القراءة ضرورة للخطيب

ملتقى المؤلفين يعقد جولة جديدة من مبادرة مرقاة قطر

لوسيل

الدوحة - لوسيل

واصلت مبادرة مرقاة قطر للخطابة ، والتي يقيمها الملتقى القطري للمؤلفين، جولاتها، عبر قناة يوتيوب الملتقى، وذلك ضمن فعاليات الدوحة عاصمة الثقافة في العالم الإسلامي 2021. وقد أقيمت الجولة الجديدة من المبادرة يوم الإثنين، الموافق 11 مايو 2021، ودارت حول الخطيب القارئ ، بمشاركة عدد من الخطباء، والذين ألقوا مجموعة من الخطب التراثية، والتي قام بتحكيمها عدد من خبراء اللغة العربية. أدار الخبير اللغوي الدكتور أحمد الجنابي جولة الخطيب القارئ بالتأكيد على أن هذه الجولة تقدمها مبادرة مرقاة قطر لجمهورها، ليس فقط للذين يشكون من ضعف الحفظ، وإنما هي جولة للذين يريدون التقيد بالنص المكتوب، لاسيما وأن الخطب ذات الشأن الكبير، عادة ما تكون مكتوبة، إذ إن لكل كلمة معناها ودلالاتها، وجماعة تحليل الخطاب تنتظر تلك الخطب لتناولها في البرامج الإعلامية، والصحافة.

خطب تراثية

وقال الدكتور الجنابي: يتنافس اليوم خمسة من الخطباء، ممن قاموا باختيار نماذج من الخطب التراثية لإحيائها بإلقائهم، فهذا هدف بحد ذاته، والاستماع إليها بكل إصغاء من لدن عدد من المحكمين، والذين سيقومون بتحكيمها، داعياً المتنافسين إلى ضرورة الاستفادة من ملاحظات المحكمين، وأخذها بنظر الاعتبار.

وبدوره، ألقى فضل الحميدان، إحدى الخطب التراثية لقس بن ساعدة الإيادي، ومما وورد فيها: أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا وَعُوا، مَنْ عَاشَ مَات، وَمَنْ مَاتَ فَات، وَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ آت.. مطر ونبات وأرزاق وأقوات وآباء وأمهات وأحياء وأموات جمع وأشتات، لَيْلٌ دَاج، وَنَهَارٌ سَاْج، وَسَماءٌ ذَاتُ أبْرَاجٍ، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ومهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تَمور، وبحار لا تغور، وَنُجُومٌ تَزْهَر، وَبِحَارٌ تَزْخَر.. إِنَّ فِي السَّمَاءِ لَخَبَراً، وإِنَّ فِى الأرضِ لَعِبَراً، مَا بَاْلُ النَّاسِ يَذْهبُونَ وَلاَ يَرْجِعُون؟!، أرَضُوا فَأَقَامُوا، أمْ تُرِكُوا فَنَامُوا؟، تباً لأرباب الغفلة من الأمم الخالية والقرون الماضية. يا معشر إياد.. يا مَعْشَرَ إيَاد: أيْنَ الآبَاءُ والأجْدَادُ؟، وأيْنَ الفَرَاعِنَةُ الشِّدَادُ؟ يقسم (قس) بالله قَسَماً لا إثم فيه إن لله ديناً هو أرضَى لكم وأفضل من دينكم الذي أنتم عليه، إنكم لتأتون من الأمر منكراً .

ومن جانبه، ألقى الكاتب محمد الشبراوي كلمة مبادرة مرقاة قطر أكد فيها أن هذه الحلقة تأتي بعنوان الخطيب القارئ ، والذي لا بد أن تتوافر فيه ميزة القراءة، والتي تضيف إلى جمهوره، وتعكس مدى التنوع لدى الخطباء، وتبرز في الوقت نفسه مدى تمكنه من المادة التي يعرضها، الأمر الذي يزيد من فرص إقناعه وإمتاعه لجمهوره.

تسويق الفكرة

وقال الشبراوي إن الخطيب إذا امتلك هذه المزايا فإنه يستطيع الوصول بسهولة إلى المستعين إليه، وهو الأمر الذي يمكِّن جمهوره من الفهم والإمتاع، ومن ثم فهم المادة التي يلقيها، والتعرف على مآلات الأمور، لذلك فإن القراءة ضرورة للخطيب، وللجميع أيضاً، ومن خلالها يمكن التسويق للفكرة المراد تقديمها.

وقال إن الخطيب القارئ للكتب، ولكافة الأمور من حوله، واستثماره لكل ذلك، يجعله يقدّم مادته بشكل أفضل، وهذا ما نطلبه من الخطباء بأن يكونوا متمكنين فيما يعرضونه، بأسلوب شيق، اعتماداً على معرفتهم وثقافتهم. داعياً الخطباء إلى ضرورة التبحر في المعرفة والعلم، فالإنسان يتعلم جديداً دائماً كل يوم .

بعد ذلك، قدم الخبير اللغوي الدكتور أحمد الجنابي الخطباء المتنافسين، وكان أول المتنافسين الخطيب أحمد الساعي، والذي ألقى خطبة القاضي محيي الدين بن الزكي، والذي اختاره الناصر صلاح الدين الأيوبي ليلقي أول خطبة للجمعة في المسجد الأقصى بعد تحريره. وقال الخطيب المشارك إنه اختار هذه الخطبة تحديداً في هذا التوقيت تحية لصمود أهل فلسطين، وخاصة المقدسيين.

