تقرير الأبحاث والدراسات

النينا .. ظاهرة مناخية وراء موجة الشتاء القاسي في العالم

لوسيل

الدوحة -قنا

تعرضت أجزاء كبيرة من الكرة الأرضية إلى حالة من الطقس السيئ التي خلفت العديد من الضحايا وأصابت الحياة بالشلل، وقد أرجع الخبراء موجات الصقيع التي يشهدها العالم هذا الشتاء إلى ما يسمى بظاهرة النينا والتي تنشط في أوروبا ومناطق وسط المحيط الهادي والدول المطلة عليها.

من جانبها توقعت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) أن تؤثر ظاهرة /النينا/ بما تحمله من طقس سيئ، على أجزاء واسعة من العالم خلال الأشهر القليلة القادمة، وأن تستمر حتى الربع الأول من عام 2017 بمعدلات تزيد عن 50% مما كانت عليه في نهاية عام 2016، استناداً إلى تقييم الخبراء لنتائج النماذج المناخية التي تديرها مراكز التنبؤ الرائدة في العالم.
وقال بيتر تلاس الأمين العام للمنظمة إن /النينا/ هي ظاهرة فريدة من نوعها وغالبا ما تظهر في أنماط معينة وترتبط بارتفاع معدلات الرطوبة في شرق أستراليا وإندونيسيا والفلبين وتايلاند وجنوب آسيا، وتؤدي إلى حصول الفيضانات في شمال شرق البرازيل وكولومبيا والأجزاء الشمالية الأخرى من أمريكا الجنوبية، وأجزاء من الأرجنتين وساحل الإكوادور وشمال غرب بيرو.
وظاهرة /النينا/ هي النقيض لما يعرف بـ/النينو/ فالثانية تتسبب في جفاف الأراضي الزراعية بسبب قلة هطول الأمطار خاصة في الجزء الجنوبي من الكرة الأرضية وعادة ما تتأثر بها الدول الأفريقية والصحاري الشاسعة في أمريكا اللاتينية وأستراليا.
والدول التي تتلقى أقل من المعدل المتوسط لهطول الأمطار خلال /النينو/ تميل إلى الحصول على أعلى معدل للأمطار خلال /النينا/ والعكس بالعكس.
وحسب المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، فإن عواصف /النينا/ تتميز بموجات من الصقيع والثلوج والعواصف كما في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا ودول أوروبا، وتحمل عواصف /النينا/ اسم المنطقة التي تهب منها -على سبيل المثال عواصف الايجون التي ضربت أوروبا.
وأشارت آخر الإحصائيات إلى أن حصيلة الوفيات بسبب الصقيع في دول أوروبا قد وصلت إلى أكثر من 70 قتيلا أغلبهم في بولندا ورومانيا وجمهورية التشيك وبلغاريا، كما سجلت أيضا وفيات في مقدونيا و بيلاروسيا و إيطاليا ، بالإضافة إلى خلل كبير في إمدادات الكهرباء والمياه وشبكات النقل في الأيام الأخيرة. كما تسبب الجليد المتشكل على البحر الأدرياتيكي في توقف حركة السفر والملاحة النهرية.. كما تسبب استمرار تساقط الثلوج على إسطنبول في إلغاء أكثر من 650 رحلة طيران من وإلى المدينة.
وفي المملكة المتحدة أصدرت السلطات تحذيرات من خطر الفيضانات ما دفعها إلى إخلاء وقائي للآلاف من السكان في مناطق الساحل الجنوبي وإلغاء عشرات الرحلات الجوية بعد سقوط الثلوج في اسكتلندا وإيرلندا الشمالية وجزء من إنجلترا.
وحذرت السلطات في بلجيكا من الاقتراب من المناطق الساحلية بسبب ارتفاع منسوب المياه عند السواحل كما تعرضت فرنسا إلى عاصفة قوية وصلت سرعتها إلى نحو مئة وخمسين كيلومترا في الساعة، وتسببت العاصفة في انقطاع التيار الكهربائي عن 330 ألف منزل /أمس الأول/ في نورماندي وشمال البلاد.
وأظهرت الصور الجوية تجمد نهر الدانوب في العاصمة المجرية بودابست الذي يعد أكبر أنهار أوروبا وغطت الثلوج الشوارع والبنايات وشلت الحياة في الأيام الماضية، وفي رومانيا أعلنت حالة الطوارئ بالبلاد وسجلت الرياح سرعة فاقت سبعين كيلومتراً في الساعة.
