يقول البروفيسور نعوم تشومسكي في دراسة له نشرت مايو الماضي إن الحرب العالمية على الارهاب انتشرت من استراتيجية مطرقة الإرهاب الجهادي من زاوية صغيرة في افغانستان الى الكثير من دول العالم، من إفريقيا عبر بلاد الشام وجنوب آسيا إلى جنوب شرق آسيا وصولاً للهجمات في أوروبا والولايات المتحدة.
هذا الواقع كما يقول الخبراء أفرز واقعاً سياسياً واقتصادياً مختلفا ولمعرفة كيفت تعامل دول المنطقة مع المشهد السياسي قال نيك راهال، عضو الكونجرس الأمريكي إن الخارطة السياسية في المنطقة تغيرت بعد 11 سبتمبر فهناك دول خطت خطوات كبيرة الى الأمام في الوقت الذي تقوم فيه بعض الدول بالإدانة الكلامية فقط وذلك لتتماشى مع الخط العام من أجل أغراض سياسية او شخصية.
تقسيم
ويرافق التأثير الاقتصادي لهجمات 11 سبتمبر ارتفاع في المشاعر المعادية للعرب في الخارج مما شجع بعض المستثمرين من الشرق الأوسط لتقليص تعاملاتهم المالية الواسعة مع الولايات المتحدة، خوفاً من سلاح التجميد الذي رفعته الولايات المتحدة كجزء من حربها على الارهاب.
ويؤكد الكاتب والباحث التركي محمد زاهد جول، أن أمريكا خططت لاستغلال هجمات سبتمبر لتقسيم دول العالم الى محورين، محور الأخيار وهي أمريكا والدول التي تساندها في الحرب على الإرهاب ومحور الأشرار التي تم حصرها في ثلاث دول وهي العراق وإيران وكوريا الشمالية، واضاف: أما إيران فقد استغلت أحداث سبتمبر باتهام الإسلام السني السلفي بالتعاون مع أمريكا في احتلال أفغانستان والعراق وتدمير الدول العربية، فالعبرة ليست مظاهر العداء أو الصداقة الشكلية، فبعض الدول كانت ضحية الحرب على الإرهاب مثل معظم الدول العربية وبالأخص الدول الخليجية، بينما كانت دولة إيران تحصد ثمار هذه الحرب وهي المتهمة بها أيضاً.
قطر
ورغم ذلك نجد بعض دول المنطقة اتخذت موقع الوسطية والعقلانية في إدارتها للحرب على الإرهاب، وهنا يقول عضو الكونجرس الأمريكي السابق راهال، لـ لوسيل إن دولة قطر من خلال مواقفها المعتدلة، قادرة على جلب كل الأطراف مع بعضها البعض من أجل السلام والازدهار.
وحالياً تلعب قطر دوراً كبيرا في المنطقة وسوف تواصل لعب هذا الدور في المستقبل.
ثغرات
وأيضاً من خلال تعزيز علاقات الثنائية مع الولايات المتحدة الأمريكية ويمكنني أن اقول لك إن سفير قطر هنا سعادة السيد محمد جهام الكواري يقوم بعمل هائل في أمريكا، كل ذلك يجعل من قطر صاحبة الصوت الأكثر عقلانية والدولة المستقرة والآمنة في المنطقة.
ويذهب في ذات الاتجاه اللواء الركن دكتور أنور ماجد عشقي رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية والقانونية بمدينة جدة (السعودية)، حيث يقول: إن قطر رغم صغر مساحتها إلا أنها دولة تتحرك بحكمة وروية وهي تقوم بسد الثغرات التي لم تتمكن الدول العربية والإسلامية من القيام بها، فهي تدعم الإخوة الفلسطينيين في غزة وتشد من أزر الجماعات الإسلامية التي لها أدوار مشرفة في تاريخ الأمة الإسلامية المعاصر.
ويتابع أنور عشقي: لا يجب أن ننسى ما تقوم به قطر من إسناد للحكومة الشرعية في اليمن وتكفلها بالإنفاق على بعثاتها الدبلوماسية، كل ذلك يجعل من قطر دولة مهمة تتمتع بالاعتدال في سياستها ومواقفها وهو ما يجعلها أيضاً موضع احترام وتقدير من الجميع.
مرتزقة
ويبرر عضو الكونجرس الأمريكي صعود نجم تركيا بعد الحرب على الإرهاب، كإحدى الدول التي أظهرت نفسها كقائدة في المنطقة، بأن ظهورها يأتي من أجل سعيها للاستمرار في خلق علاقات جيدة مع أمريكا ولعب دور في المنطقة وليس بسبب تراجع دور الدول الاسلامية.
ويضيف اللواء عشقي، أن الخارطة السياسية بشكل عام تغيرت كثيراً بعد احداث 11 سبتمبر لأن الخطة لم تكن سليمة وكل دولة تحارب الإرهاب بأسلوبها.
وهذا ما ساعد الجماعات الإرهابية لتغيير خططها والتوسع في انتشارها.
كما أن دولا أخذت تتعامل مع الجماعات الإرهابية فداعش اليوم أصبحت شبيهة بالجيش المرتزق تقدم لها بعض الدول المبالغ حتى لا تقوم بأعمال ضد مصالحها، والبعض يقدم لها المال لتضرب في دول أخرى.
فإيران مثلاً تقدم المال لداعش لكي لا تضرب في حدودها.
