الجانبـان يتجهـان نحـــــــو شراكة إستراتيجية

16.84 مليار ريال فائضاً تجاريــاً لصالح قطر مع الاتحاد الأوروبي

لوسيل

يوسف حاتم - لوسيل

تشهد العلاقات الاقتصادية بين قطر ودول الاتحاد الأوروبي تطورًا متزايدًا، مدفوعة بالتعاون المستمر والزيارات المتبادلة على أعلى المستويات بين الجانبين، ويعكس هذا التعاون اهتمام كلا الطرفين بتعزيز الشراكات التجارية والاستثمارية. ووفقًا للبيانات الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتجارة في المفوضية الأوروبية، بلغت صادرات قطر إلى دول الاتحاد الأوروبي 12.58 مليار يورو (50.72 مليار ريال قطري) في عام 2023، في حين بلغت وارداتها 8.40 مليار يورو (33.85 مليار ريال قطري)، مما أسفر عن فائض تجاري لصالح قطر بقيمة 4.18 مليار يورو (16.84 مليار ريال قطري) من إجمالي تبادل تجاري بلغ 20.98 مليار يورو (84.54 مليار ريال قطري)، وتعكس هذه الأرقام التوسع المتزايد في العلاقات الاقتصادية بين قطر والاتحاد الأوروبي، وتؤكد على الإمكانات الكبيرة لمزيد من التعاون في المستقبل.

يشير التقرير أيضًا إلى تركز صادرات قطر إلى الاتحاد الأوروبي على المنتجات المعدنية، حيث بلغت قيمتها حوالي 10,274 مليون يورو (ما يعادل 41.39 مليار ريال قطري) وتشكل نسبة 81.7% من إجمالي الصادرات. تليها منتجات الصناعات الكيميائية أو المماثلة بقيمة 476 مليون يورو (حوالي 1.92 مليار ريال قطري) والتي تشكل 3.8% من إجمالي الصادرات. تأتي بعدها صادرات البلاستيك والمطاط ومشتقاتهما بقيمة 360 مليون يورو (حوالي 1.45 مليار ريال قطري) بنسبة 2.9%. وفي المرتبة الرابعة، المعادن الأساسية ومشتقاتها بقيمة 130 مليون يورو (حوالي 523.9 مليون ريال قطري) بنسبة 1.0%. تعكس هذه الأرقام الدور الكبير للمنتجات المعدنية والصناعات الكيميائية والبلاستيكية في هيكل الصادرات القطرية إلى الاتحاد الأوروبي.

في المقابل، تظهر الآلات والأجهزة في مقدمة قائمة واردات قطر من الاتحاد الأوروبي، بقيمة تصل إلى 2,443 مليون يورو (9.85 مليار ريال قطري) وتشكل 29.1% من إجمالي الواردات. يليه قطاع معدات النقل بقيمة 1,499 مليون يورو (6.04 مليار ريال قطري) بنسبة 17.9%. هذه الأرقام توضح ثقة قطر في المنتجات الأوروبية، خصوصًا في مجالات التكنولوجيا والمعدات الثقيلة، لدعم مشاريع البنية التحتية والتنموية التي تشهدها البلاد. إلى جانب ذلك، تظهر منتجات الصناعات الكيميائية والأدوات البصرية والتصويرية ضمن قائمة الواردات، مما يعكس الاعتماد المتزايد على التجهيزات التقنية المتقدمة والمواد الكيميائية ذات الجودة العالية التي تتميز بها المنتجات الأوروبية.

دعم احتياجات الغاز الأوروبية

كما لعبت قطر دوراً بارزاً في دعم الاتحاد الأوروبي في تأمين احتياجاته من الغاز الطبيعي بعد الحرب الروسية الأوكرانية، حيث قدمت إمدادات الغاز الطبيعي كبديل حيوي لتعويض النقص في الإمدادات الروسية. ونتيجة لذلك، ارتفعت صادرات قطر إلى الاتحاد الأوروبي بشكل كبير في عام 2022، لتصل إلى 21.77 مليار يورو، بزيادة بلغت 214.8% مقارنة بعام 2021، حسب التقرير الاقتصادي الذي نشرته المفوضية الأوروبية في 2022 عن العلاقات الاقتصادية مع قطر، هذا الدعم يعكس التزام قطر بتعزيز أمن الطاقة في الاتحاد الأوروبي، ويبرز مكانتها كشريك استراتيجي موثوق في مجالات الطاقة والتجارة، وتعزيز أمن الطاقة في المنطقة.

