أطلقت دولة قطر خلال الأيام الماضية حزمة من الإجراءات الاقتصادية التي تدخل ضمن مجموعة محفزات مالية واقتصادية بمبلغ 75 مليار ريال للقطاع الخاص، بالإضافة إلى توجيه الصناديق والمؤسسات الحكومية لتوسيع استثماراتها بالسوق المالية بما لا يقل عن 10 مليارات ريال خلال الفترة المقبلة.
من جانبه، اتخذ مصرف قطر المركزي مجموعة من الإجراءات التحفيزية التي تتماشى من حزمة المحفزات المالية والاقتصادية التي أعلنها، ومن بين تلك الإجراءات توجيه البنوك إلى تأجيل الأقساط البنكية والمصرفية لمدة 6 أشهر اعتبارا من منتصف الشهر الماضي وإلى غاية منتصف شهر سبتمبر من العام الجاري، مع تعليق الفائدة أو العائد أو بفائدة وعائد منخفض لمن يرغب في ذلك دون فرض أي رسوم أو عملات أو رسوم تأخير ودون تأثير على تصنيفهم الائتماني بشكل عام. كما أعلن مصرف قطر المركزي عن اعتزامه تخصيص نافذة إعادة شراء تعرف في المجال المصرفي بنافذة الريبو بقيمة تصل إلى 50 مليار ريال تكون بعائد يساوي صفرا بالمائة وهو ما سيساهم في توفير السيولة اللازمة للبنوك والمصارف الإسلامية العاملة في الدولة بتكلفة صفرية تمكنها من الالتزام بتخفيض أسعار الفائدة أو العائد بالنسبة للبنوك الإسلامية على عملاء القطاعات المتأثرة والمنتفعين بقرار التأجيل ومنح قروض جديدة دون رسوم أو عمولات لعملاء القطاعات المتضررة بسعر فائدة أو عائد لا يتجاوز 1.5 بالمائة على أن يعاد تسعير تلك القروض بعد انتهاء فترة ستة أشهر أي بعد منتصف شهر سبتمبر من العام الجاري أو انتهاء تسهيلات الريبو.
كما أعلن مصرف قطر المركزي في ذات الإطار عن تقليص أسعار الفائدة الرئيسية على الإيداع والإقراض وعلى إعادة الشراء، حيث خفض سعر فائدة الإيداع لدى المصرف بـ 50 نقطة أساس ليصبح 1% وتخفيض سعر فائدة الإقراض من المصرف بـ 100 نقطة أساس ليصبح 2.50% وتخفيض سعر إعادة الشراء بـ 50 نقطة أساس ليصبح 1%، ومن ثم التنسيق مع بنك قطر للتنمية لضبط آلية تخصيص ضمانات للبنوك المحلية بما قيمته 3 مليارات ريال لمنح قروض ميسرة وبدون عمولات أو رسوم للشركات المتضررة لدعم الرواتب والإيجارات عبر ضمانات يصدرها بنك قطر للتنمية للبنوك العاملة في الدولة.
ويمكن اعتبار الإجراءات التي قام بها مصرف قطر المركزي والتي تتماشى مع حزمة المحفزات المالية والاقتصادية لدعم الاقتصاد الوطني، على أنها تدخل كذلك في إطار الإجراءات التي تتصل بعمليات التيسير الكمي والتي تساهم بشكل كبير في تنشيط القطاعات الاقتصادية والتشجيع على الإنفاق بما يخلق ديناميكية في الاقتصاد الكلي للدولة ويساهم في فتح العديد من الفرص الاستثمارية والتجارية المتنوعة، بالإضافة إلى مواجهة التحديات التي يعيشها الاقتصاد العالمي بشكل عام، خاصة أن الاقتصاد القطري يتمتع بمستوى عالٍ وكبير من الثقة والائتمان عالي الدرجات سواء على المستوى الإقليمي أو العالمي، بالإضافة إلى تواصل مسيرة التنمية والنمو الاقتصادي داخل الدولة نتيجة الالتزام بتنفيذ كافة المشاريع الكبرى التي تم الإعلان عنها في موازنة قطر للعام الجاري والتي تعد أكبر موازنة على مستوى الإيرادات والإنفاق، بالإضافة إلى مواصلة الدولة تنفيذ المشاريع التي يتم العمل على استكمالها استعدادا لاستضافة كأس العالم قطر 2022، حيث من المنتظر أن يتم تسليم بقية الملاعب التي يتم العمل عليها خلال العام الجاري والعام المقبل، والتي تتواءم مع أعلى المعايير التي تحقق الاستدامة وبما يتماشى مع معايير الجودة التي أقرها الاتحاد الدولي لكرة القدم.
إلى ذلك، يعرف التيسير الكَمي أو التسهيل الكمي على أنه إحدى أدوات السياسة النقدية غير تقليدية، حيث تستخدمها البنوك المركزية لتنشيط الاقتصاد بشكل عام وذلك عندما تصبح السياسة النقدية التقليدية غير فعالة ويعرف بالسياسة النقدية التقليدية هي طباعة النقود وضخها في الأسواق. ولعل من أبرز المعايير التي تقوم عليها إجراءات التيسير الكمي أو التسهيل الكمي، هي أن تقوم البنوك المركزية بشراء الأصول المالية لزيادة كمية الأموال المحددة مقدما في الاقتصاد. وتتميز سياسة التيسير الكمي عن السياسة المعتادة أكثر لشراء أو بيع الأصول المالية بالحفاظ على معدلات الفائدة في السوق عند قيمة الهدف المحدد، والتي يتم تحديدها بشكل عام.
