

لم تكن النهضة التي شهدتها دولة قطر في عهد صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (1995-2013) رحمه الله مقتصرة على الاقتصاد أو البنية التحتية، بل قامت على مشروع حضاري متكامل جعل الثقافة ركيزة أساسية في بناء الدولة الحديثة، وأداة لترسيخ الهوية الوطنية، وتعزيز الحوار بين الحضارات، والانفتاح على الثقافات العالمية.
وانطلقت هذه الرؤية من قناعة راسخة بأن التنمية الحقيقية لا تكتمل إلا ببناء الإنسان، وأن الثقافة ليست نشاطًا ترفيهيًا، بل عنصر رئيسي في التنمية المستدامة وصناعة الوعي الوطني. لذلك شهدت قطر خلال تلك المرحلة توسعًا غير مسبوق في إنشاء المؤسسات الثقافية والمتاحف والمراكز الفكرية، ورعاية المهرجانات الفنية والأدبية، ودعم الإبداع، وصون التراث الوطني.
وقد ارتبطت النهضة الثقافية في عهد الأمير الوالد بمشروع متكامل لإبراز الهوية القطرية، مع الانفتاح في الوقت نفسه على الفنون والثقافات العالمية، لتتحول الدوحة إلى واحدة من أبرز العواصم الثقافية في المنطقة، تستضيف المعارض والمؤتمرات والمنتديات الفكرية، وتستقطب كبار الفنانين والمفكرين والمبدعين من مختلف أنحاء العالم.
سوق واقف.. إحياء الذاكرة الشعبية
كان مشروع إعادة تأهيل سوق واقف من أبرز المبادرات التي جسدت فلسفة الأمير الوالد في الحفاظ على التراث العمراني. فقد أعيد ترميم السوق وفق الطراز المعماري القطري القديم، ليحافظ على هويته التاريخية التي تعود إلى عشرينيات القرن الماضي، عندما كان ملتقى للتجار ورواد البحر وأبناء المجتمع القطري في عصر اللؤلؤ.
ولم يعد سوق واقف مجرد سوق تقليدي، بل تحول إلى مركز ثقافي وسياحي يحتضن المهرجانات الشعبية، والعروض الفنية، والمعارض التراثية، والفعاليات الموسمية، ليصبح أحد أبرز رموز الهوية الوطنية، ووجهة للزوار من داخل قطر وخارجها.
تأسيس هيئة متاحف قطر.. انطلاقة مشروع ثقافي عالمي
وفي عام 2005 تأسست هيئة متاحف قطر لتقود مشروعًا وطنيًا واسعًا يهدف إلى حماية التراث والآثار، وإنشاء متاحف حديثة وفق أعلى المعايير العالمية، وتعزيز دور المتاحف كمؤسسات للتعليم والبحث والحوار الحضاري.
وقد مثل إنشاء الهيئة نقطة تحول في العمل المتحفي، إذ انتقلت قطر من مرحلة إدارة المتاحف التقليدية إلى مشروع ثقافي متكامل يقوم على حفظ الموروث الوطني، واستقطاب المعارض العالمية، وإقامة الشراكات مع أبرز المؤسسات الثقافية الدولية.
ومن أبرز ثمار هذه المرحلة افتتاح متحف الفن الإسلامي عام 2008، الذي صممه المعماري العالمي آي. إم. باي، ليصبح أحد أهم الصروح المعمارية والثقافية في العالم الإسلامي، ويضم واحدة من أغنى مجموعات الفن الإسلامي الممتدة عبر أكثر من أربعة عشر قرنًا.
كما انطلق مشروع إعادة بناء متحف قطر الوطني بتصميم المعماري الفرنسي جان نوفيل، المستوحى من «وردة الصحراء»، ليجمع بين العمارة المعاصرة والذاكرة الوطنية، محافظًا في الوقت ذاته على القصر التاريخي للشيخ عبدالله بن جاسم آل ثاني، الذي يمثل أحد أهم الشواهد على تاريخ الدولة.
وفي عام 2010 افتتح المتحف العربي للفن الحديث (متحف) ليكون أول مؤسسة متخصصة في جمع وحفظ وعرض الفن العربي الحديث والمعاصر، ودعم الفنانين والباحثين، وتعزيز مكانة الدوحة على خريطة الفن العربي.
كتارا.. مدينة للثقافة والحوار
ويعد الحي الثقافي كتارا من أبرز المشاريع الثقافية التي ارتبطت بعهد الأمير الوالد، إذ تأسس ليكون مدينة متكاملة للثقافة والفنون، تجمع بين المسرح والموسيقى والفنون التشكيلية والآداب والتراث.
وقد تحولت مؤسسة كتارا إلى منصة عالمية للحوار الثقافي، يستضيف المهرجانات السينمائية، والحفلات الموسيقية، والمعارض الفنية، والمؤتمرات الفكرية، والجوائز الأدبية، وفعاليات التراث الشعبي، وأسهم في تعزيز التواصل بين الثقافات، بما يتسق مع رؤية قطر في جعل الثقافة لغة للتقارب بين الشعوب.
الثقافة ركيزة للهوية الوطنية
وامتد الاهتمام بالهوية الوطنية إلى اعتماد الثامن عشر من ديسمبر يومًا وطنيًا للدولة اعتبارًا من عام 2007، إحياءً لذكرى المؤسس الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني، وهو ما أسهم في تعزيز الوعي بالتاريخ الوطني وربط الأجيال الجديدة بإرث الآباء والأجداد.
كما شهدت تلك المرحلة توسعًا في تنظيم معارض الكتاب، والأسابيع الثقافية، والمهرجانات التراثية، ودعم المسرح والفنون التشكيلية، والاهتمام بالمخطوطات والآثار، وتوثيق التاريخ الشفهي، إلى جانب تشجيع حركة النشر والترجمة، واستضافة المؤتمرات الفكرية العربية والدولية.
الثقافة في خدمة التنمية
ولم يكن الاستثمار في الثقافة معزولًا عن مشروع التنمية الشاملة، بل جاء متكاملًا مع الاستثمار في التعليم والبحث العلمي والإعلام والسياحة، بما جعل الثقافة أحد محركات الاقتصاد الإبداعي، وعاملًا في تعزيز صورة قطر دوليًا، وترسيخ حضورها بوصفها مركزًا للحوار الحضاري.
وقد مهدت هذه الرؤية الطريق أمام الإنجازات الثقافية التي واصلتها الدولة في السنوات اللاحقة، ومنها توسع شبكة المتاحف الوطنية، واستضافة المعارض الدولية الكبرى، وإطلاق المبادرات الثقافية العالمية، وتعزيز الصناعات الإبداعية، حتى أصبحت قطر اليوم إحدى أبرز الوجهات الثقافية في المنطقة.