30 مليار دولار عوائد متوقعة.. خبراء لـ «لوسيل»:

الاقتصاد التشاركي يولد فرص نمو ووظائف جديدة

لوسيل

أحمد فضلي

عزز تفشي فيروس كورونا المستجد كوفيد- 19 منذ العام الماضي الدور الحيوي للعديد من المفاهيم والأنظمة الاقتصادية التي تعد قديمة في الزمن، غير أنها لا تحظى بالإشعاع الكبير على الصعيد العالمي، الأمر الذي دفع بالعديد من الاقتصاديين إلى إعادة تبني هذه الأنظمة والدفع نحو اعتمادها منهجا للتعاملات خلال السنوات المقبلة، خاصة أن هذه الأنظمة أضحت تعد من بين الأنظمة الاقتصادية الأقل تضررا من التقلبات الاقتصاديات التقليدية الأخرى، وعلى رأس الأنظمة الاقتصادية التي بدأت تطرح وتظهر على صعيد الرأي العام الاقتصادي العالمي، هو الاقتصاد التشاركي والذي يركز بشكل رئيسي على التنمية والفوائد المحتملة على المجتمعات من الاقتصاد التشاركي ما بعد جائحة فيروس كورونا، خاصة بعد ظهور العديد من الشركات الناشئة في الاقتصاد التشاركي.

ويرى الخبراء والمختصون والمحللون الاقتصاديون أن الاقتصاد التشاركي يمكن أن يلعب دورا كبيرا وحيويا في تنمية المجتمعات كما يمكنه أن يساعد في التغلب على العديد من التحديات الاجتماعية والاقتصادية، حيث يمكن تطبيق المشاركة في تعظيم الاستفادة من المرافق العامة لصالح المجتمع أو في تحسين الأمان في ما يتعلق بأعمال التجزئة المختلفة على سبيل المثال في مجال المجوهرات والمعادن الثمينة أو الأعمال أو المتاجر بالإضافة إلى خلق الانسجام في الأحياء أو إحداث تغيير إيجابي أو في منع الفقر في القرى الريفية.

ويعتبر الخبراء والمختصون والمحللون الماليون أن الاقتصاد التشاركي يمكن أن يشكل قوة صاعدة وبالأخص إذا كان مطبقا في الشركات الناشئة، وبالأخص إذا ما توافق بالكامل مع أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية سواء على مستوى التمويل أو الأنشطة الاقتصادية والتجارية التي يقوم عليها أو حتى وصولا إلى مستوى توزيع العوائد والأرباح على المساهمين في هكذا اقتصاديات، في ظل العديد من التجارب الاقتصادية التشاركية الناجحة التي أثبتت قدرتها ونجاحها خلال السنوات الماضية، حيث سجل صعود كبير وقوي للعديد من الشركات والأنظمة الاقتصادية التي أنشئت خلال الفترة الماضية، الأمر الذي دفع بالعديد من الدول التي توجد في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى وضع أنظمة تقاربية في مجال هذا النوع من الاقتصاد الذي من الممكن أن يحقق الثورة والعائد للقائمين عليه، بالإضافة إلى قدرته على تحقيق الفوائض المالية، كما أن لهذا الاقتصاد القدرة على خلق مئات الآلاف من الوظائف المباشرة وغير المباشر، حيث يجعل مختلف شرائح المجتمع ينخرطون في تحقيق التنمية والنهضة التنموية، بالإضافة إلى كونه قد يساهم بشكل أو آخر في تعزيز الصناعات وتنويع الخدمات، بما يكون من بين أحد أبرز المحفزات الأساسية لتحقيق التنوع الاقتصادي على المدى المتوسط والبعيد، وبالتالي زيادة مساهمة الأفراد النشطين في الحراك الاقتصادي الاجتماعي وفي الناتج المحلي للدول، وبما يجنب ويقلص المخاطر الاقتصادية، حيث تكون تلك المخاطر موزعة وبما يمكن التحكم فيها وحسن إدارتها في زمن الأزمات على غرار أزمات على شاكلة فيروس كورونا المستجد.