هذا التوجه لتعميق التعاون الاقتصادي بين الجانبين أكدته تصريحات الدكتور توماس يورغنسن، الوزير المفوض ورئيس إدارة الشؤون التجارية والاقتصادية بالاتحاد الأوروبي في قطر والمملكة العربية السعودية والبحرين وسلطنة عمان، خلال لقائه مع سعادة السيد محمد بن أحمد بن طوار الكواري، النائب الأول لرئيس غرفة قطر، بمقر الغرفة يوم الأربعاء 26 يونيو 2024. وقال الدكتور يورغنسن: إن العلاقات الاقتصادية الوثيقة بين دول الاتحاد الأوروبي ودولة قطر تعكس تعاونًا استراتيجيًا مثمرًا، حيث تنظر الشركات الأوروبية إلى السوق القطرية باهتمام كبير، مع رغبة واضحة في تعزيز تواجدها في هذه السوق . وأضاف: إن المناخ الاستثماري الجذاب في قطر يوفر فرصًا حقيقية لتوسيع التعاون بين الشركات الأوروبية والقطرية .

التعاون مع السويد

وعلى سبيل المثال، تأتي السويد في مقدمة الدول التي تشهد تطورًا ملحوظًا في التعاون مع قطر، فقد ارتفع حجم التبادل التجاري بين دولة قطر والسويد بنسبة 79% في العام 2023، ليصل إلى نحو 1.55 مليار ريال قطري، مقارنة بـ 866 مليون ريال في العام السابق حسب البيانات الحديثة الصادرة عن الحكومة السويدية، هذا الارتفاع يعكس الاهتمام المتزايد من الجانبين لتعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية، وخاصة في القطاعات الحيوية مثل الصناعات الدفاعية.

وفي هذا السياق، بلغت واردات قطر من السويد حوالي 922 مليون ريال قطري خلال عام 2023، وفقًا لبيانات الحكومة السويدية، مما يشير إلى تنامي الطلب القطري على المنتجات السويدية المتنوعة التي تشمل مجالات مثل التكنولوجيا والصناعات التحويلية. في المقابل، وصلت صادرات قطر إلى السويد إلى 672 مليون ريال قطري في نفس العام، مما يعكس اهتمام السويد بالمنتجات والخدمات القطرية، وخاصة في مجالات مثل الطاقة والمنتجات الصناعية. هذه الأرقام تؤكد الاتجاه المتنامي نحو تعزيز التعاون التجاري والاقتصادي بين البلدين واستكشاف فرص جديدة للتوسع والاستثمار المتبادل.

وتكشف البيانات الصادرة عن الحكومة السويدية أيضًا أن أبرز القطاعات في الواردات القطرية من السويد تشمل مجموعة من المنتجات الصناعية والتكنولوجية، حيث تتصدر الخامات والرماد قائمة الواردات القطرية بقيمة 634.59 مليون ريال قطري، مما يعكس أهمية هذه المواد في العلاقات التجارية بين البلدين. تليها الآلات والمفاعلات النووية والغلايات بقيمة 94.75 مليون ريال قطري، مما يشير إلى الطلب المتزايد على المعدات الصناعية والتكنولوجية المتقدمة. كما تمثل المعدات الكهربائية والإلكترونية جزءًا مهمًا من الصادرات السويدية لقطر بقيمة 63.04 مليون ريال قطري، تليها التبغ ومنتجاته البديلة بقيمة 32.58 مليون ريال قطري، والمركبات (غير المخصصة للسكك الحديدية) بقيمة 29.05 مليون ريال قطري، مما يعكس التنوع في السلع المصدرة من السويد إلى قطر لتلبية احتياجات السوق القطري المتنوعة.

في المقابل، تتركز الصادرات القطرية للسويد حسب التقرير على مجموعة من المنتجات الأساسية، يأتي في مقدمتها الوقود المعدني والزيوت ومنتجات التقطير، التي تشكل الحصة الأكبر بقيمة 623.38 مليون ريال قطري، مما يعكس أهمية منتجات الطاقة القطرية للسوق السويدي، وتشمل الواردات أيضًا المنتجات البلاستيكية بقيمة 30.08 مليون ريال قطري، والمعدات الكهربائية والإلكترونية بقيمة 9.78 مليون ريال قطري، إضافة إلى ذلك، تأتي واردات الألومنيوم بقيمة 6.24 مليون ريال قطري، مما يعكس تنوع واردات السويد من المنتجات القطرية بين المواد الخام والمنتجات التكنولوجية.