وقام بتحكيم هذه الخطبة المحكم الدكتور حسن مخلف، والذي وصف الخطيب بأنه اجتمعت لديه البلاغة العربية مع روحانية الشهر الكريم، فظهرت لغته الفصيحة، وأحسن في تجسيد المعنى، غير أنه دعاه إلى تجنب سرعة الإلقاء، مقدّراً حرصه في ذلك على الالتزام بالوقت، غير أنه في زمن التقانة، فإن هذا الأمر يصعب أن يكون مقبولاً.

كما دعاه إلى البشاشة عند إلقاء مثل هذه الخطب، حيث إنها ألقيت في أجواء نصر، فعلى خلاف ذلك، وجدنا المتنافس حازماً دون بشاشة الوجه .

خطب تاريخية

أما الخطيب الثاني، فكان فيصل الهدوي، من الناطقين بالعربية وقدّم خطبة لمارتن لوثر كينج، وهي من الخطب المترجمة إلى اللغة العربية، وحملت عنوان لديَّ حلم ، ألقيت في 28 أغسطس 1986، أمام 250 ألف شخص من مناصري الحقوق المدنية، ووصفها بأنها من أكثر الخطب بلاغة في الغرب.

ومن جانبه، قام الدكتور محمد الهدوي بتحكيم هذه الخطبة قائلاً: إن المتسابق استطاع أن يجذب المستمعين إليه عن طريق التواصل البصري، والصوت الواضح، انخفاضاً وارتفاعاً بشكل يتوافق وينسجم مع الحديث، بالإضافة إلى ما ظهر من تسلسل في الأفكار وعرضها، وعدم الإطالة، غير أنه قال إن هناك بعض الخلل في الصوت .

وبدوره، قام المتسابق الثالث أحمد عذاب، بإلقاء خطبة كعب بن لؤي، وهو الجد السابع للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وكان من سمى يوم الجمعة بهذا الاسم، لافتاً إلى أن هذه الخطبة من أقدم الخطب العربية، وذكرت في الكتب منسوبة لعصور العربية الزاهرة.

لغة الجسد

وقام الدكتور أحمد الجنابي بتحكيم هذه الخطبة، مؤكداً أن المتسابق استخدم المسطرة بدل المخصرة لتوظيفها في حركة اليدين، للتعبير عن لغة الجسد، التي نركز عليها بمثل هذه الجولة من الخطب، مستعيناً في ذلك بالأوراق التي جعلت الخطبة ماثلة له في يد.

ورأى الدكتور الجنابي أن المشارك أحسن اختياره لهذه الخطبة، فهي من الخطب التراثية في الأدب العربي المحفوظ، وظهر في أداء الخطيب تمايل واضح في الحركة، وهو ما تأثرت به صورته، ولذلك كان لا بد له من التركيز أكثر مع آلة التصوير المرئي، والتعامل معها . لافتاً إلى أن الخطيب استشهد بأكثر من نص، وكأنه أتى بأكثر من مقطع لكلام كعب بن لؤي.

أما الخطيب الرابع، فكان عبدالرحمن الجارود، وقام بإلقاء خطبة الخليفة المهدي بن منصور، والتي ألقاها عند توليه الحكم لافتاً إلى أنه حرص على إلقائها، لما حملته من حكم.

وقام بتحكيم هذه الخطبة أيضاً الدكتور أحمد الجنابي، والذي قال إن الخطيب قارب الوقت إلا قليلاً، وأنه استخدم لغة اليدين، وكانت حاضرة في خطبته، كما ظهر الضغط والنبر على الكلمات وتوظيفها في أداء المعنى، وأنه أحسن الوقف والابتداء، وكان موفقاً في ذلك ، لافتاً إلى أن الخطبة لها صلة بالتراث، وأنها شهدت تكراراً كان مفيداً للغاية، ما جعلها تحقق الهدف منها، وأصابت في الوقت نفسه البعد الخطابي، ولذلك فإن اختيارها كإحدى الخطب التراثية كان مناسباً.

خطبة معاوية

أما المتسابقة الخامسة فكانت هبة الرفاعي، والتي ألقت خطبة معاوية بن أبي سفيان عند وفاته، وقام بتحكيم الخطبة المهندس خالد الأحمد، والذي وصف الخطبة من ناحية اللغة بأنها جيدة، ومسبوكة، وهي لأفصح الخطباء والبلغاء العرب، كما أن الأداء كان مميزا، وتميز بالسرعة، وصفاء اللغة، وسلامة المنطق، بالإضافة إلى حسن إتقان مخارج الحروف، وهو الأمر الذي أعطى جمالاً لهذه الخطبة.

ودعا المحكم المتسابقة إلى شحن الخطبة بالكلمات المناسبة، وذلك من خلال رفع الصوت وخفضه حسب المناسبة، وتحقيق الوقف المناسب، بما يعطي جمالا للحديث بشكل خاص، وإن كان هذا كله، لا يمنع أن الأداء كان مميزا، ودعا المحكم المتسابقة إلى شحن الخطبة بالكلمات المناسبة، وذلك من خلال رفع الصوت وخفضه حسب المناسبة، وتحقيق الوقف المناسب، بما يعطي جمالا للحديث بشكل خاص، وإن كان هذا كله، لا يمنع أن الأداء كان مميزا.

وختم الجلسة الدكتور الجنابي شاكرا الخطباء والمحكمين على إثرائها بخطب من التراث العربي والمترجم إلى العربية.