شهدت القطاعات الاقتصادية في دول المجلس، خاصة قطاعات الصناعة والإنشاءات والتجارة، ازدهاراً لافتاً للنظر خلال العقد الماضي، وخاصة السعودية والإمارات، وباتت دول المجلس تشكل رقماً مهماً في عالم التجارة والاستثمار، خاصة في محيطها العربي، لا سيما وأنها تشكل نقطة ربط بين الدول العربية ودول جنوب شرق آسيا، فقد شهدت تزايداً ملحوظاً في وتيرة تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة خلال فترة العشر سنوات الماضية (2005 - 2014)، حيث ارتفع حجم الاستثمارات الأجنبية التراكمية الوافدة بمعدل نمو مركب بلغ 19.9% سنوياً، وهو ضعف معدل النمو السنوي للاستثمارات العالمية، والتي بلغ معدل نموها 9.6% خلال الفترة نفسها.
وأظهر تقرير صادر عن منظمة الخليج للاستشارات الصناعية (جويك) أمس أن النفط يعتبر المصدر الأساسي والعمود الفقري لاقتصاديات دول مجلس التعاون، إذ يشكل 47% من الناتج المحلي الإجمالي.
وبين التقرير أن النمو الاقتصادي لدول المجلس مرتبط ارتباطاً وثيقاً بأسعار النفط، وأن الفوائض النفطية هي المصدر الأول والأكبر للعملات الأجنبية، وهي التي تمد القطاعين العام والخاص بالتمويل اللازم لإقامة المشاريع التنموية والاستثمارية.
وكانت السنوات العشر الأخيرة زاخرة بالأحداث الكبيرة، التي كانت لها آثار مركبة ومتداخلة على اقتصاديات دول المجلس والمنطقة بشكل عام، ومن تلك الأحداث الطفرة النفطية التي جاءت على مرحلتين، ابتدأت المرحلة الأولى منها بشكل متصاعد ووصلت ذروتها في العام 2008، حيث وصل معدل سعر برميل النفط 94.5 دولار لسلة أوبك، تخللها حدث مهم آخر، وهو الأزمة المالية العالمية التي بدأت في الولايات المتحدة.
وعلى الرغم من تأثر دول المجلس بالصدمة الأولى للأزمة المالية العالمية التي حدثت في نهائية العام 2008، والتي أدت لانخفاض قيمة الاستثمارات المالية الأجنبية للصناديق السيادية الخليجية، التي بلغت نحو 1.4 تريليون دولار آنذاك، فإنها تمكنت من امتصاص تداعياتها واستيعاب هزاتها الارتدادية والتعافي من آثارها في وقت قياسي، عجزت عنه بعض الدول الأوروبية مثل ألمانيا واليونان، وقد ساعدها في ذلك توفر الفوائض المالية كأرصدة احتياطية، واستئناف التدفقات المالية الناجمة عن معاودة ارتفاع أسعار النفط بشكل تدريجي لتصل في العام 2011 إلى نحو 107.5 دولار للبرميل، بالإضافة إلى التدابير الاقتصادية التي اتبعتها هذه الدول للتعامل مع تداعيات تلك الأزمة.
ثم ما لبثت أسعار النفط معاودة الارتفاع بشكل تدريجي بعد الأزمة المالية العالمية، لتصل ذروتها مرة أخرى في العام 2012، ويصل سعر البرميل نحو 109.5 دولار، ونحو 150 دولاراً لبعض أنواع النفط.
كذلك فإن متانة الاقتصاديات الخليجية جعلت منها ملجأ آمناً لرؤوس الأموال الأجنبية إبان الأزمة المالية العالمية وما بعدها، خاصة أنها كانت تمتلك البيئة الاقتصادية الملائمة، ومستعدة لاستقبال الاستثمارات الهاربة من عاصفة الأزمة، لتبلغ قيمة الاستثمارات التي استقطبتها دول المجلس بعد العام 2008 نحو 285.2 مليار دولار في عام 2009، مشكلة 1.6% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المتراكمة الوافدة لدول العالم، وفقا للتقرير.
وحققت دول المجلس خلال الفترة من 2005 - 2014 فوائض مالية كبيرة، بلغت 416.3 مليار دولار في العام 2014، تم إنفاق جزء كبير منها على البنية التحتية، ما وفر سيولة لدى النظام المصرفي، مكنت من تنمية استثمارات القطاع الخاص.
وبين التقرير أنه إذا كانت دول المجلس تعول على النمو في القطاعات غير النفطية التي تبلغ 3% سنوياً لتعويض التناقص في الإيرادات النفطية، فإن هذه النسبة لا تغطي معدل النمو السكاني، كما أنها غير قابلة للاستمرار، لأن زخم النمو في تلك القطاعات كان على الدوام مدفوعاً بالفوائض النفطية، التي توفر التمويل اللازم لاستثماراتها من جهة، وتؤمن القوة الشرائية لمنتجاتها من جهة أخرى، بالإضافة إلى تمويل التوسع في إنشاء البنى التحتية اللازمة لاستقطاب وإدامة الاستثمارات.
وخلص التقرير إلى أن تحدي انخفاض أسعار النفط وتوقع استمرار انخفاضه بشكل أكبر، حسب تقديرات بعض المؤسسات الدولية، يمكن أن يتحول إلى فرصة حقيقية للإسراع في الانتقال من الاقتصاد النفطي إلى الاقتصاد القائم على التصنيع، مستخدمة عناصر القوة الأخرى التي تمتلكها من موقع جغرافي متوسط، وإمكانيات الانتقال للطاقة البديلة، وتنوع في سوق العمل، إذ إن هذا الانخفاض يضع دول المجلس أمام تجربة حية لما قد يحصل مستقبلاً، عندما يتحول العالم إلى الاعتماد بشكل كلي على مصادر الطاقة المتجددة، وانخفاض اعتماده على النفط، أو عند نضوب النفط في أسوأ الأحوال، ويمنحها الفرصة وبشكل إجباري لإعادة تنظيم اقتصاداتها بشكل يتناسب مع السيناريوهات المستقبلية، التي طالما أرّقت المخططين وصناع القرار في دول المجلس.