تطوير البنية التحتية

وبتحليل ارقام التبادل التجاري بين قطر والسويد في العشر سنوات الأخيرة بناء على تقارير منظمة التجارة العالمية نرى أن حجم التبادل التجاري بين قطر والسويد شهد تقلبات ملحوظة حيث شهدت الصادرات القطرية إلى السويد ارتفاعًا تدريجيًا حتى وصلت إلى ذروتها في عام 2018 بقيمة 915 مليون ريال قطري، مما يعكس الطلب المتزايد على المنتجات القطرية، وخاصة الوقود المعدني والزيوت. ومع ذلك، انخفضت الصادرات بشكل كبير في عامي 2020 و2021 نتيجة لتباطؤ النشاط الاقتصادي العالمي بسبب جائحة كوفيد-19، ولكن في عام 2022، شهدت الصادرات القطرية انتعاشًا واستمرت في النمو في عام 2023 لتصل إلى 672 مليون ريال قطري، مما يشير إلى تعافٍ تدريجي وقدرة قطر على استعادة حصتها في السوق السويدية وتعزيز العلاقات التجارية بين البلدين.

في المقابل فبالنسبة لـواردات قطر من السويد، فإن بيانات منظمة التجارة العالمية تظهر نموًا مستمرًا مع بعض التغيرات على مدى العقد، حيث بلغت الواردات القطرية من السويد ذروتها في عام 2019 بقيمة 1.31 مليار ريال قطري، مما يعكس قوة التعاون في القطاعات الصناعية والتكنولوجية بين الجانبين. تلا ذلك تراجع طفيف في عام 2020 بسبب الجائحة، ولكن سرعان ما ارتفعت الواردات مرة أخرى لتصل إلى 922 مليون ريال قطري، ولكن على الرغم من التعافي إلا أن تحليل منظمة التجارة يظهر انخفاضا طفيفا يعكس تغيرات في الطلب وإعادة تقييم الشراكات التجارية، لكنه لا يزال يظهر استمرارية العلاقات التجارية القوية بين قطر والسويد وتنوعها في عدة قطاعات حيوية.

وقد لعبت الشركات السويدية دورًا بارزًا في إنجاح تنظيم كأس العالم لكرة القدم 2022 في قطر، حيث استثمرت في تطوير البنية التحتية التقنية والمرافق الرياضية المتطورة. وكانت شركة الاتصالات السويدية العملاقة إريكسون من بين الشركات الرائدة التي ساهمت في هذا النجاح من خلال طرح تقنية الجيل الخامس (5G) بالتعاون مع شركة اتصالات قطر Ooredoo، مما وفر اتصالات فائقة السرعة والاعتمادية خلال الحدث الرياضي العالمي.

ولم تقتصر الاستثمارات السويدية على قطاع الاتصالات فحسب، بل شملت أيضًا مرافق رياضية متطورة، حيث ساهمت شركة سويدية في توفير حمامات سباحة حديثة لبطولة العالم للرياضات المائية التي استضافتها الدوحة في فبراير الماضي، مما يعكس التزام السويد بتقديم أحدث الابتكارات والتقنيات لدعم الأحداث الرياضية الكبرى في قطر.

وتمثل العلاقات المتنامية بين قطر والسويد فرصة ذهبية للمستثمرين القطريين للاستفادة من التقدم السويدي في مجالات التكنولوجيا الخضراء وعلوم الحياة والطاقة المتجددة، وذلك في ظل مساعي قطر للتحول نحو اقتصاد أكثر استدامة بعيدًا عن الاعتماد على النفط. وتعتبر السويد رائدة في هذا المجال، حيث أشارت دراسة حديثة صادرة عن مركز بحوث الطاقة الاسكندنافية الى أنه يتم توليد حوالي 98% من الكهرباء في السويد من مصادر الطاقة غير الأحفورية، وتشكل الطاقة المتجددة أكثر من 70% من هذه النسبة، بينما يأتي الباقي من الطاقة النووية. وتسعى حكومة ستوكهولم إلى تحقيق هدف طموح بإنتاج الكهرباء بالكامل من مصادر غير أحفورية بحلول عام 2040.

