

على أنقاض منزل الشهيد إسماعيل هنية في مخيم الشاطئ غربي مدينة غزة، اجتمع أبناء القطاع لتقديم واجب العزاء في وفاة صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، في مشهد حمل دلالة رمزية تجاوزت حدود المجاملة السياسية إلى تعبير شعبي صادق عن امتنان راسخ في الذاكرة الجمعية لسكان القطاع.
ولم يكن اسم الأمير الوالد بعيداً عن وجدان الفلسطينيين، الذين يستحضرون على وجه الخصوص زيارته التاريخية لقطاع غزة في 23 أكتوبر 2012، حين وصل عبر معبر رفح برفقة زوجته صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر ووفد قطري رفيع المستوى، ليصبح بذلك أول رئيس دولة عربي يزور القطاع منذ فرض الحصار الإسرائيلي عليه عام 2007.
وخلال تلك الزيارة، التي استقبله فيها رئيس الوزراء الفلسطيني آنذاك إسماعيل هنية، أعلن الأمير الوالد تخصيص ما يقارب 400 مليون دولار لمشاريع إعادة الإعمار، شملت وحدات سكنية وطرقاً ومرافق صحية، وألقى خطاباً من الجامعة الإسلامية بغزة أكد فيه مركزية القضية الفلسطينية، مشيداً بصمود الفلسطينيين في مواجهة الحصار.
يُذكر أن تلك الزيارة لم تكن الأولى للأمير الوالد إلى الأراضي الفلسطينية، إذ سبق أن زار غزة عام 1999 واستقبله حينها الرئيس الراحل ياسر عرفات، غير أن زيارة 2012 بقيت الأبرز في الذاكرة الفلسطينية لكونها كسرت العزلة السياسية المفروضة على القطاع في ذروة الحصار.
في هذا السياق، اختار أهالي مخيم الشاطئ إقامة مجلس عزاء للأمير الراحل على أنقاض منزل الشهيد إسماعيل هنية،رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس، في إشارة رمزية إلى الرابطة التي جمعت الرجلين خلال زيارة عام 2012.
وعُلّقت في موقع المجلس صور الأمير الوالد، ورُفع العلمان الفلسطيني والقطري فوق الركام، فيما توافدت العائلات والعشائر وأهالي الشهداء لتقديم التعازي.
وحملت لافتات علّقت في المكان عبارات تعزية موجهة إلى صاحب السمو أمير البلاد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وإلى حكومة وشعب دولة قطر، عبّر فيها الموقّعون عن "بالغ الحزن والأسى"، داعين الله أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أسرته وشعبه الصبر والسلوان.
واستعاد الحاضرون في المجلس محطات من إرث الأمير الوالد في القطاع، أبرزها مستشفى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني للتأهيل والأطراف الصناعية شمالي غزة، الذي قدّم خدماته لأعداد كبيرة من الجرحى ومبتوري الأطراف. ومن بين المستفيدين من خدمات المستشفى، عمرو الحداد، الذي أصيب خلال مسيرات العودة عام 2018 وخضع لعدة عمليات جراحية انتهت ببتر قدمه، قبل أن يتلقى بعد عامين من فقدانها طرفاً صناعياً مجانياً ضمن برامج المستشفى الممولة من صندوق قطر للتنمية.
كما استعاد الحضور محطة الجامعة الإسلامية بغزة التي احتضنت خطاب الأمير الوالد التاريخي عام 2012، ولا تزال إدارة الجامعة تحتفظ بتفاصيل تلك الزيارة في أرشيفها، إلى جانب شوارع ومشاريع إسكانية في مدينة خان يونس ما زالت تحمل اسمه حتى اليوم.
وبذلك، تحوّل موقع منزل مهدم في مخيم للاجئين إلى مساحة توثّق فيها غزة، بطريقتها الخاصة، وفاءها لرجل اعتبرته على مدى سنوات طويلة "الضيف الذي زارها في أحلك ظروفها".