إن تخيل نهاية العالم أسهل بكثير من تخيل نهاية الرأسمالية ، بهذه المقولة الشهيرة لـ فريدريك جيمسون ، الناقد الأدبي الأمريكي والمنظر السياسي الماركسي، استهل بيتر فريز كتابه الذي يحمل عنوان 4 سيناريوهات مستقبلية: الحياة بعد الرأسمالية والتي راح يؤكد بين سطوره أن المنجزات التكنولوجية والتهديدات البيئية ستدفع مجتمعنا حتميا إلى ما هو أبعد من الرأسمالية، مسلطا الضوء في هذا الكتاب على آلية حصول ذلك.
ويمضي فريز في كتابه، من خلال استقراء السيناريوهات المستقبلية المحتملة الناجمة عن التغيرات الحالية التي يشهدها العالم، وأيضا استلهام التوقعات لإبراز كيفية إدراك هذه السيناريوهات المستقبلية، في استكشاف الشيوعية والاشتراكية والتطرف، أو بعبارة أخرى، المذهب الاشتراكي الذي ربما نصل إليه إذا ما نجح التيار اليساري في الصعود إلى الحكم، أو الاستمرار في النهج البربري الذي نشهده الآن حال فشل تلك الحركات والتيارات.
وقال مؤلف الكتاب إلى أن ثمة توجهين هيمنا على كوكب الأرض في القرن الحادي والعشرين: الكوارث البيئية والأتمتة، وأوضح أنه وفي العام 2013، أعلن المرصد الحكومي الأمريكي أن معدل التركيز العالمي لغاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي قد وصل إلى 400 جزء في المليون وذلك للمرة الأولى في التاريخ المسجل، وهذه النسبة التي لم يشهدها العالم في أكثر من 3 ملايين سنة، تنذر بتسارع وتيرة التغيرات المناخية حلال القرن المقبل، وتتوقع اللجنة الحكومية حول التغيرات المناخية زوبان الجليد وارتفاع درجة حموضة مياه المحيطات، وزيادة موجات الجفاف وظروف الطقس المتطرفة.
في غضون ذلك، تثير الأنباء المتداولة بكثرة حول الطفرات التكنولوجية التي يتمخض عنها زيادة في معدلات البطالة وتدني الرواتب، قلقا بالغا من تداعيات الأتمتة على مستقبل العمل. وفي جامعة أكسفورد، أصدرت وحد بحثية تقريرا يظهر أن قرابة نصف الوظائف في الولايات المتحدة الأمريكية باتت عُرضة الآن لمخاطر تطبيق الحوسبة في شتى المجالات.
التغيرات المناخية
ويشير مؤلف الكاتب إلى أن الخوف من التغيرات المناخية هو ناتج عن الخوف من ندرة الموارد الطبيعية وفقدان البيئات الزراعية والسكنية- ما يقود في النهاية إلى تهالك كوكب الأرض الذي يدعم حياة الإنسان. وعلى الجانب الآخر، فإن الخوف من الأتمتة هو خوف من هيمنة الاقتصاد الآلي الذي يعتمد على الروبوت في كافة مراحل الإنتاج، مع الاستعانة بعدد قليل من الأيدي العاملة، حيث لا يكون ثمة حاجة إلى العمال.
ويطرح المؤلف سؤالا: هل يمكن فعلا أن نواجه أزمة ندرة وأزمة وفرة في الوقت ذاته؟
ويجيب بيتر فريز بقوله: إننا في الحقيقة نواجه مثل هذه الأزمة المتناقضة. وأن تفاعل هذين العاملين الديناميكيين هو ما يجعل لحظتنا التاريخية تلك مضطربة جدا وغير مؤكدة، ومليئة بالوعود والمخاطر .
وتعرض المؤلف بعد ذلك إلى صعود الروبوتات التي بدأت بالفعل تحل محل الإنسان في العمل، لتمثل بذلك خطرا شديدا على الأيدي العاملة البشرية.
وقال بيتر فريز: إن عصر الآلة الثاني هو مفهوم صاغه كل من برينجولفسون و مكافي اللذين قالا في كتابهما الذي يحمل نفس الاسم أنه وكما هو الحال في عصر الآلة الثاني ، فقد حلت الثورة الصناعية محل الأيدي العاملة البشرية، مضيفين: الحوسبة تتيح لنا استبدال قدرتنا على استخدام عقولنا في فهم وتشكيل بيئاتنا .
ويضيف برينجولفسون و مكافي أن أجهزة الحاسوب والروبوتات تتغلغل في كل قطاع من القطاعات الاقتصادية الآن، لتطيح بذلك بالعنصر البشري من القوة العاملة.