هذه البيئة المتقدمة في السويد تفتح أمام المستثمرين القطريين آفاقًا واسعة للتعاون والاستثمار في مشاريع الطاقة النظيفة والتكنولوجيا الخضراء. فالشركات السويدية تتمتع بخبرة طويلة في تطوير الحلول المستدامة، مما يمكن الشركات القطرية من الاستفادة من هذه الخبرات لتسريع تحولها نحو استخدام الطاقة المتجددة وتعزيز مساهمتها في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

العلاقات القطرية الألمانية

وفي ذات السياق، شهدت العلاقات الاقتصادية والتجارية بين قطر وألمانيا تطوراً ملحوظاً أيضًا في السنوات الأخيرة، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين حوالي 7.1 مليار ريال قطري في عام 2023، مقارنة بـ 6.8 مليار ريال في عام 2022، بزيادة نسبتها 4.4%، وفقًا لبيانات قاعدة الأمم المتحدة للتجارة الدولية، وتعكس هذه الأرقام اتجاهاً تصاعدياً في العلاقات التجارية بين الدوحة وبرلين، مدعومة بالاتفاقيات الجديدة في قطاع الطاقة والتعاون في العديد من المجالات الاقتصادية، حيث يعزز الاجتماع الأخير لغرفة التجارة والصناعة العربية - الألمانية في برلين من طموحات الدولتين في تطوير علاقات أكثر عمقاً واستدامة.

ووفقاً لبيانات قاعدة الأمم المتحدة للتجارة الدولية (COMTRADE)، والتي تعتمد على معلومات من المؤسسات الرسمية في الدول، بلغت صادرات ألمانيا إلى قطر في عام 2023 حوالي 5 مليارات ريال قطري، بينما بلغت واردات ألمانيا من قطر 2.1 مليار ريال قطري. تعكس هذه الأرقام التبادل التجاري النشط بين البلدين وتبرز التعاون الاقتصادي المشترك القائم على الثقة المتبادلة في جودة المنتجات والخدمات.

وحسب التقرير فقد تركزت صادرات ألمانيا إلى قطر في عام 2023 على قطاعات رئيسية مثل الآلات والمفاعلات النووية والغلايات بقيمة 1.22 مليار ريال قطري، والمركبات بقيمة 964 مليون ريال قطري، والمعدات الكهربائية والإلكترونية بقيمة 428 مليون ريال قطري. هذه الأرقام تشير إلى ثقة قطر في التكنولوجيا والمعدات الصناعية الألمانية المتقدمة، مما يعزز من التعاون بين البلدين في مجالات البنية التحتية والتنمية الاقتصادية.

من جانبها، قدمت قطر مجموعة من المنتجات الهامة للسوق الألماني، حيث بلغت صادراتها من الوقود المعدني والزيوت ومنتجات التقطير حوالي 2.09 مليار ريال قطري. بالإضافة إلى ذلك، تشمل صادرات قطر إلى ألمانيا مواد مثل المواد الكيميائية غير العضوية ومركبات المعادن الثمينة بقيمة 117 مليون ريال قطري، مما يعكس التنوع في العلاقات التجارية بين البلدين.

وتشير تحليلات أرقام التبادل التجاري بين قطر وألمانيا خلال السنوات العشر الأخيرة، وفقًا لتقارير منظمة التجارة العالمية، إلى نمو ملحوظ في العلاقات التجارية بين البلدين منذ عام 2020. وتُظهر البيانات ارتفاعًا في الصادرات القطرية إلى ألمانيا، يقابله تراجع في الواردات القطرية من ألمانيا. يعكس هذا التحول قدرة الاقتصاد القطري على تعزيز صادراته إلى الأسواق الألمانية، وفي الوقت نفسه تنويع مصادر وارداته وتقليل اعتماده على الواردات الألمانية، مما يعزز من قوته الاقتصادية واستقلاليته في التعامل مع شركائه التجاريين.

أهمية الطاقة

وتعد الطاقة من أهم مجالات التعاون بين قطر وألمانيا حيث تُعد حجر الزاوية في التعاون بين البلدين، ففي نوفمبر 2022، وافقت شركة قطر للطاقة على إرسال مليوني طن من الغاز الطبيعي المسال إلى ألمانيا سنوياً ابتداءً من عام 2026. ومثلت هذه الصفقة خطوة استراتيجية لدعم أمن الطاقة في ألمانيا وأوروبا بشكل عام، خاصة بعد التغيرات الجيوسياسية التي أدت إلى تقليص الاعتماد على الغاز الروسي. وتهدف هذه الصفقة، وفقاً لتصريحات وزير الطاقة القطري والرئيس التنفيذي لشركة قطر للطاقة، سعادة المهندس سعد بن شريدة الكعبي، إلى المساهمة في جهود دعم أمن الطاقة في ألمانيا وأوروبا ، ما يعكس التزام قطر بتعزيز شراكاتها الاقتصادية مع الدول الأوروبية.