وتنفذ البنوك المركزية بعملية التيسير الكمي من خلال شراء الأصول المالية من البنوك ومن شركات القطاع الخاص بالأموال الجديدة المنشأة إلكترونياً ويزيد هذا الإجراء من الاحتياطيات الفائضة للبنوك، وكذلك يرفع أسعار الأصول المالية التي تم شراؤها مما يُخفض من عائداتها.
وعادة ما تنطوي السياسة النقدية التوسعية على شراء البنوك المركزية للسندات الحكومية قصيرة الأجل من أجل خفض معدلات فائدة السوق قصيرة الأجل باستخدام مزيج من تسهيلات الإقراض الثابتة وعمليات السوق المفتوحة، ومع ذلك، فعندما تكون معدلات الفائدة قصيرة الأجل إما عند صفر أو قريبة منه، فإن السياسة النقدية العادية لا تكون قادرة على خفض معدلات الفائدة، ثم قد تستخدم السلطات النقدية التسهيل الكمي لزيادة تنشيط الاقتصاد بشراء أصول ذات فترات استحقاق أطول فحسب من السندات الحكومية قصيرة الأجل، وبالتالي تخفيض معدلات الفائدة ذات الأجل الأطول بالإضافة على منحنى العائد.
وقد انتهجت الاقتصادات العالمية منذ العام 2008 آلية التيسير الكمي كسياسة نقدية غير تقليدية تساهم في تنشيط الاقتصادات المختلفة، حيث أصدر صندوق النقد الدولي مذكرة حيث تمت مناقشة التيسير الكمي باعتباره سياسة نقدية غير تقليدية فعالة وذلك بعد العام 2008، حيث شمل التحليل خمسة بنوك مركزية رئيسية وهي بنك الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة والبنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا وبنك كندا وبنك اليابان، والتي أبدت اقتصاداتها تجاوبا ملحوظا مع آليات التيسير الكمي.
ويرى الخبراء والمختصون من محللين ورجال أعمال أن إجراءات التيسير الكمي تساهم في زيادة الإقراض بسبب الزيادة في الأموال من خلال شراء البنك المركزي للأصول وهو ما يساهم في تشجيع البنوك على تقديم المزيد من القروض، وهو ما ينعكس على زيادة الاقتراض حيث تنشط تعاملات المستهلكين والشركات مع ديون جديدة عندما تكون أسعار الفائدة منخفضة، كما تسجل زيادة الإنفاق، حيث سيزيد المستهلكون من إنفاقهم بسبب كل من الإقراض والاقتراض اللذين يولدان المزيد من الأموال. مع انخفاض أسعار الفائدة فإن ترك الأموال في المدخرات ليس بتلك الجاذبية، وبالتالي ينعكس ذلك على النمو الوظيفي فعندما يكون لدى الشركات القدرة على الوصول إلى المزيد من رأس المال من خلال القروض ويكون هناك مستويات بيع أكثر بسبب زيادة الإنفاق الاستهلاكي يتم تشجيعها على توسيع وتوظيف المزيد من الموظفين.
وفي هذا الإطار، يقول رجل الأعمال والمستثمر في عدد من الأنشطة التجارية والمالية يوسف أبوحليقة إن تلك التيسير الكمي خلال هذه الفترة من شأنها أن تساهم في تنشيط حركة الأسواق بشكل عام من خلال تحفيز المستثمرين ورجال الأعمال على العودة إلى الأسواق بقوة خاصة أن الاقتصاد القطري ما زال يستحوذ على آلاف الفرص الاستثمارية المواتية نتيجة مواصلة العمليات التوسعية على المستوى الاقتصادي الذي يلقى كميات دعم عالية جدا من شأنها أن تساهم في تطوير آليات التعامل، وتستقطب العديد من التدفقات النقدية المتنوعة، ولعل الإشادة التي يلقاها الاقتصاد القطري من قبل كبرى المؤسسات المالية والنقدية والعالمية لها الأثر الإيجابي، والتي كان آخرها ما ورد من قبل وكالة التصنيف الائتماني ستاندرد آند بورز التي نوهت إلى تثبيت الاقتصاد القطري عند مستويات ائتمانية واستثمارية عالية الجودة الأمر الذي يعكس مدى الأمان الذي تتمتع به السوق والاقتصاد القطري بشكل عام في ظل التقلبات التي تشهدها الاقتصادات العالمية، وبالتالي من المتوقع أن تساهم تلك الإجراءات في استقطاب العديد من التدفقات النقدية من عدد من الأسواق الأخرى، بحثا عن مناخ استثماري آمن وقوي ويحظى بالدعم اللازم.
من جانبه نوه الرئيس التنفيذي لشركة قطر وعمان ناصر الخالدي إلى أهمية الإجراءات التي تندرج في إطار عمليات التيسير الكمي والتي تهدف إلى تنشيط الاقتصاد وتحفيزه من خلال زيادة الإنفاق والتوسع في الإقراض والاقتراض وبالتالي خلق عدد من الفرص الاستثمارية الأخرى والتي من شأنها أن تحقق قيمة مضافة، مشيرا في ذات الإطار إلى ضرورة توسيع تلك المبادرات والإجراءات بما يساهم في المزيد من تحفيز فعاليات القطاع الخاص، وإرسال رسائل طمأنة لهم حول أعمالهم واستثماراتهم المتنوعة.