مفهوم الاقتصاد التشاركي

يعرف علم الاقتصاد الحديث، الاقتصاد التشاركي على أنه نظام اقتصادي مستدام يقوم على مشاركة الأصول البشرية والمادية، ويشمل الإبداع والإنتاج والتوزيع والاتجار والاستهلاك التشاركي للبضائع والخدمات بين مختلف الأفراد والمنشآت التجارية، وتأخذ تلك الأنظمة العديد من الأشكال إلا أنها تعمل في مجملها على تعزيز تقنية المعلومات من أجل تزويد الأفراد والمؤسسات الحكومية وغير الربحية بالمعلومات التي تساعد في توزيع البضائع والخدمات ومشاركتها وإعادة استغلال الطاقات المهدرة والفائضة، وثمة اعتقاد سائد بأن مشاركة المعلومات المتعلقة بالبضائع والخدمات، ستزيد من قيمتها على مستوى المؤسسات والأفراد والمجتمع.

وقد تعزز الحضور القوي لمفهوم الاقتصاد التشاركي منذ العام 2008 أي إبان الأزمة المالية العالمية التي عصفت بمئات المليارات من الدولارات من الأصول والأوراق المالية، بالإضافة إلى ظهور مجموعة من العوامل الأخرى وعلى رأسها العامل الديموغرافي، حيث سجلت قفزة على مستوى عدد السكان، وبالتالي زيادة غير مسبوقة في عدد الوظائف الواجب توفيرها، إلى جانب التسارع الملحوظ على مستوى تكنولوجيا المعلومات والتحولات الرقمية التي شهدها العالم خلال العقد ونصف العقد الماضي.

مبادئ التشاركية

إلى ذلك، فإن الاقتصاد التشاركي يقوم على مجموعة من المبادئ الأساسية التي بدونها لا يمكن تحقيق النجاح ضمن هذا النظام، وعلى رأسها الثقة المتبادلة بين كافة الأطراف المتدخلين أو طرفي المعاملات، فمن أهم عوامل نجاح التبادل هو ثقة الأطراف في بعضهم البعض فعلى المورد أن يكون قادرًا على الوثوق في المستهلك للدفع وكذلك يجب أن يكون المستهلك واثقًا في أن المورد سيقوم بتسليم ما تم الاتفاق عليه تمامًا فأي اختلال في هذه الثقة أو عدم الالتزام بها من أيٍّ من الطرفين سيؤدي إلى فشل التبادل أو المعاملة بينهم مطلقًا، إلى جانب الوصول إلى الملكية حيث لم يعد يشغل المستهلك البحث عن السلع التي يقدر ماديًا على امتلاكها. فعلى سبيل المثال، بدلاً من شراء قارب يمكنه التفكير في استئجار أو اقتراض قارب بمعنى آخر لا يتطلب التمتع بمزايا سلعة أو خدمة ملكية، بالإضافة إلى أهم مبدأ هو الحفاظ على قيمة الموارد والشفافية والانفتاح بمعنى مشاركة المعلومات لتمكين المستخدمين من الوصول إلى الموارد مما يسمح لمزيد من إمكانيات الربط بين مقدمي الخدمات والمستهلكين.