وبناءً على هذه التطورات، يبدو أن العلاقات الاقتصادية بين قطر وألمانيا تتجه نحو مزيد من التكامل والتعاون، ليس فقط في مجالات التجارة التقليدية، ولكن أيضاً في قطاعات الطاقة النظيفة والتكنولوجيا المتقدمة. فبحسب مركز أبحاث الطاقة الشمسية والهيدروجين في بادن فورتمبيرغ، تجاوزت حصة الطاقة المتجددة في إنتاج الكهرباء في ألمانيا 52% لأول مرة في عام 2023، مما يفتح المجال لقطر للاستفادة من هذه الخبرة الألمانية لتعزيز استراتيجياتها في مجال الطاقة المتجددة والتي تركز عليها قطر في رؤيتها الوطنية ٢٠٣٠، ويفتح ذلك أيضًا آفاق جديدة للتعاون المشترك في مجالات مثل الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر. هذا التوجه نحو التعاون في مجالات مبتكرة ومستدامة يعزز أيضًا من مكانة البلدين كشريكين اقتصاديين رئيسيين، ويؤكد التزامهما بتحقيق نمو اقتصادي مستدام وتبني حلول طاقة أكثر نظافة وكفاءة في المستقبل.

الاستثمارات المشتركة مع النرويج

وفي مثال آخر حول التعاون مع دول الاتحاد الأوروبي، شهدت العلاقات الاقتصادية القطرية النرويجية ازدهارًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، حيث شهد التبادل التجاري بين البلدين قفزات نوعية، فحسب البيانات الحكومية النرويجية المنشورة في 2023، ارتفعت صادرات قطر إلى النرويج بشكل كبير منذ عام 2020، حيث وصلت إلى 135.78 مليون ريال قطري في ذلك العام، واستمرت في النمو حتى بلغت 180.68 مليون ريال قطري في عام 2022، ويعكس هذا الارتفاع زيادة الطلب على المنتجات القطرية في السوق النرويجية، ويعزز من مكانة قطر كمصدر رئيسي للطاقة والمنتجات الأخرى.

من ناحية أخرى، شهدت واردات قطر من النرويج نموًا قويًا، مما يعكس اهتمام قطر المتزايد بالمنتجات النرويجية، فقد ارتفعت الواردات من النرويج بشكل ملحوظ في عام 2021 إلى 459.9 مليون ريال قطري، وواصلت الصعود لتصل إلى 751.9 مليون ريال قطري في عام 2022، أدى هذا إلى نمو كبير في التبادل التجاري بين الدوحة وأوسلو خلال العامين الماضيين، حيث بلغ حوالي 1.3 مليار ريال قطري في عام 2023.

إلى جانب ذلك تركزت صادرات قطر إلى النرويج بشكل كبير على المواد الكيميائية غير العضوية والمركبات المعدنية الثمينة، حيث بلغت قيمتها 61.27 مليون ريال قطري، مما يعكس دور قطر كمصدر رئيسي لهذه المواد للسوق النرويجية. كما تضمنت الصادرات الوقود المعدني والزيوت ومنتجات التقطير بقيمة 56.10 مليون ريال قطري، مما يشير إلى اعتماد النرويج على وارداتها من الطاقة القطرية. وشملت الصادرات أيضًا الآلات والمفاعلات النووية والغلايات بقيمة 3 ملايين ريال قطري، ومنتجات الحديد أو الصلب بقيمة 1.11 مليون ريال قطري.

ويشير تقرير من مركز الاقتصاد النقدي النرويجي إلى أن شركة قافكو تعد من أبرز الاستثمارات المشتركة بين قطر والنرويج والتي تعكس عمق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، حيث بدأت الشركة بمشاركة نورسك هيدرو واسعة النطاق في قطر منذ أواخر الستينيات، وذلك من خلال التعاون في تطوير مرافق إنتاج الأمونيا والأسمدة المعدنية عبر شركة قطر للأسمدة (قافكو)، حيث تأسست قافكو في عام 1969، وبدأت الإنتاج في عام 1973، وتوسعت لتصبح أكبر مصنع لإنتاج الأسمدة في العالم بعد افتتاح مشروعها الرابع (قافكو-4) في عام 2005، بطاقة إنتاجية تبلغ 1.1 مليون طن من الأسمدة سنوياً. وتم نقل حصة نورسك هيدرو البالغة 25% إلى شركة يارا الدولية بعد انفصالها عن هيدرو في عام 2004، حيث أبرمت يارا اتفاقية مدتها 25 عاماً لتوريد الغاز من قطر.

