أكد فضيلة الشيخ الدكتور محمد حسن المريخي أن الأخلاق أثقل شيء في ميزان العبد، ويدرك بها الدرجات ورفيع المقامات في الدنيا والآخرة، وأن الأخلاق حلية وزينة أصلية حقيقية، لا تشترى بالأثمان ولا تعادلها الأوزان، الأخلاق هبة وتفضل من الرحيم، وقال الشيخ د. محمد المريخي في خطبة الجمعة التي ألقاها بجامع الإمام محمد بن عبدالوهاب: فيا أيها المسلمون: أوصيكم ونفسي بتقوى الله وطاعته وشكره وذكره وحسن عبادته.
وأضاف الخطيب: عباد الله.. ما رأت الدنيا ولن ترى مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم أرفع الناس نسبا وحسبا وخلقا، أُعجب به عدوه قبل صديقه، وفرح به البعيد قبل القريب، وأحبه الأعراب والأغراب، وشهدوا له بحسن خلقه وكمال أدبه وأحسن من هذا كله وأكمل ثناء ربه عليه ووصفه بالخلق العظيم وإنك لعلى خلق عظيم ، حتى وجّه عز وجل العباد لتخلقوا بخلقه ويقتدوا به، أسوة حسنة لهم لمن كان يرجو الله ولقاءه، لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا .
أخلاق الرسول
وبين الشيخ د. محمد المريخي أنه ما تعامل معه أحد إلا أعجب بخلقه ولا جالسه وسامره وسافر معه في الحضر والسفر في الإقامة والهجر، تقول عائشة رضي الله عنها: كان خلقه القرآن ، وقد تأدب صلى الله عليه وسلم مع ربه فلم ينسب الشر إليه، وقال: والشر ليس إليك، بلغ بإذن الله سدرة المنتهى في السماء السابعة، فعاد أكثر تواضعا، جلس مع العجوز والصبي والأرملة، لطمت عائشة رضي الله عنها الطبق في يد الخادم بحضرته غيرةً، فلم يعنف ولم يخطئ وقال: غارت أمكم.
وأردف: وجاءه الفتى أو الشاب يطلب الإذن بالزنا، فما طرده ولا أسمعه من كلمات الجرح والتقريع، إنما عالجه وعلمه ووجهه، أترضاه لأمك لعمتك لخالتك لأختك، ثم خرج عنه الشاب وهو أبغض للزنا من ذي قبل بعد دعوته صلى الله عليه وسلم له، وبال الأعرابي في مسجده، فمنع الصحابة من الاعتداء عليه، وناداه وعلمه وصحح له فكره، فما تمالك الأعرابي نفسه فقام يدعو لرسول الله ولنفسه: اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا، ويرفض قتل من أساء إليه ابن أبي سلول وقال: إذاً يقول الناس محمد يقتل أصحابه، ويحشر الله له أعداءه عام الفتح مستسلمين خائفين فيقابلهم بعفوه وحسن خلقه: ما تظنون أني فاعل بكم.. اذهبوا فأنتم الطلقاء، ويسيء إليه أهل الطائف بالقول والفعل حتى أدموا قدميه، فينزل ملك الجبال ليأتمر بأمره ليسحقهم سحقا ويطبق عليهم الجبلين، فيأبى وينسبهم إليه، يقول: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، يكون في خدمة أهله وأصحابه ويقول: سيد القوم خادمهم.
ملذات الدنيا
وحث الشيخ محمد المريخي: أيها المسلمون.. إنها دعوة للتخلق والتأدب بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمان انصرف الناس إلى الدنيا وزخارفها ومغرياتها وجمع حطامها وشهواتها وملذاتها، ويكفي فخرا ورفعة أن الأخلاق أثقل شيء في ميزان العبد، ويدرك بها الدرجات ورفيع المقامات في الدنيا والآخرة، إن العبد ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم، ولقد رفع الله أقواما بخلقهم وأدبهم وأذل آخرين بفساد تصرفاتهم واعوجاج سلوكياتهم.
وأوضح الخطيب أن الأخلاق حلية وزينة أصلية حقيقية، لا تشترى بالأثمان ولا تعادلها الأوزان، الأخلاق هبة وتفضل من الرحيم الرحمن، ليست زعما ولا تصنعا، ومن تصنع الأخلاق وادعاها ادعاءً فضحته عند أول مواجهة وأقرب موقف. ولفت الشيخ محمد المريخي إلى أن صاحب الخلق الأصيل يعرف عندما تشتد الجبال ويضيق الحال، عندئذ يمكنك أن تثمن وتقيّم الرجال من الرجال، فتقدم وتؤخر وترفع وتضع بميزان صحيح الماثل أمام عينك ويعيه قلبك. فاتقوا الله واعلموا أنه لا أثمن ولا أغلى من الأخلاق، وأن المرء مهما أوتي من الدنيا فلن يؤتى أفضل من الأخلاق الإسلامية والآداب الشرعية، خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين .
