قال منصور بن إبراهيم آل محمود، الرئيس التنفيذي بالإنابة لمتاحف قطر: إن خطةً إعادة الهيكلة، التي نفذتها الهيئة قبل عامين من الآن، وصلت بنسبة ترشيد النفقات إلى نحو 40% حتى العام الماضي .
وأضاف آل محمود، في حوار خاص مع لوسيل ، أن إعادة افتتاح متحف قطر الوطني الذي يجري تأهيله حالياً ستتم بنهاية العام المقبل.
وتابع: إن عدد زائري متحف الفن الإسلامي الذي افتُتح سنة 2008 بلغ نحو 350 ألف شخص خلال العام الماضي .
واستطرد: هذه الأرقام مؤشرات تفيد بمضِيِّنَا على الطريق الصحيح، وأهم من ذلك أن المتاحف لم تعد شيئًا هامشيًا في حياة مواطنينا .
وأوضح أن الأخبار التي يتم تداولها حول شراء متاحف قطر لمقتنيات ليست كلها صحيحة، لكنه أكد في الوقت نفسه أن الهيئة تحرص على شراء المقتنيات الفنية وفق خطة وصفها بـ المدروسة والمحكمة .
وكشف آل محمود، عن تبني الهيئة تنفيذ برنامج وصفه بالمدروس لترميم المباني والمواقع الأثرية المختلفة، مثل موقع الزبارة وبرجي برزان التاريخيين.
وأكد أن متاحف قطر وضعت خطة بعيدة المدى لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة تتمثل في نقل إدارة المطاعم ومحلات الهدايا وغيرها من المنافذ التابعة للمتاحف إلى القطاع الخاص ودعم شركات التوريد المحلية.
وأشار إلى أن الهيئة تعد من أهم محفزات السياحة الثقافية وتدعم بقوة طموح الهيئة العامة للسياحة لاجتذاب 7 ملايين سائح إلى دولة قطر بانتظام.
وإلى نص الحوار:
لماذا الاستثمار في المتاحف، وما الهدف الرئيسي من إنشاء متاحف قطر ؟
- أود في البداية أن أوضح الأدوار الرئيسية للمتاحف حتى تتبين لنا فائدة الاستثمار فيها.
من الشائع بين الناس أن دور المتاحف ينحصر في الحفاظ على الثروات التاريخية وتراث الشعوب.
ولكن ما يغيب عن البعض أن المتاحف لها أدوار كثيرة أخرى تتعدى توثيق التاريخ، وفي مقدمتها الدور التعليمي.
فالمتاحف يُنظَر إليها باعتبارها مؤسسات تعليمية وتثقيفية من الدرجة الأولى، إذ تمنح زائريها فرصة للتفاعل المباشر مع معروضاتها، وهو ما تترتب عليه إثارة الفضول والفكر والتساؤل لدى الزائر، ويدفعه للبحث والاستقراء في تاريخ هذه المعروضات وسبب نشأتها وما إلى ذلك من أمور تثري الجانب الثقافي لدى الزائر، إذ يصعب عليه اكتساب هذه المعرفة فقط من سطور الكتب أو عبر الصور على شاشات الكمبيوتر، فالتفاعل المباشر أقوى تأثيرًا ويبقى في الذاكرة لأمد طويل.
أضف إلى ذلك البُعد الاقتصادي شديد الأهمية للمتاحف، إذ تُعدّ المتاحف أحد مقومات التنوع الاقتصادي المستقل عن حركة النفط وتقلباتها.
فبنظرة سريعة حول العالم، سندرك أن المتاحف من أهم المقومات التي يعتمد عليها قطاع السياحة في زيادة حجمه وعوائده التي يدرها على ميزانية الدولة، فالسياحة الثقافية لها جمهورها الخاص، وفي الغالب لا يخلو برنامج سياحيّ من زيارة المتاحف.
القوى الناعمة
هل هناك مهام أخرى تهدف الهيئة لتحقيقها ضمن هذه الأدوار؟
- للمتاحف دور أيضًا في دعم العلاقات الدولية، إذ تُعدّ من أهم القوى الناعمة التي تستعين بها الدول في تعزيز مكانتها ونفوذها على الصعيد الدوليّ وتوطيد علاقاتها مع العالم الخارجيّ، عبر انفتاحها على العالم واحترامها لثقافاته، وهو ما يترتب عليه نقل للمعرفة واستفادة من تجارب الأمم الأخرى وفتح آفاق للتعاون الثقافي والاقتصادي، إلى غير ذلك من أشكال التعاون.
وتجربتنا في متاحف قطر مع برنامج الأعوام الثقافية خير شاهد على ذلك.