إلى جانب ذلك تُعد شركة ألومنيوم قطر مثالاً آخر على التعاون الصناعي الوثيق بين قطر والنرويج، ففي عام 2006، أبرمت نورسك هيدرو اتفاقية مع قطر للبترول (قطر للطاقة حالياً) لتأسيس شركة مشتركة لتطوير وبناء وتشغيل منشأة لإنتاج الألومنيوم بطاقة سنوية تبلغ 585 ألف طن. تمتلك كل من قطر للطاقة وهيدرو حصة 50% في هذه الشركة المشتركة، مما يعزز الشراكة الصناعية بين البلدين. بالإضافة إلى ذلك، تساهم هيدرو في قطاع الصناعة الكيميائية من خلال شركة قطر للفينيل. هذه المشاريع تعكس التنوع والتكامل في التعاون الاقتصادي بين قطر والنرويج، مما يفتح آفاقاً جديدة للشراكات المستقبلية في قطاعات مثل الطاقة والصناعات البحرية والصناعات الكيميائية، مع التركيز على الحلول المستدامة التي تسهم في تحقيق الأهداف البيئية العالمية.

الكيماويات والطاقة المتجددة

وأخيرًا فقد شهدت أيضًا العلاقات الاقتصادية بين دولة قطر وجمهورية فنلندا نمواً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بتعزيز التعاون في مجالات متنوعة مثل الطاقة المتجددة، السياحة، والاتصالات، حيث بلغ حجم التبادل التجاري الإجمالي بين البلدين حوالي 816.58 مليون ريال قطري، وفقاً لبيانات اليوروستات التابعة للمفوضية الأوروبية، وأشارت البيانات إلى أن صادرات قطر إلى فنلندا استحوذت على الجزء الأكبر من هذا التبادل التجاري، حيث بلغت حوالي 670.51 مليون ريال قطري، بينما بلغت واردات قطر من فنلندا حوالي 146.07 مليون ريال قطري فقط.

ويعكس هذا الفارق الكبير في الميزان التجاري لصالح قطر والذي بلغ 524.44 مليون ريال قطري، متانة الاقتصاد القطري وقدرته على تنويع صادراته وزيادة قيمتها، مما يعزز دوره كلاعب رئيسي في الأسواق العالمية ويؤكد فعالية سياساته الاقتصادية في تحقيق نمو مستدام ومتوازن.

ويشير التقرير أيضًا إلى تنوع صادرات قطر إلى فنلندا، حيث تأتي منتجات الطاقة في مقدمة الصادرات، إذ بلغت قيمة صادرات الوقود المعدني والزيوت ومنتجات التقطير حوالي 562.87 مليون ريال قطري، مما يعكس أهمية القطاع الطاقي في العلاقات التجارية بين البلدين. تلتها الخامات والرماد بقيمة 66.34 مليون ريال قطري، والبلاستيك بحوالي 40.55 مليون ريال قطري، وهي مواد أساسية تدخل في العديد من الصناعات. مما يظهر تنوع المنتجات القطرية في السوق الفنلندية.

في المقابل، تركزت واردات قطر من فنلندا على المنتجات التكنولوجية والمعدات الصناعية، حيث تصدرت المعدات الكهربائية والإلكترونية القائمة بقيمة 72.01 مليون ريال قطري، تلتها الآلات والمفاعلات النووية والغلايات بحوالي 27.88 مليون ريال قطري، مما يعكس قوة فنلندا في هذا المجال. كما شملت الواردات الأجهزة البصرية والتقنية والطبية بقيمة 14.19 مليون ريال قطري، والألومنيوم بقيمة 11.06 مليون ريال قطري، بالإضافة إلى الأثاث وإشارات الإنارة والمباني الجاهزة بحوالي 5.44 مليون ريال قطري. تعكس هذه الأرقام تنوع الواردات القطرية من فنلندا واعتمادها على التكنولوجيا والمنتجات الصناعية المتقدمة، مما يعزز من تكامل العلاقات الاقتصادية بين البلدين.