المشاركة في الشريعة

أما على مستوى ربط الاقتصاد التشاركي بمبادئ الشريعة الإسلامية، فقد نظمت الشريعة الإسلامية آليات المشاركة في الاستثمار من حيث التعاملات وتوزيع الأرباح، حيث تقوم المشاركة في الشريعة على تحديد حصة كل مشارك في رأس مال المشاركة، ويمكن أن تكون المشاركات متفاوتة، كما يكون رأس المال متوفرا في مكان أو حساب محدد عند توقيع عقد المشاركة ويمكن أن يقوم الشركاء بتوكيل أحدهم أو مجموعة منهم أو غيرهم للقيام بأمور إدارة رأس المال، ويجب تقييم جميع أشكال المشاركات غير التقليدية كالأرض بقيمة عملة واحدة، وتحدد بناء عليها نسبة المساهمة في رأس مال المشاركة وبمجرد انعقاد الشركة تنشأ عنها ذمة مستقلة للمشاركة، ويجوز أن تتم المشاركة بين جهات شخصية أو اعتبارية على حد سواء. كما يمكن أن يتم توزيع الأرباح حسب اتفاق المشاركين، في حين يجب أن يتم توزيع الخسارة بين المشاركين بالتساوي بِناء على نسبة مشاركتهم برأس المال، وفي حالات التعدي والمخالفة لشروط عقد المشاركة من لدن أحد أطراف المشاركة، فإنه يجوز اشتراط ضمان رأس المال، ولا يجوز الاشتراط في غير هذه الحالة أبدا، كما لا يجوز تحديد ربح معين من دخل المشاركة عن فترة محددة أو كمبلغ محدد كما يمكن أن ينص عقد المشاركة على السماح للجهة في أن تبيع حصتها بسعر معين بتاريخ محدد، إلا أنه لا يُلزِم الشركاء بالشراء ويمكن أن ينص عقد المشاركة على تحديد حصة أحد الشركاء بحد معين ليتم السحب منها عند الحاجة وفقا للشروط والمبادئ التي انبنت عليها عقود الشراكة أو المشاركة بما يتماشى مع أحكام الشريعة الإسلامية والاتفاقات التي يتم تضمينها ضمن العقود المنصوص عليها عند بداية بناء عقد المشاركة في الاستثمار سواء كان ماليا أو تجاريا في مختلف القطاعات التجارية والاستثمارية التي تمت على ضوئها المشاركة.

تضاعف حجم الاقتصاد التشاركي

تشير التقديرات إلى أن يصل إجمالي الاقتصاد التشاركي في المنطقة الإقليمية وتحديدا على مستوى منطقة الخليج العربي إلى ما لا يقل عن 250 مليار دولار أمريكي بنهاية العام 2025 وبعائد قد يصل إلى نحو يقدر بـ 30 مليار دولار أمريكي، أي بعد حوالي 4 سنوات من الآن بعد أن غذت المتغيرات الاقتصادية الحاصلة خلال العام الماضي بسبب جائحة فيروس كورونا، التوجه بالعديد من مكونات المجتمع إلى اعتماد هذه المقاربة الاقتصادية سواء بعلم أو دون علم مباشر، بعد أن كان يقدر إجمالي حجم الاقتصاد التشاركي في دول مجلس التعاون الخليجي بنحو 14 مليار دولار أمريكي بعوائد تصل إلى نحو 2 مليار دولار أمريكي في العام 2014.

ويرى المختصون أنه من أجل مواصلة هذا التطور الحاصل على مستوى الاقتصاد التشاركي وبالأخص الجانب المتعلق بالتعاملات عبر التقنيات الحديثة، لابد من وضع أسس متينة وصلبة لمواجهة كافة التحديات التي قد تنشأ مع تسارع الخطى بشكل غير مسبوق في هذا المجال، وحتى يكون هناك التزام تام بالمعايير والضوابط الرقابية والإشرافية من قبل الهيئات والمؤسسات الرقابية التي تنظم الحياة الاقتصادية في الدول في داخل المنطقة التي أضحت تستقطب العديد من الاستثمارات الكبرى على المستوى العالمي وبشكل متنامٍ خاصة بعد تطوير قوانين العمل والتملك والاستثمار الأجنبي. ومن بين تلك النقاط الواجب أخذها بعين الاعبتار هي وضع نموذج حوكمة واضح ومواءمة الأنظمة واللوائح وإعادة هيكلة سياسات العمل وتحديث أنظمة الضرائب حيث يتوجب على الجهات الرقابية دمج جميع الجهات الفاعلة في الاقتصاد التشاركي بما في ذلك الشركات الخارجية العاملة في الأسواق المحلية ومقدمو الخدمات، في الأنظمة الضريبية الجديدة إلى جانب مجموعة من الأنظمة والنقاط الأساسية التي يتوجب الحرص على تفعيلها من أجل حسن ضمان مشاركة فاعلة للاقتصاد التشاركي في الاقتصاد الرسمي والكلي للدول وبما يساهم في تحقيق العائد ويدفع مسيرة التنمية والنمو الاقتصادي بشكل عام على المدى المتوسط والمدى البعيد وبما يضمن الاستقرار الاقتصادي للمشاركين في الاقتصاد التشاركي بشكل عام.