ثم إذا نظرنا إلى الجانب الاجتماعي، فسنلمس حجم التأثير البارز الذي تحدثه المتاحف في المجتمع، وفي مقدمته تقوية مشاعر الفخر والانتماء لدى المواطنين وزيادة فهمهم لتاريخ بلادهم وإنجازات الأوَّلِين من قبلهم، ما يحثهم على ترك بصمتهم أيضًا.
وكل ذلك ينعكس إيجابًا على نسيج المجتمع وسلوكياته، فضلًا عن بناء المتاحف لجيل جديد من المبدعين.
ولأجل هذا كله، جاء تأسيس متاحف قطر لتكون الجهة المركزية المسؤولة عن وضع الخطط الإستراتيجية لإدارة جميع متاحف الدولة وتنظيم شؤونها، بما يضمن اتساق رسالتها وتحقيق الأهداف التي أنشئ كل متحف من أجلها، ما يسهم في النهاية إلى تحقيق هدفنا الأسمى وهو تحويل دولة قطر لتصبح عاصمةً للثقافة في المنطقة العربية.
40% سياحة ثقافة
أشرت في حديثك إلى السياحة الثقافية ، فما المقصود بهذا المفهوم، وما أهميته، ولماذا يتناسب هذا النوع تحديدًا من السياحة مع قطر؟
- السياحة الثقافية تعني توافد السائحين على دولةٍ بعينها وإقامتهم فيها بهدف زيارة المتاحف واستكشاف البرامج الثقافية.
وتتضح أهمية السياحة الثقافية عند النظر إلى النسبة التي تشكلها من حجم سوق السياحة العالميّ الذي يقدر بحوالي 7.6 تريليون دولار، إذ يبلغ نصيب السياحة الثقافية من هذا السوق 40%، ولعل هذه النسبة تفسر حجم الإنفاق المرتفع للسائح الثقافي الذي يزيد على 63%، مقارنةً بالسائح العادي، فضلًا عن أن شريحة السائحين المثقفين تتميز في الغالب بتعليمها المتميز.
أما ملاءمة السياحة الثقافية لدولة قطر، فهذا يرجع إلى طبيعة هذا النوع من السياحة التي تنسجم مع عادات الشعب القطري وقيمه العربية والإسلامية وتلائم ثقافته وتتناسب مع العائلة التي تمثل عنصرًا محوريًّا في دولة قطر.
كيف يدرك المواطنون قيمة المتاحف وهم لا يرتادونها باستمرار، وهل بإمكانكم أن تقدموا لنا بعض الأرقام حول أعداد الزائرين؟
- لا أُخفي عليك أن ثقافة المتاحف حديثة عهد بمنطقة الخليج كلها، ومن بينها دولة قطر، إذ يُمكن القول بأنها بدأت في الظهور والنمو تدريجيًّا خلال الخمسين عامًا الماضية فقط، وقد انتبهت دولتنا في العقود الأخيرة لأهمية المتاحف، نظرًا لأدوارها المهمة التي أوضحناها سلفًا، فبدأت في بناء ثقافة زيارة المتاحف لدى الجمهور، فبعد أن كان الأمر مقتصرًا على المتحف الوطني القديم فقط، زادت أعداد المتاحف لتلبي مختلف الأذواق الفنية، بدايةً من المهتمين بالفن الإسلامي ومرورًا بالفن الحديث وحتى الفن العام والفن المعاصر.
ولم تكتفِ المتاحف بكونها مجرد مكان لعرض المقتنيات فقط، بل خرجت ببعض المنحوتات لتنتشر في الساحات العامة والحدائق والمطار، وانتشرت أنشطتها في مختلف أنحاء الدولة بهدف التواصل المباشر مع الجمهور.
350 ألف زائر
هل كان لتلك السياسات أثر على قطاع المتاحف؟
- بالطبع، لقد أسهمت هذه السياسات في ارتفاع أعداد زائري المتاحف، كمتحف الفن الإسلامي الذي زاره 350 ألف زائر خلال عام 2015 فقط، والنسخة الماضية من بينالي مال لوّل 2014 التي استقطبت نحو 100 ألف زائر من قطر ودول الخليج ولاحظنا خلالها زيادة أعداد جامعي المقتنيات.
وبلا شك نأمل في زيادة هذه الأعداد إلى ما هو أكثر من ذلك.
ولكن بالنظر إلى تاريخ ثقافة المتاحف في دولة قطر والمنطقة بوجه عام، تعطينا هذه الأرقام مؤشرات تفيد بمضِيِّنَا على الطريق الصحيح.