وبتحليل ارقام التبادل التجاري بين قطر وفنلندا في العشر سنوات الأخيرة بناء على تقارير منظمة التجارة العالمية نرى أن حجم التبادل التجاري بين قطر والسويد شهد ارتفاعًا في الآونة الأخيرة يعكس قوة الاقتصاد القطري وقدرته على تعزيز صادراته، خاصة في القطاعات الاستراتيجية مثل الطاقة. فقد أظهرت التقارير أن صادرات قطر إلى فنلندا قد شهدت ارتفاعاً كبيراً في عام 2013، مما يعكس اعتماداً متزايداً من الجانب الفنلندي على المنتجات القطرية، خصوصاً الغاز الطبيعي والمنتجات البتروكيماوية. وعلى الرغم من التقلبات التي شهدتها الواردات الفنلندية من قطر في السنوات اللاحقة، إلا أن عام 2022 سجل قفزة جديدة في قيمة الواردات لتصل إلى حوالي 670.51 ريال قطري، مما يعكس تعافي الطلب على الصادرات القطرية ونجاح قطر في تعزيز موقعها كمصدر موثوق للطاقة والمنتجات المرتبطة بها.

واشارت دراسة حديثة في جامعة يوفاسكولا الفنلندية إلى وجود آفاق واسعة للتعاون بين قطر وفنلندا في مجالات متعددة تتجاوز العلاقات التجارية التقليدية، لتشمل قطاعات ذات قيمة مضافة عالية مثل الطاقة المتجددة والصناعات التكنولوجية المتقدمة. تستند هذه الشراكة المتنامية إلى خبرة فنلندا الكبيرة في مجالات التكنولوجيا الخضراء والحلول البيئية المبتكرة، والتي تتماشى مع رؤية قطر الوطنية لتعزيز استخدام الطاقة النظيفة والمستدامة. كما توفر المدن الذكية والبنية التحتية الحديثة في فنلندا فرصًا مثالية للشركات القطرية للاستثمار في مشاريع التنمية الحضرية الذكية، التي أصبحت تمثل نموذجًا يحتذى به عالميًا في مجال الاستدامة والتحول الرقمي. علاوة على ذلك، يعتبر قطاع السياحة والضيافة مجالاً خصباً للتعاون، حيث تسعى قطر لتطوير قطاعها السياحي بشكل متسارع وتستفيد من التجربة الفنلندية الناجحة في هذا المجال.

ثاني أكبر شريك

ويعد الاتحاد الأوروبي ثاني أكبر شريك تجاري لقطر، ويتركز التعاون الاقتصادي بين الدوحة ودول الاتحاد، كل على حدة أو عبر اتفاقيات مشتركة معينة، إلا أن اللجان الاقتصادية في الاتحاد تتابع باستمرار، سير جميع التطورات الاقتصادية للدول الأوروبية والدول الأخرى.

ووفق بيانات رسمية تبلغ نسبة التبادل التجاري بين الاتحاد الأوروبي وقطر أكثر من 12% من إجمالي حجم التبادل التجاري بين بلاده ودول العالم. وتعد دول الاتحاد الأوروبي أيضاً المَصدر الثاني للواردات القطرية، التي بلغت نسبتها من إجمالي الواردات، نحو 23.2% خلال الفترة ذاتها. وتحتضن قطر حالياً أكثر من 50 ألف مقيم من مواطني دول الاتحاد الأوروبي، يعمل 95% منهم في وظائف تتطلب كفاءات ومهارات عالية. كما أن قطر ضخت استثمارات بقيمة 71.2 مليار دولار في أوروبا بشكل عام، وتم توجيه نحو 43% من هذه الاستثمارات نحو دول الاتحاد الأوروبي، أي بما يعادل 31 مليار دولار.

ويصل عدد الشركات الأوروبية العاملة في قطر حالياً إلى 2129 شركة، من بينها 307 شركات مملوكة بالكامل وبنسبة 100% للجانب الأوروبي، في حين يبلغ عدد الشركات من دول الاتحاد الأوروبي التي بها شركاء قطريون نحو 1822 شركة.

