يشكّل المسلمون في مقدونيا أكثر من 40% من السكان، ومعظم مسلمي مقدونيا من الألبان (نحو 33%)، وهناك أقليات من الأتراك والبوسنيين وغيرهم، وهناك مسلمون من أصول مقدونية.
وتاريخ تلك البلاد مع الإسلام قديم جداً، حيث دخلها الإسلام في القرن السابع عن طريق بلاد المسلمين في الأندلس في أوج حضارتها، وتلى ذلك العثمانيون في عهد يزيد الأوّل بفتح هذه البلاد في سنة 1382م.
بعض المناطق الشمالية الغربية والغربية أغلبيتها مسلمة، ونسبة من مسلمي مقدونيا من الطبقة الغنية وبعضهم تجار وبعضهم من الطبقة الفقيرة، وهناك أكثر من 500 مسجد، وتوجد مدارس إسلامية عريقة تعود لقرون سابقة.
وفي حديث لوكالة الاناضول أكّد الدكتور حميت شعباني، الإمام والخطيب والباحث الإسلامي، على أنَّ كلَّ شهر الصيام له ميزة ونكهة خاصة بين المسلمين، فالجو جو رمضاني، وأغلب المقاهي مغلقة، والطرقات في النهار فارغة وفي الليل مزدحمة، ولسان حال المسلمين مع كل الصعوبات يقول: الله كريم ومنه التيسير .
وأوضح د. حميت أنَّ شهر رمضان في السنوات الأخيرة يأتي في فصل الصيف، وأثناءه يصوم مسلمو مقدونيا أكثر من 18 ساعة، حيث درجات الحرارة مرتفعة.
ويضيف: في هذا الفصل يجتمع طول اليوم وشدَّة الحرارة، واللتان تشكلان صعوبة كبيرة لصوم وقيام رمضان لكثير من المسلمين، حيث يحاولون الجمع بين العمل والعبادة (الصوم والقيام) .
ويتابع بالقول: مع كل هذه الصعوبات تجد أنَّ أكثر المسلمين كباراً وصغاراً يلبّون نداء ربّهم لصوم رمضان جزاءً وفاقاً .
ويوضح أنَّ هناك عادة جميلة بين مسلمي مقدونيا، حيث يحاولون تعويد الصغار على عبادة الصيام إلى منتصف النهار، ليكون ذلك حافزاً فيما بعد عندما يكبرون.
يقول د. حميت شعباني إنَّ الأئمة والدعاة يقومون بواجبهم تجاه المسلمين من وعظ و إرشاد وتعليم خلال هذا الشهر المبارك، وذلك للتوعية ورفع المعنويات، وشعارهم هذا العام لا للمجاهرة . ويوضح الباحث الإسلامي أنّ الدّعاة يقومون بإلقاء دروس يومية في جميع المساجد للجنسين، وهناك محاضرات أسبوعية للنساء، برامج متلفزة خصيصاً لهذا الشهر، زيارات للمساجد من قبل دار الإفتاء لتفقّد أحوال المؤمنين وتقوية الروابط بينهم.
في حديثه يقول د. حميت: مع أنَّ رمضان شهر القرآن وجبريل عليه السلام كان يراجعه مع النبيّ صلّى الله عليه وسلم، وتأسياً بهذا الفعل، يقوم مسلمو مقدونيا بما يعرف بـ المقابلة ، وهي قراءة كل يوم جزء من القرآن؛ إمَّا عن ظهر غيب، وإمَّا قراءة من المصحف والحاضرون يتابعون.
ومن الأنشطة الرمضانية في مقدونيا تنظيم المسابقات العملية والشرعية بين طلاب المدارس والثانويات، على حدّ قوله .
إفطارات جماعية
ويشير د. حميت شعباني إلى أنَّ أهم ما يميّز شهر رمضان المبارك في مقدونيا هو تنظيم الإفطارات الجماعية، تطبيقاً للوصايا النبوية، حيث علّمنا النبيّ صلى الله عليه وسلّم أنَّ إفطار الصائم له أجر كبير.
ويضيف: يقوم مسلمو مقدونيا بتنصيب خيام رمضانية للفقراء والمحتاجين، وهناك من يقوم بتنظيم إفطارات جماعية لجميع الفئات من الصائمين، وذلك لتقوية الروابط والتعارف بين الناس .
ختم القرآن الكريم بـ طريقة المقابلة
تبدأ العديد من المساجد في العاصمة المقدونية سكوبيا، مع حلول شهر رمضان المبارك، في ختم القرآن الكريم بـ طريقة المقابلة ، التي دخلت البلاد في العهد العثماني، وتوقفت في تسعينيات القرن الماضي لحوالي عشرين عاماً، قبل أن يتم إحياؤها مرة أخرى.
وتقوم طريقة المقابلة على أن يتلو أصحاب الأصوات العذبة جزءًا من القرآن يومياً في المساجد، في نهار رمضان، ويقوم الحاضرون بالاستماع إلى القراءة ومتابعتها في المصحف، وبذلك يختتم صاحب التلاوة وكل من يستمع إليه القرآن الكريم كاملاً بنهاية الشهر الفضيل.
من ضمن المساجد التي تختم القرآن بهذه الطريقة في سكوبيه ، ويقول إمامه عبد الكريم إبيبي إن ختم القرآن في رمضان بطريقة المقابلة يتم العمل به في المسجد منذ عشر سنوات دون انقطاع.
وأوضح أن جميع المساجد الكبيرة في مقدونيا كانت، في الثمانينيات من القرن الماضي، تختم القرآن بطريقة المقابلة خلال الفترة بين صلاتي الظهر والعصر خلال شهر رمضان.
وبيّن إبيبي أن هذا التقليد توقف في التسعينات لمدة 20 أو 25 عاماً، بعد مناقشات واسعة حول الموضوع، واعتبار البعض أن المقابلة بدعة، إلا أن هذه الطريقة عادت قبل حوالي عشر سنوات لتصبح أحد معالم الشهر الفضيل. وأشار الإمام إلى أنه بدأ في تلاوة القرآن بطريقة المقابلة في المسجد منذ أن كان طفلاً، معتبراً أن مشاركة الأطفال فيها من أهم طرق الحفاظ على استمراريتها. ولفت إلى أن سكوبيه ، المشهورة بحفظة القرآن الكريم، عانت لفترة من نقصان عدد الحفظة بسبب وفاة الشيوخ الذين يتولون مهمة التحفيظ، إلا أن الإقبال على حفظ القرآن خلال السنوات الخمس الماضية بدأ في سد هذه الثغرة.
وأعرب إبيبي عن أمله في عدم توقف مساجد العاصمة المقدونية مرة ثانية عن ختم القرآن في رمضان بطريقة المقابلة .