وأهم من ذلك أن المتاحف لم تعد شيئًا هامشيًّا في حياة مواطنينا، بل صار لها رواد وأضحى لها تأثير تمكن ملامسته في جميع أنحاء الدولة.
فحتى لو تكاسل المواطنون عن زيارة المتاحف، سيشعرون بقوة حضورها وتأثيرها في محيطهم.
نسمع كثيرًا عن شراء متاحف قطر لمقتنيات، فهل توجد قيمة لهذه المقتنيات أو أهمية للاستثمار فيها؟
- أشير أولًا إلى أن الأخبار التي يتم تداولها حول شراء متاحف قطر لمقتنيات ليست كلها صحيحة.
ولكن ما أود التأكيد عليه هنا أننا نحرص في متاحف قطر على شراء المقتنيات الفنية وفق خطة مدروسة ومحكمة تقوم على عدة عوامل رئيسية، أهمها أن المقتنيات هي المقوم الأساسي للمتاحف، فلا توجد متاحف بدون معروضات.
لذا يتم شراؤها في المقام الأول من أجل عرضها في متاحفنا، نظرًا لأنها تمثل عنصر الجذب الأول الذي يأتي السائح من أجله لزيارة المتاحف.
ومن أهم العوامل الأخرى لشراء المقتنيات، والتي قد لا يلتفت إليها كثيرون، أن هذه المقتنيات تمثل قيمةً استثماريةً بحد ذاتها، فمثلها مثل الاستثمار في الذهب أو الأسهم أو العقارات أو غيرها من الأصول التي تحتفظ بقيمتها، بل وتزيد مع مرور الزمن، وهو ما يفسر توجّه البنوك العالمية في الفترة الأخيرة لهذا النوع من الاستثمار، فضلًا عن أن الاستثمار في المقتنيات بوجه عام يعكس انطباعًا إيجابيًّا عن أي دولة لدى السائحين.
هل يقتصر دور متاحف قطر على إنشاء وإدارة المتاحف أم يتعدى إلى دور آخر؟
- لا بالطبع، بل يتعدى دور متاحف قطر لمهام أخرى، منها الآثار.
فقد أعدت متاحف قطر برنامجًا مدروسًا لترميم المباني الأثرية والصيانة الدورية للمواقع المختلفة، وذلك في إطار سياستها الرامية للحفاظ على الآثار والتراث.
ومن الأمثلة التي نوردها في ذلك، على سبيل الذكر وليس الحصر، تأهيل موقع الزبارة ليصبح أول موقع قطري مصنف ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو وترميم وإعادة تأهيل برجي برزان التاريخيين.
كما نسعى أيضًا لتنمية الإبداع الفني محليًا ورعايته، وذلك عبر عدد من البرامج المبتكرة مثل برنامج مطافئ: مقر الفنانين الذي نقيمه في مبنى مطافئ ونستهدف من خلاله جميع الفنانين المقيمين في دولة قطر.
كما قمنا بدعم العديد من ناشري الكتب القطريين في معرض الدوحة الدولي للكتاب، عبر تخصيص مساحة لهم لترويج كتبهم في المعرض.
أضف إلى ذلك توفير متاحف قطر لفرص تعليمية مبتكرة وتفاعليّة من خلال طرحها لعدد من البرامج التعليمية التي تسهم، بشكل كبير، في بناء جيل جديد من المبدعين يقدرون دور الفن والتراث الثقافي كركائز أساسيّة في المجتمع.
متاحف تعليمية
أشرت في بداية حديثك إلى نقطة يغفلها كثيرون وهي أن المتاحف مؤسسات تعليمية في المقام الأول، فهل بإمكانكم توضيح هذه النقطة وكيف تجسّد متاحف قطر هذا المفهوم؟
- تؤدي المتاحف دورًا هامًا في دعم التطورات الحاصلة في المجال التعليمي من خلال أنشطتها وبرامجها الثقافية المتعددة.
فكما ذكرت أن سياستنا لا تُقصِر دور المتاحف على كونها مكانا لعرض المقتنيات فقط، بل ساحة تضج بمختلف الأنشطة التعليمية والثقافية، كورش العمل والمسابقات ودروس تعليم الفنون، وغير ذلك من أنشطة موجهة لمختلف الفئات والأعمار، لاسيما طلاب المدارس، وذلك بتثقيفهم حول موضوعات مختلفة وإثرائهم بمعلومات خارج المناهج الدراسية، وتمكينهم من المشاركة في دورات تعليمية تفاعلية.