في 7 سبتمبر من العام الماضي افتتح سعادة السيد شارل ميشل رئيس مجلس الاتحاد الأوروبي، بالدوحة، مقر بعثة الاتحاد الأوروبي لدى دولة

حضر الافتتاح، سعادة الدكتور أحمد بن حسن الحمادي الأمين العام لوزارة الخارجية، وسعادة السيد عبد العزيز بن أحمد المالكي سفير دولة قطر لدى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، وسفراء دول الاتحاد الأوروبي المعتمدين لدى الدولة

وأعرب سعادة رئيس مجلس الاتحاد الأوروبي، في تصريحات عقب الافتتاح، عن شكره لدولة قطر على دعمها وتعاونها، معتبرا أن زيارته إلى الدوحة إشارة مهمة للإرادة السياسية من أجل تعزيز الروابط والعلاقات الجيدة مع قطر إلى مستويات ترقي إلى طموحنا المشترك

وأشار إلى التحديات العالمية في قطاعات الطاقة والتنمية الاقتصادية، والأمن، وقال: نحن مقتنعون تماماً بأن الصداقة مع دولة قطر مهمة لنا جميعا من أجل العمل معاً لمواجهة تلك التحديات الصعبة للغاية. نحن نحرز تقدماً ونوظف بنوداً مهمة ذات اهتمام مشترك

وفي هذا الصدد أشار سعادته إلى التقدم المحرز بشأن الإعفاء من التأشيرة، مؤكداً ثقته من اتخاذ بعض القرارات المهمة بشأن هذه المسألة في الأسابيع المقبلة

ويعكس افتتاح مقر البعثة، تميز العلاقات بين دولة قطر والاتحاد الأوروبي، وحرصهما على تعزيز المصالح المشتركة وتوسيع العلاقات، كما يُعد تتويجاً لسنوات عديدة من العمل المكثّف والمشترك في مختلف المجالات، وترجمة للتقدّم المحرز على أرض الواقع للارتقاء بالعلاقات الدبلوماسية بين الطرفين.

ويعتقد المحلل السياسي أحمد مصطفى أن العلاقات القطرية مع الاتحاد الأوروبي ممتازة وعلى درجة عليا من التنسيق والتعاون.

وقال لـ لوسيل: إن قطر من أكبر المستثمرين في دول الاتحاد الأوروبي عموماً، حيث تصل استثماراتها لعشرات المليارات، وهي متنوعة ما بين الأسهم بالشركات والبنوك، وصولاً إلى قطاعات السياحة والطيران والرياضة.

ولفت إلى أن قطر شريك مهم للاتحاد الأوروبي ودوله، باعتبارها أقوى منتج في العالم اليوم للغاز المسال الذي تعتمد عليه أوروبا ضمن توجهاتها نحو استخدام الطاقة النظيفة، ولدى الدوحة أسعار منافسة مع الدول المُصدّرة للغاز مثل روسيا ما يجعل الاستيراد من قطر ضمن التوجهات الأولى للعديد من دول الاتحاد..

نتائج مهمة

بناء على ما سبق فإن العلاقات الاقتصادية بين قطر والدول الأوروبية تشهد تطورًا ملحوظًا ونموًا متزايدًا، فقد ساهمت قطر بشكل كبير في تلبية احتياجات الاتحاد الأوروبي من الغاز الطبيعي، مما عزز من مكانتها كشريك استراتيجي موثوق في مجالات الطاقة. كما تشير الأرقام إلى اتساع التعاون التجاري والاستثماري مع دول مثل السويد وألمانيا والنرويج وفنلندا، مما يعكس رغبة الجانبين في تعزيز العلاقات الاقتصادية واستكشاف فرص جديدة للتوسع والاستثمار المتبادل.

في المستقبل، من المتوقع أن تستمر قطر في تعزيز موقعها كشريك رئيسي للدول الأوروبية في مجالات الطاقة، وخاصة في ظل التوجه نحو الطاقة النظيفة والمستدامة. كما أن البيئة الاستثمارية في قطر توفر فرصًا واعدة للشركات الأوروبية الراغبة في توسيع أعمالها. لذا، من المهم أن تواصل الدول الأوروبية وقطر العمل معًا لتعزيز هذه العلاقات المتينة، من خلال توقيع المزيد من الاتفاقيات التجارية، وتوسيع نطاق التعاون في المجالات التكنولوجية والبيئية والدفاعية.

ويمثل التعاون المستمر بين قطر والدول الأوروبية ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة والازدهار الاقتصادي المشترك، مما يتطلب بذل جهود متواصلة لتعزيز هذه الشراكة الاستراتيجية وتحقيق الفائدة المشتركة للجميع.