كشف الأستاذ الدكتور عصام عبد الشافي مدير المعهد المصري للدراسات السياسية والإستراتيجية في إسطنبول، وأستاذ العلاقات الدولية بجامعة صقاريا التركية أن الموقف القطري الشجاع من الانقلاب العسكري الفاشل الذي شهدته تركيا سوف تترتب عليه معطيات كثيرة على صعيد تطوير العلاقات الاقتصادية والإستراتيجية بين البلدين، وأكد د.عصام عبدالشافي أن التكامل الاقتصادي بين الدوحة وأنقرة حقيقة قائمة، بعد أن توفرت له كافة عناصر النجاح، بما يحقق طفرات إقتصادية لمصلحة الشعبين.
وعزا د.عبدالشافي التنامي في العلاقات بين البلدين إلى عدة اعتبارات من بينها: توفر الفرص الاستثمارية، والبيئة التشريعية المحفزة، والبنية التحتية القوية، والاستقرار السياسي، إلى جانب النمو الاقتصادي على المديين القريب والبعيد.
وفيما يلي نص الحوار:
الاستثمارات في أمان
وضع القطريون أياديهم على قلوبهم خشية نجاح الانقلاب الذي شهدته تركيا مؤخراً.. هل الاستثمارات القطرية التي تتعدى 20 مليار دولار في تركيا لاتزال تتمتع بأمان عال؟
-لا أعتقد أن هناك سببا للقلق تجاه الاستثمارات القطرية في تركيا، لأن هذه الاستثمارات بين مؤسسات ودول وليست بين قيادات سياسية، كما أن جزءا كبيرا منها يرتبط بالقطاع الخاص، وفي الغالب القطاع الخاص غير مسيس وما يهمه هو استقرار استثماراته، إضافة إلى توفر بيئة قانونية دولية ضامنة للاستثمارات وإستقرارها في أى مكان في العالم، في ظل إدارة مثل هذه الاستثمارات عبر تكتلات دولية، وكيانات كبرى إقليمية ودولية، متعددة الجنسيات، من شأنها أن تضمن معدلات أعلى من الأمان لمثل هذه الاستثمارات في الدول التى تشهد اضطرابات أو توترات سياسية، عامل آخر مهم.
احتلت الدوحة المرتبة 17 في قائمة المستثمرين بقطاع العقارات التركي وزار أنقرة العام الماضي نحو 36 ألف قطري، بعد الانقلاب، ماهي قراءتكم لذلك؟
-لا أعتقد أن محاولة الانقلاب الفاشلة سيكون لها تأثيرها الكبير على هذه الحركة، لعدة اعتبارات، أن الاقتصاد التركي اقتصاد حقيقي، يقوم على قطاعات نمو حقيقية وليس ريعية أو مالية ترتبط بحركة السوق العالمي صعوداً وهبوطاً، وهذا ما حمى تركيا خلال السنوات الماضية في الوقت الذي انهارت فيه اقتصادات كبرى في القارة الأوروبية على خلفية أزمة الديون السيادية والرهن العقاري التى ضربتها وضربت الاقتصاد الأمريكي والاقتصادات التي ترتبط به.
تركيا دولة كبيرة وتتمتع بالعديد من الإمكانيات الكبيرة بل والمتميزة خاصة في القطاع السياحي، زاد من أهمية هذه الإمكانيات التوسع الكبير والنهضة الهائلة التي شهدتها خلال السنوات العشر الأخيرة في مجالات البنية التحتية، وشبكة النقل الداخلي الهائلة، وكذلك التيسيرات في مجال إجراءات الدخول والحصول على التأشيرات سواء للزيارة أو العمل أو الإقامة، وكلها أمور ساهمت في تذليل العديد من العقبات التي كانت تواجه السائحين قبل ذلك.
وفي هذا السياق ومع البيئة السياحية ومميزاتها، تتنامى حركة العقار، إما تطويراً من خلال الشركات والمؤسسات العقارية، وإما إيجاراً أو بيعاً وشراءً، وهو ما تقدم بمعدلات قياسية خلال السنوات الماضية.