لذلك لا نجد اعمالاً ارهابية في ايران واسرائيل مثلاً اعتبرت جيش النصرة وداعش عدوا تكتيكياً فسخرته ضد العدو الاستراتيجي حزب الله وغيرهم.
لذلك تلقي التداعيات بظلالها على المنطقة لنرى تغييرات في الخريطة في المنطقة مثل تقسيم العراق وسوريا وسوف يحدث تقسيم لليمن وايران.
فتن
السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه حول مدى تغيير الخارطة السياسية في المنطقة يجيب عنه الكاتب الجزائري خالد عمر بن ققه، الذي قال: نعم لقد تغيّرت الخريطة السياسية للمنطقة بعد الحادي عشر من سبتمبر على خلفية دفع التكلفة من طرف الدول مع أنها غير مسؤولة عن سلوك رعاياها في الخارج ـ إلا إذا كانوا مجندين من طرفها، ولكن هذا التغير لم يؤد ـ كما ذكرتم ـ إلى سطوع نجم بعض الدول العربية وأفول نجم أخرى، إنما أسَّس للتغيرات كبرى على النحو الذي شاهدناها خلال الخمس سنوات ، أي بعد الفتن الداخلية والحروب الأهلية والوهمية في الدول العربية، ودولة مثل الأردن مثلا، لم يحدث فيها تغيير دموي على النحو الذي رأينا في العراق وتونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا، ولكنها هي وسط النيران المشتعلة في دول الجوار ـ العراق وسوريا ـ كما أنها مجاورة لدولة إسرائيل التي تتربص بكل الدول العربية، وتعيش بالداخل تناقضات الفلسطينيين بين غزة ورام الله، ناهيك عن توتر جبهتها الداخلية.. صحيح هي دولة تُصتف باعتبارها غير مصدرة للإرهاب، ولكنها مكتوية بناره، وهي تدفع الثمن يوميا نتيجة سياستها ومواقفها، ومسكها للعصا من الوسط.
ويضيف بن ققه أن الحرب من الاساس هي حرب غير جادة، ناهيك عن أن الجماعات الإرهابية تطورت هي الأخرى في أساليبها، وبالتي هي لم تجذب إلا في المناطق التي تراها قاعدة للانطلاق، وفي غيرها من دول العالم تعمل بوعي على تشتتيت جهود القوى الأمنية، ونقل الرعب إلى داخل تلك الدول، وإذا كنا لا ننكر تجمعها بشكل مكثف في كل من سوريا، والعراق، وليبيا، ومالي، وغيرها من الدول الأخرى، إلا أنها بالموازاة مع ذلك تحظى بدعم تنظيمات وأفراد في معظم دول العالم، لذلك فإن القضاء عليها لن يكون بإنهاء وجودها بشكل تجمعات، ما يعني أن الحرب معها طويلة الأمد.
أما عن تراجع نجم القاعدة وظهور جماعات اخرى يقول بن ققه: ظاهريا، تبدو القاعدة في تراجع، ولكن في حقيقة الأمر هي مستمرة في تفريخ جماعات مختلفة، وهي إلى بقاء والتنظيمات الأخرى، وخاصة داعش، إلى زوال، ذلك لأن القاعدة فكرة، مشروع، خطاب ديني مصحوب بفعل دموي، يهدف إلى التغيير الكلي من الداخل، في حين داعش والجماعات الأخرى، التي تريد إقامة دول أو خليفة كما تدعي يسهل يسهل ضربها وإنهاء وجودها، وحرب الكهوف على مرّ التاريخ أصعب من حرب الشوارع، فما بالك حين يتعلق الأمر بمواجهة مباشرة؟!.
العثمانيون
أما الكاتب التركي جول فيقول إن تركيا من أكبر الدول الإسلامية، وبحكم أنها كانت امتدادا للدولة العثمانية، فقد بقيت تهتم بقضايا العالم الإسلامي، بالرغم من محاولة البعض إبعادها عن محيطها الشرقي والاسلامي.
ويضيف: الاهتمام التركي بقضايا العالم العربي والاسلامي ليس بدوافع القيادة ولا السيطرة على العالم الإسلامي، وإنما بدوافع الاهتمام بأن تكون الدول العربية والاسلامية في حالة أحسن داخل أقطارها أولاً، وفي إجراء تعاون بينها ضمن علاقات اقتصادية وسياسية نافعة، مبيناً أن كل من يقدم تركيا كدولة طامعة بالدول العربية أو الاسلامية هو يدافع عن مشاريعه الخاصة في الانتماء إلى محاور أخرى.
الأكراد
إلا أن البروفيسور جوردون آدمز، يرى صعود تركيا بنحو مغاير فهو يقول: نحن نعيش حالياً في عالم من تغيير موازين القوى، والتي هي غير واضحة التوازن في المستقبل. إذن صعود تركيا يعود بشكل أكبر إلى التراجع النسبي لقوة الولايات المتحدة، أكثر من تراجع دور الدور الإسلامية الأخرى.
ويقول الدكتور أنو عشقي إن تركيا مكسب للأمة الإسلامية بسبب توجهها الاسلامي وثقلها الاستراتيجي، لكنها مثقلة بمشاكل عميقة في الداخل مثل الأكراد وجماعة فتح الله غولن والعلويين، كما أن دخولها في تحديات مع امريكا يعرضها للانتقام وهذا لا نتمناه.
ويضيف: من السابق لأوانه أن تكون تركيا زعيمة للعالم الإسلامي لكنها تعتبر الآن قوة إسلامية نعتز بها.