واستشهد مؤلف كتاب 4 سيناريوهات مستقبلية: الحياة بعد الرأسمالية بنتائج دراسة بحثية أجريت في جامعة أكسفورد بواسطة كارل بينديكت فري ومايكل إيه. أوسبورن واللذين وجدا أن 47% من الوظائف الأمريكية تستخدم نظام الحوسبة وذلك بفضل التطورات التكنولوجية الراهنة. لكن ستوارت إليوت من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية استخدم نفس مصدر البيانات، لكن بنهج مختلف على مدى زمني أطول، وخلص إلى أن هذا الرقم ربما يكون 80%.
ولفت مؤلف الكتاب إلى أن الأتمتة تغزو أيضا القطاع الزراعي الذي كان يعتمد في المقام الأول على الأيدي العاملة البشرية، لكنها الآن لم تعد تمثل سوى نسبة ضئيلة من الوظائف، لاسيَّما في الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من البلدان الغنية.
غزو الروبوتات
وفي سبتمبر لعام 2011، كتب فرهاد مانجو في مجلة سليت الأمريكية سلسلة طويلة من المقالات حول غزو الروبوتات ، وبعد ذلك بقليل نشر عالما اقتصاد من معهد ماساتشوستس للتقنية كتاب السباق ضد الآلة قال فيه إن الأتمتة تعمل بسرعة على الاستحواذ على العديد من القطاعات التي اتخذت حتى وقت قريب دور المحركات الكبرى لخلق الوظائف في الاقتصاد الرأسمالي: من مصانع السيارات المؤتمتة تمامًا وحتى الحواسيب القادرة على تشخيص الحالات الطبية، نرى أن الروبتة robotization تستحوذ ليس على قطاع الصناعة فحسب بل على جزء معتبر من قطاع الخدمات أيضا.
ويسرد المؤلف بيتر فريز السيناريوهات الأربعة المحتملة للحياة بعد الرأسمالية التي حددها في كتابه والتي جاءت على النحو التالي: السيناريو الأول: الشيوعية.. مساواة ووفرة والذي يقول عنه فريز إنه لا يعني بطبيعة الحال هيمنة الحزب الواحد، وإنما التحولات الجذرية التي ستطرأ على المجتمع كي يصبح أكثر إنتاجية، وستكون المساواة الصفة الأبرز، تأكيدًا لمقولة ماركس الشهير: كل حسب طاقته، كل حسب حاجته .
ويتمثل السيناريو الثاني في الاستئجار.. هرمية السلطة والوفرة والذي يصف فريز مكوناته بالوفرة التي ستكون محتكرة من قبل فئة صغيرة تتحكم بها وبمساراتها. ستسيطر تلك النخبة ليس على الإنسان الآلي فحسب، بل على تشفير المعلومات التي تحدد طاقته ومهام الأعمال الموكلة له، في ظل عالم يكن فيه الروبوت قد استحوذ على كل شيء تقريبًا، وستعمل شريحة خاصة من المبرمجين والفنيين على إدارة هذا النظام.
وذكر بيتر فريز أن العامل الأهم في هذه المرحلة يتمحور حول برمجة الإنسان الآلي التي ستكون حكرًا للنخبة ضمن حقوق الملكية. أي بمعنى آخر، عليك أن تدفع للحصول على امتيازات الإنسان الآلي.
إعادة ترتيب
أما السيناريو الثالث فحمل عنوان الاشتراكية.. المساواة والندرة ، والذي أشار فيه فريز إلى أنه ليست للاشتراكية طرق مختصرة لتحقيق ما تصبو إليه، فالآلية موجودة، غير أن الإبداعات التي تنتج الطاقة غير متوافرة. لذا تسعى الدولة عادة لإعادة ترتيب البنية التحتية وأنماط الاستهلاك في محاولة للوصول إلى توازن بين العرض والطلب بما يتوافق مع متطلبات المجتمع الأساسية، عبر نسخة من اشتراكية غير مرتبطة بالشيوعية،
والسيناريو الرابع والأخير هو الإبادة وهرمية السلطة وهو السيناريو الأشد خطرا، والذي تنعدم فيه المساواة وتسود الندرة، وهو ما سينتج عنه عصرًا إقطاعيًا جديدًا، يحتمي فيه الأغنياء في مقاطعاتهم الخاصة والمحصنة، بينما ستضع السلطات الحاكمة الفائض من البشر في سجون ومخيمات لللاجئين، باعتبار أن هذا الكم الكبير منهم غير منتج وغير مستهلك أيضًا، لذا فهو غير ضروري. وربما ستجد النخب الحاكمة طرقًا مبتكرة لإبادة الفقراء لانعدام الحاجة إليهم، وهو ما يؤكده فريز، موضحًا أن الإبادة هي الحل الأكثر احتمالًا في خيارات المستقبل بالنسبة إلى سلطات تحدد أهمية الإنسان وفقًا لحجم ونوعية استهلاكه، وستكون الحروب المحلية والإقليمية والأوبئة والمجاعات، إحدى صور تلك الإبادة.