دلالات الأرقام
فازت العام الماضي مجموعة اس.تي.اف.ايه وشركة يابي مركزي التركيتان بمناقصة في مشروع مترو الدوحة بقيمة تصل إلى 4.4 مليار دولار، وهو أعلى رقم يحصل عليه مقاول تركي في مناقصة خارجية على الإطلاق، كما قامت مجموعة Bein Media Group القطرية بشراء شركة ديجي تورك أكبر الشركات الإعلامية في تركيا والتي تقدم خدمات لنحو ثلاثة ملايين ونصف المليون مشترك بـ 239 قناة، والمجال الاستثماري مفتوح اليوم أمام الجانبين..... ما هي دلالات تلك التطورات؟
- تركيا قوة إقليمية شديدة الأهمية، وإمكاناتها وقدراتها تؤهلها لأن تكون قوة دولية فاعلة، في ظل تنامي علاقاتها الدولية عبر قارات العالم المختلفة، سواء في إفريقيا أو آسيا أو أمريكا اللاتينية، وكذلك عضويتها في العديد من المنظمات الدولية والإقليمية الفاعلة، وقطر من دول الاقتصادات الصاعدة بقوة والتي تتميز بدرجة عالية من الاستقرار مقارنة بعدد كبير من الاقتصاديات الدولية، ووجود تحالف استراتيجي بين الدولتين على المستوى السياسي والعسكري، من شأنه أن ينعكس إيجاباً على المستوى الاقتصادي والمالي، خاصة وأن تركيا في ظل تنوع ثرواتها واتساع حجم صادراتها يمكن أن تشكل مصدرا حيوىا ورئيسا لسد احتياجات قطر من مختلف السلع والخدمات.
ومع البيئة الاستثمارية المحفزة في تركيا، يمكن أن تجد قطر حواضن آمنة واسعة وصاعدة لاستثماراتها، يدعم ذلك الصورة الذهنية الإيجابية التي تتمتع بها قطر بين الشعب التركي، وكذلك الصورة الذهنية الإيجابية التي تتمتع بها تركيا بين الشعب القطري.
حسب بيانات رسمية تعمل في قطر الآن 60 شركة تركية، نفّذت 35 منها مشاريع بقيمة تجاوزت 35 مليار دولار، وتأمل تلك الشركات في الحصول علي حصة أيضا من مشاريع كأس العالم، وتبلغ الاستثمارات التركية في قطر 15 مليار دولار، ماذا يعني هذا النمو للبلدين؟
-هذا النمو يعني بالدرجة الأولى الثقة العالية وترسخ التحالف الاستراتيجي الذي أصبحت عليه العلاقات بين الطرفين، على المستوى السياسي والذي كان له انعكاساته على مختلف المستويات الاقتصادية والاجتماعية بل والأمنية والعسكرية، وما كان لقطر أن تعقد هذه الحزمة من الاتفاقيات فيما يتعلق بمشروعات تتعلق بحدث بحجم كأس العالم، مع الشركات التركية، إلا بعد التأكد من تميز الشركات التركية التي ستقوم على التنفيذ، سواء فيما يتعلق بالجودة أو الكفاءة أو الفاعلية أو الالتزام بالمعايير العالمية في هذا المجال.
ولا أعتقد أن يكون هناك أدنى تأثير على محاولة الانقلاب الفاشلة على مثل هذا التواجد سلبياً، بل على العكس أعتقد أن التأثير سيكون إيجابياً، وخاصة بعد المزيد من الترسخ في العلاقات بين تركيا وقطر، حيث كان حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر هو أول من تواصل من زعماء العالم مع الرئيس التركي بعد محاولة الانقلاب، كما أن ملابسات العملية الانقلابية وتطوراتها كشفت عن عمق العلاقات التركية القطرية، ليس على مستوى القيادات ولكن على مستوى الشعوب والمؤسسات والقيم والغايات المشتركة، وهو ما يشكل ضمانة حقيقية لثبات ورسوخ هذه العلاقات.