الأخلاق والآداب
من جانبه أكد فضيلة الشيخ عبدالله النعمة في خطبة الجمعة بجامع الشيوخ أن الإسلام اهتم بالأخلاق والآداب اهتماما منقطع النظير، وحث عليها وأمر بلزومها في توجيهاته وأوامره، وقد وعد النبي صلى الله عليه وسلم صاحب الخلق الحسن بالأجر العظيم، والثواب الجزيل من الله تعالى. وقال الشيخ النعمة: حسن الخلق وانتشار الأخلاق الفاضلة بين الناس أساس بناء الأفراد والمجتمعات ومعيار صلاح الأمم والمجتمعات، إنه علامة على كمال الإيمان وحسن الإسلام وسبب عظيم لرفعة الدرجات والنيل من محبة الله تعالى ومحبة خلقه.
وأضاف الخطيب: لقد اهتم الإسلام بالأخلاق والآداب اهتماما منقطع النظير، وحث عليها وأمر بلزومها في توجيهاته وأوامره، فما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم إلا ببر ومعروف، ولا نهى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم إلا عن منكر وقبيح، ويكفي لبيان مكانة الأخلاق والآداب في الإسلام أن يحصر النبي صلى الله عليه وسلم مهمة بعثته وهدف رسالته في إصلاح الأخلاق وتهذيبها بقوله في الحديث الذي رواه البخاري في الأدب المفرد: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق .
الخلق الحسن
وأردف: وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم مكانة الأخلاق في الإيمان فقد روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا .
وأوضح الشيخ عبدالله النعمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد وعد صاحب الخلق الحسن بالأجر العظيم، والثواب الجزيل من الله تعالى ففي الحديث الذي رواه الترمذي بسند صحيح قال صلى الله عليه وسلم: إن من أحبكم إليّ وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً ، وعن أبي داود والحاكم بسند صحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم ، وحين سئل عليه الصلاة والسلام عن أكثر ما يدخل الناس الجنة قال: تقوى الله وحسن الخلق .
ولفت الخطيب إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين طرفا من أخلاق الإسلام التي يحبها الله ورسوله، كما جاء في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال لأشج بن عبد القيس: إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة ، وقوله: ألا أخبركم بمن يحرم على النار أو بمن تحرم عليه النار، كل قريب هين سهل أخرجه الترمذي وحسنه، وعند مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد ، وروى مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق ، وعند الحاكم بإسناد صحيح عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عقبة..ألا أخبرك بأفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة؟ تصل من قطعك وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك .
صلة الرحم
وأما أفعاله صلى الله عليه وسلم فلقد ضرب أروع الأمثلة في حسن الخلق والأدب وجميل التعامل مع الناس جميعا، ولا ريب، فقد بعثه الله تعالى رحمة للعالمين، ليتمم مكارم الأخلاق، وكان برا رحيما يكسب المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكلّ ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق ويغيث ذا الحاجة الملهوف، وما ضرب صلى الله عليه وسلم شيئا قط بيده، إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولم يكن صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا ولا لعانا ولا سبابا، ولا صخابا في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، وكان أبغض الخُلق إليه الكذب، وكان من أحسن الناس وجها، وأطيبهم خلقا، وكان صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئا يكرهه عُرف في وجهه، ولم يكن ينتقم لنفسه، إلا أن يُنتهك شيء من محارم الله، فينتقم لله سبحانه.
خصال المسلم
وذكر الشيخ عبدالله النعمة: واستكمالا لأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وهديه وسمته، فقد كان يبدأ من لقيه بالسلام، ويجيب دعوة من دعاه ولو إلى شيء يسير، هيّن المؤونة لين كريم الطبع جميل المعاشرة طلق الوجه بساما متواضعا من غير ذلة جوادا من غير سرف رقيق القلب رحيما بكل مسلم، خافضا جناحه للمؤمنين، يعود مريضهم ويشهد جنازتهم، وكان جميل الطبع مع أهله يخصف نعله ويرقع ثوبه ويحلب الشاة لأهله، ويكون في مهنة وخدمة أهل بيته، يأكل مع الخادم ويجالس المساكين ويمشي مع الأرملة واليتيم في حاجتيهما، حتى قبل البعثة كان النبي صلى الله عليه وسلم ذا خلق نبيل وأدب رفيع، فلقبه قومه بالصادق الأمين، يقول عبد الله بن الحارث رضي الله عنه كما في الصحيح: ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي الحديث المتفق عليه قال جرير بن عبدالله البجلي رضي الله عنه: ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت ولا رآني إلا ضحك ، ويقول أنس بن مالك رضي الله عنه في الحديث المتفق عليه: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي أف قط وما قال لشيء صنعته لم صنعته، ولا لشيء تركته لم تركته، وكان من أحسن الناس خلقا .
ونوه الخطيب بأنه يكفي في وصفه صلى الله عليه وسلم وصف خالقه الكريم سبحانه بقوله: فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ، بل زكاه الله سبحانه ورفع قدره وأعلى من شأنه فقال عنه: وإنك لعلى خلق عظيم ، وحين سُئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان خلقه القرآن .