اهتمام محلي

وعلى الصعيد المحلي، أخذت العديد من الجهات تهتم بهذا النوع من الاقتصاد خاصة بعد النمو المتسارع على مستوى الأعمال التجارية، كما أنه بدأ يحظى بالعناية والدرس خلال الأشهر القليلة الماضية من أجل البحث عن أفضل السبل والممارسات لمواكبة التطورات في هذا النوع من الأنشطة الاقتصادية التي تساهم في دمج جميع أفراد المجتمع حتى يكونوا مساهمين في التنمية الاقتصادية، وقد نظمت في هذا الإطار العديد من الحلقات النقاشية والحوارية والندوات الأكاديمية لمناقشة مفهوم الاقتصاد التشاركي، والبحث عن آليات قد تجعل منه متوافقا مع أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية مستقبلا، بالإضافة إلى البحث عن أفضل الآليات والممارسات في مجال إدارة العمليات في عصر الاقتصاد التشاركي، من خلال القيام بمقاربة شاملة تنظر في آليات الممارسات القديمة والممارسات الجديدة في عصر الاقتصاد التشاركي بشكل عام وبما يساهم في إيجاد نموذج متفرد ومتميز مقارنة بالنماذج السابقة، خاصة في النموذج الذي يستخدم نماذج الأعمال المتطورة والحديثة والتي تستخدم التقنية الحديثة والتكنولوجيات والحلول الرقمية والتطبيقات الإلكترونية المتطورة القائمة على إمكانية الوصول عند الطلب إلى المنتجات والخدمات التي تتم بوساطة المنصات الإلكترونية التي تربط العديد من الموردين أو مقدمي الخدمات الصغار بالعديد من المشترين الصغار، وقد أوجد هذا النموذج مجالًا مهمًا للدراسة والبحث في إدارة العمليات.

إلى ذلك، يقول الخبير الاقتصادي والمالي عبد الله الخاطر: الاقتصاد التشاركي هو من المفاهيم الحديثة والجديدة على الاقتصاد، كما يمكن أن يعود بالنفع على اقتصادات دول الخليج على عدة أصعدة، في ظل مساهمة منصات هذا الاقتصاد باستخدام الأصول غير المستغلة من خلال تطبيقات منخفضة التكلفة على أجهزة الهاتف الذكية، بالإضافة إلى مرونة إدارة الأعمال التي يقدمها الاقتصاد التشاركي، وبالتالي يمكن القول إنه يستحوذ على فرص مواتية لخلق فرص عمل جديدة، لا سيما لفادة شريحة مهمة من المجتمع وهي فئة الشباب، والفئات الأخرى غير الناشطة بشكل كبير في سوق العمل، مثل النساء حيث يولد فرص عمل لهن ويحفز الانخراط الفاعل في الاقتصاد الكلي للدولة.

من جهته، يرى المستثمر ورجل الأعمال يوسف أبوحليقة أن عدة عوامل تسهم في نمو الاقتصاد التشاركي. فدول الخليج تمتلك شريحة كبيرة من اليد العاملة، خصوصاً من فئة الشباب، حيث تعتمد هذه الشريحة على التكنولوجيا والتمدن بشكل كبير، مما يسهم في توليد كميات ضخمة من البيانات تعزز بدورها الاقتصاد التشاركي.