وفي المتوسط تستقبل متاحفنا ومعارضنا 3 زيارات مدرسية يوميًا، حيث نخصص لطلاب المدارس الفترة من الساعة الثامنة للعاشرة صباحًا لزيارة متاحفنا خلال جميع أيام العمل.
فضلًا عن قيام مجموعة كبيرة من المعلّمين بحجز ورش العمل التعليمية لتدريس المناهج للطلاب بصورة مختلفة.
أضف إلى ذلك أن جميع الموارد في متاحف قطر ، وعلى رأسها المكتبات، متاحة لكل من يريد استخدامها، ناهيك عن فرص التعلم التي يقدمها متحف الفن الإسلامي للتعرف على تاريخ الفن الإسلامي وما يقدمه المتحف العربي للفن الحديث من دورات تعليمية مبتكرة.
كيف يتماشى عمل متاحف قطر مع الأطراف المعنية الأخرى كالهيئة العامة للسياحة، ومع إستراتيجية السياحة الوطنية على وجه الخصوص؟
- يتسق عملنا تمامًا مع عمل الأطراف المعنية الأخرى، كالهيئة العامة للسياحة، والخطوط الجوية القطرية، ومقدمي خدمات الضيافة والحي الثقافي كتارا، وقطاع الفندقة الخاص.
فكل منا له دور محدد، وهدفنا في النهاية أن نقدم لزوارنا تجربة سياحيةً متكاملةً تجمع بين الاستمتاع بجمال المقتنيات والثقافة وحُسن الضيافة القطرية.
وفيما يتعلق بإستراتيجية السياحة، فمتاحف قطر تعد من أهم محفزات السياحة الثقافية وتدعم بقوة طموح الهيئة العامة للسياحة لاجتذاب 7 ملايين سائح إلى دولة قطر بانتظام.
ما هي المشاريع المستقبلية لمتاحف قطر؟
- بالإضافة إلى متاحفنا الموجودة حاليًا، وفي مقدمتها متحف الفن الإسلامي الذي افتُتح سنة 2008 والمتحف العربي للفن الحديث في ديسمبر 2010، فمن المقرر افتتاح متحف 3-2-1 الأولمبي الرياضي في مجمع مؤسسة أسباير زون مع نهاية عام 2017، كما نتطلع لإعادة افتتاح متحف قطر الوطني من جديد نهاية عام 2017 أيضًا.
40% ترشيد للنفقات
في ضوء توَجُّه الحكومة الحالي لتبني سياسة ترشيد النفقات، ما الخطوات التي تتخذها متاحف قطر لتنفيذ هذه السياسة وزيادة نسبة التقطير؟
- كلنا نلمس اليوم التوَجُّه الذي تتخذه حكومتنا لترشيد النفقات، بإعادة هيكلة بعض المؤسسات ودمج أخرى تحقيقًا لسياسة الإنفاق الرشيد.
وكنا نحن في متاحف قطر قد أدركنا هذه المسألة في وقت مبكر، واتخذنا بالفعل خطوات جادة لتبني سياسة الإنفاق الرشيد، حيث وضعنا خطةً واضحة المعالم قبل عامين من الآن لإعادة الهيكلة، وأخذت هذه الخطة بعين الاعتبار ترشيد النفقات وزيادة نسبة التقطير واختيار الكفاءات المتميزة، وقد ثبتت صحة هذه السياسة مع توجّه الحكومة التي تبنته مؤخرًا عبر وضع الخطط لترشيد النفقات وتعزيز الإنتاجية وزيادة نسبة الكوادر القطرية في مؤسسات الدولة من أجل ضمان الاستخدام الأمثل للموارد، وقد وصلت نسبة ترشيد النفقات حتى العام الماضي إلى 40%.
ما الجهود التي تبذلها متاحف قطر لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة؟
- توجد لمتاحف قطر خطة واضحة المعالم وبعيدة المدى لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، تتمثل باختصار في نقل إدارة المطاعم ومحلات الهدايا وغيرها من المنافذ التابعة للمتاحف إلى القطاع الخاص ودعم شركات التوريد المحلية وتشجيع أصحاب الحرف والمشروعات الصغيرة لتسويق أعمالهم في بازار متحف الفن الإسلامي.
وخير دليل على دعم المشاريع القطرية، أننا قمنا بتخصيص متاجر للمشاريع القطرية على هامش بينالي مال لوّل لعرض منتجاتهم المحلية.
كما تقوم متاحف قطر بدعم المنتجات القطرية التي تعكس التراث القطري عبر متاجر التجزئة لمتاحف قطر المنتشرة في جميع المتاحف ومطار حمد الدولي، والتي من خلالها نهدف إلى الترويج لمنتجات وأعمال فنانين قطريين.