أما في اليونان فشاركت المروحيات في إنقاذ عدد من سكان جزيرة سكوبيلوس في بحر إيجه. وتعرضت ألمانيا لأعنف موجات الطقس السيئ بسبب العاصفة ايجون التي تسببت في إلغاء عشرات الرحلات من مطار فرانكفورت أكثر المطارات ازدحاما في ألمانيا، وتعطلت الدراسة وحركة السفر بالقطارات.
وجنبا إلى جنب مع الخسائر المادية والبشرية التي تزداد يوما بعد يوم وتحصد أرواح السكان المحليين في المدن التي تضربها موجات الطقس السيئ حول العالم، إلا أن الجانب الأكثر قسوة في شتاء هذا العام هو ارتفاع أعداد الضحايا يوميا في صفوف اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين على أبواب المدن الأوروبية.
فالعابرون إلى الداخل الأوروبي من قبل بلغاريا أصبحوا عرضة للموت تجمدا في مراكز الاستقبال وخلال الأيام الماضية عثرت السلطات المحلية هناك على أكثر من جثة متجمدة للاجئين من العراق والصومال حيث تشهد مراكز استقبال اللاجئين في بلغاريا ازدحاما كبيرا في ظل استمرار إغلاق الحدود الصربية لمنع انتقال اللاجئين باتجاه وسط أوروبا وغربها.
وفي اليونان تهدد موجة البرد القارس حياة اللاجئين نظرا لإقامتهم داخل مخيمات لا تستطيع حمايتهم من قسوة الطقس حيث وصلت درجات الحرارة لـ 14 درجة مئوية تحت الصفر وانعزلت قرى بأكملها وتعقدت عمليات هبوط الطائرات المحملة بالأدوية والمواد الغذائية حيث كانت اليونان قد استقبلت مؤخرا أكثر من 10 آلاف لاجئ إضافي.
وارتفع عدد المهاجرين المحاصرين في صربيا إلى حوالي سبعة آلاف حيث تراجعت درجة الحرارة إلى خمس عشرة درجة تحت الصفر، بعد إغلاق طريق البلقان إلى أوروبا في وجوههم قبل أشهر وتتفاقم المشكلة مع اتجاه البعض إلى البقاء بعيدا عن مراكز الاستقبال المؤقتة المخصصة لهم خوفا من التعرض للطرد لاحقا.
وذكرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أنها كثفت من مساعداتها الموجهة للمتضررين من موجة الشتاء القارس التي تضرب العديد من الدول الأوروبية منذ أسابيع.
وقالت مساعدة المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، إري كانيكو، إن طواقم المفوضية أمنت عمليات نقل المئات من الأشخاص المتضررين من البرد في أنحاء من اليونان إلى أماكن إقامة أفضل.. مضيفة أن المفوضية قامت أيضا بمساعدة أكثر من 1200 شخص يقيمون في مواقع غير لائقة في وسط بلغراد عاصمة صربيا، إلى جانب تقديم العون لمئات آخرين في عدد من البلدان الأوروبية.
وأكدت أن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تشعر بقلق بالغ إزاء تقارير تفيد بأن العديد من اللاجئين والمهاجرين قد فقدوا حياتهم وهم يحاولون دخول أوروبا أو الانتقال عبرها.
كما حذرت منظمة /أطباء بلا حدود/ من تردي أوضاع المهاجرين وطالبي اللجوء العالقين في الدول الساحلية الأوروبية التي وصلوها عبر المتوسط من بلادهم هربا من الحروب والنزاعات.
واتهمت المنظمة الاتحاد الأوروبي بإهمال وضع طالبي اللجوء في ظل تدني درجات الحرارة ونقص التحضيرات اللازمة للشتاء.
وانتقد ستيفانو أرجينزيان منسق /أطباء بلا حدود/ لشؤون الهجرة، سياسات الاتحاد الأوروبي، مشددا على أنه بعد الإغلاق الرسمي لطريق البلقان، يعاني المهاجرون من نقص المساعدات في فصل الشتاء الأمر الذي يعرض حياتهم للخطر، واصفا السياسات الأوروبية بأنها شديدة القسوة وتستخدم كأداة لردع وإيذاء من لا يطلبون سوى الأمان والحماية في أوروبا ، لاسيما مع اشتداد موجة البرد والصقيع.