذ نشأتها، حيث كان التحدي الأول متمثلا أساسا في الاعتراف بها كجزء من النظم المصرفية، قبل أن يواجهها التحدي الثاني المتمثل في تحقيق مستويات نمو وتطور، مشددا على أن أبرز التحديات التي تواجه الصيرفة الإسلامية في الوقت المعاصر هي تلك التحديات التي تتعلق أساسا بالبنية التشريعية والقانونية المنظمة لعملها إضافة إلى الأنظمة المحاسبية التي تخضع لها إلى جانب بعض الإجراءات الرقابية التي لا تراعي خصوصياتها.


وعدَّدَ الدكتور عصام العنزي النقاط القانونية التي تواجه الصيرفة الإسلامية والتي تتمثل أولا في التحاكم عند الاختلاف وعدم إدراك بعض القضاة لطبيعة المعاملات المالية الإسلامية وقوانين الضرائب والقصور القانوني الذي يؤدي إلى التحلل من الالتزامات وتقديم البنوك التقليدية في استيفاء مستحقاتها.


أما على مستوى التحديات المحاسبية والرقابية، فقد حصرها في ضمان الحسابات الاستثمارية والتفتيش والرقابة وإعداد البيانات المالية واقتطاع احتياطيات بقدر زائد على الحاجة.
وأوضح د. العنزي أنه رغم تلك التحديات فإن الصيرفة الإسلامية تمكنت من تحقيق مستويات نمو مهمة إلى جانب الالتفات من قبل الجهات الرقابية من خلال العمل على توفير بيئة قانونية مناسبة لها ستمكنها من تخطي تلك التحديات وتحويلها إلى فرص تنعش مستقبل الصيرفة الإسلامية، وتابع قائلا: قامت البنوك المركزية والهيئات الرقابية مؤخرا بدور محوري في تطوير الصناعة المصرفية الإسلامية، حيث نستشعر الفرق في روح التعامل مع المؤسسات المالية الإسلامية، حيث نرى اليوم المؤسسات المالية الإسلامية تحظى بالاهتمام والتقدير من الجهات الرقابية . مشددا في ذات الإطار على أهمية أن تواصل تلك المؤسسات ممارسة أعمالها بطريقة سليمة ورشيدة، خاصة بعد أن نجحت بالماضي في النمو في ظل ظروف غير موائمة لعملها وتجاوزت جميع التحديات القائمة وقتها.

د. السعيد دراجي : التمويل الإسلامي نحو التطوير

من بين التحديات التي تواجه الصيرفة الإسلامية هو القدرة على التمويل بما يتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية، والتي تحددت جملة من الأدوات التمويلية والتي تقوم أساسا على المشاركات ومنها صيغة المشاركة وصيغة المضاربة وصيغة المزارعة والمساقاة إلى جانب أدوات أخرى قائمة على البيوع كالمرابحة والسَّلَم وأخرى كالصكوك الإسلامية.


ولتطوير الصناعة المصرفية الإسلامية والتغلب على تحديات التمويل وضعت الهندسة المالية العديد من الآليات لتخطي تلك التحديات.
ويقول في هذا الإطار الدكتور السعيد دراجي مدير جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بمدينة قسنطينة بالجزائر إن المالية الإسلامية نجحت بعد الأزمة المالية العالمية في تجاوز الآثار التي ترتبت على الأزمة، حيث كانت البنوك الإسلامية تسعى منذ نشأتها إلى الاستثمار الحقيقي بعيدا عن الاقتراض، منوها إلى أن البنوك الإسلامية تقدم معدلات صفرية على الفائدة، مشيرا في حديثه إلى أن البنوك الإسلامية تمكنت في فترة وجيزة من تجاوز تحديات التمويل من خلال إيجاد أوعية تمويلية، تقوم على المعاملات الإسلامية.


ودعا في ذات الإطار أن تواكب الأدوات التمويلية التطور التقني الحاصل على مستوى الصيرفة الإسلامية.
منوها في ذات الإطار بتجربة دولة قطر في مجال الصيرفة الإسلامية والمالية الإسلامية بشكل واسع.


عملاق مصرفي إسلامي مرتقب

يقوم بنكان إسلاميان وبنك تقليدي في دولة قطر بدراسة عملية اندماج فيما بينها، حيث تضم هذه الدراسة كلا من مصرف الريان ومجموعة بنك بروة من جهة وهما يقدمان خدمات مصرفية إسلامية وبنك قطر الدولي الذي يقدم خدمات بنكية تقليدية، وسوف يؤدي الاندماج في حال حدوثه إلى تكوين أكبر بنك إسلامي في دولة قطر بقيمة أصول تزيد على 160 مليار ريال، ورأسمال يزيد على 22 مليار ريال، ليكون بذلك ثالث أكبر بنك إسلامي في الشرق الأوسط.
ورغم التكتم الشديد الذي يكتنف موضوع الاندماج فإن مصادر لوسيل تؤكد تواصل عمليات الدراسة الفنية والتقييم المتبعة في مثل هذه الحالات وقطعت أشواطا متقدمة من أجل تحقيق الهدف المنشود.
وسيساهم هذا الاندماج بشكل كبير في حال حدوثه في دفع صناعة الصيرفة الإسلامية في دولة قطر إضافة إلى أنه سيدعم مناخ الأعمال ويستقطب أنظار المستثمرين إضافة إلى أنه يوفر فرصا استثمارية وتمويلية ضخمة للراغبين في التعاملات الإسلامية.