قفز حجم التبادل التجاري بين تركيا وقطر إلى 1.3 مليار دولار حالياً بعد أن تضاعف أكثر من 100 مرة بالمقارنة بحجمه عام 2001 وهو مرشح للتضاعف سنويا هل من تفسير؟
- ترتبط أسباب التنامي بعدة اعتبارات، من بينها توفر الفرص الاستثمارية، البيئة التشريعية المحفزة، البنية التحتية القوية، الاستقرار السياسي، النمو الاقتصادي الحقيقي، فرص النمو في الاقتصاد على المدى البعيد، الثقة في معدلات الأرباح والمكاسب التي يمكن أن تتحقق، مستوى الضرائب، حجم السوق الاستهلاكية، والموقع الاستراتيجي للدولة، وفوق كل هذا نمو ورسوخ العلاقات السياسية بين الدولتين. وكل هذه العوامل توفرت في تركيا، وتعززت بالعلاقات الاستراتيجية بين الدولتين، ساعد في تطورها التحديات المشتركة، والقيم والمنطلقات المشتركة في توجهات السياسة الخارجية للدولتين.
وفي ظل الموقف القطري من محاولة الانقلاب الفاشلة التي تعرضت لها تركيا، فإن كل هذه الأمور مرشحة لمزيد من التعزيز والنمو والترسيخ على مختلف المستويات.
تكامل اقتصادي
أبرمت أنقرة اتفاقية مع الدوحة تقضي باستيراد 1.2 مليار متر مكعب من الغاز القطري.. إلى أي مدى يمكن أن يتواصل التعاون بين البلدين في مجال الطاقة لاسيما بعد تحسن العلاقات التركية الروسية؟
-العلاقات في مجال الغاز استراتيجية بين قطر وتركيا، ولا يمكن أن تتأثر سلبياً بأي تحسن في العلاقات بين روسيا وتركيا، لأن تركيا تريد تنويع مصادر وارداتها من الغاز، وألا تكون تحت ضغط اي طرف من الأطراف الدولية، وخاصة روسيا التي تستورد منها تركيا نحو 50% من وارادتها من الغاز، ثم إيران نحو 30% إضافية، وهذا يعني أن 80% من دولتين فقط، وهو ما يضع الدولة في أزمة كبيرة حال أى توتر في علاقاتها الدولية، بجانب أن اتفاقات التحالف الاستراتيجي بين قطر وتركيا، من شأنها أن تفتح الباب أمام توسيع العلاقات وخاصة في مجال الغاز، الذي تمتلك منه قطر كميات ضخمة وتستورد منه تركيا سنوياً نحو 85% من احتياجاتها من الخارج.
على ضوء ما سبق، وفي ظل التنامي في علاقات البلدين، هل يمكن تحقيق تكامل اقتصادي بين قطر وتركيا؟
- نعتقد أن التكامل الاقتصادي أصبح خطوة في غاية الأهمية والحيوية بين الدولتين، للعديد من الاعتبارات، أولها أنه سيكون داعما للتحالف الاستراتيجي الذي تم بينهما، وثانياً أن الظروف الإقليمية والدولية والتحديات المشتركة التي تواجه الدولتين تجعله حتمياً، وثالثاً أن التجربة أثبتت صحة وجهة نظر القيادات السياسية في الدولتين من تطوير التعاون السياسي والاستراتيجي فيما بينهما، خلال السنوات العشر الأخيرة، ورابعاً أن شروط هذا التكامل قائمة وتجعل كل منهما بالفعل يكمل جوانب قصور لدى الآخر، فهناك حاجة تركية شديدة لمصادر مالية لتمويل الاستثمارات، وحاجة كبيرة لمصادر الطاقة، وخاصة الغاز الطبيعي، وهذان الجانبان تتميز فيهما قطر، بجانب تميزها في الخدمات المصرفية والإعلامية، وفي المقابل تتميز تركيا بتوفر السلع الاستراتيجية والاحتياجات الأساسية والسوق الكبير والعمق الاستراتيجي للمشروعات والاستثمارات وهذا ما تحتاج إليه قطر. بجانب أن البيئة السياسية المضطربة إقليمياً ودولياً، تفرض على الدولتين تعزيز شراكتهما الاستراتيجية، والتكامل الاقتصادي بينهما من شأنه أن يرسخ من هذه الشراكة.