دعا علماء ودعاة إلى ضرورة الاهتمام الأمة بالعلم الشرعي وغير الشرعي، بالطريقة التي سار بها سلفنا الصالح مع الاستفادة من التقنيات الحديثة، مؤكدين أن العلم هو الدرج الذي يصعد عليه المسلمون إلى مصاف الدول ولمواجهة الأخطار.
واستعرضوا خلال الجلسة الأولى من الموسم الثامن من برنامج وآمنهم من خوف مقاربة موضوع التعليم الديني الإسلامي، واقعه وسبل تطويره الذي أطلقته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أبرز الجامعات والمدارس التاريخية والتحديات التي تواجه التعلم حاليا.
وناقشت الجلسة، التي عقدت بساحة مجلس الإمام، واقع التعليم الديني الإسلامي، والعوائق والتحديات التي تواجه مدارس التعليم الديني في العالم الإسلامي، وبخاصة بعد محاولات مراجعة مناهجه، وتدخل أطراف عديدة في المراجعة بعضها من خارج العالم الإسلامي، وسبل تطويره، ودور الأوقاف الإسلامية في ذلك، وآفاق تطويره الممكنة في الزمن الرقمي.
وفي استعراض تصوره عن التعليم الديني الإسلامي الذي يسع حياة المسلمين بكل مجالاتها وخصائصها، خاصة في ظل ما وقع من عزل للتعليم الديني أخل بالتصور الشرعي للتعليم عموما أكد الشيخ الدكتور عثمان الخميس الداعية الإسلامي المعروف والموجه أول في وزارة الأوقاف بدولة الكويت، أن الأمة الإسلامية ينطبق عليها قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمتى ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله .
وأوضح أن تحقيق ما سبق تقريره من قبل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يتحقق إلا بالتعليم الشرعي تصديقا لقول الله تعالى: إنما يخشى الله من عباده العلماء ، مؤكدا أنه متى عمل العلماء بعلمهم ونشروا العلم بين الناس جاء العز لأنه ما جاء العز لهذه الأمة إلا عندما تحلوا بالعلم، حيث أخذوه من فم رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ففتح الله بهم البلاد ونفع بهم العباد ونشر بهم الخير كله في أرجاء المعمورة.
وذهب إلى أن العصر الذهبي للامة الإسلامية وعصر العلم هو عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وعصر الصحابة الذين جاؤوا بعده ومن تعلق بهم من التابعين وأتباع التابعين، مؤكدا أن ذلك لم يكن ليحدث لولا انتشار العلم في عمومه وليس العالم الشرعي فقط.
وقال: كلما ابتعد الناس عن العلم كلما ضعفت الأمة، مستشهدا بواقع اليوم الذي تسلط فيه كثير من الأعداء على أمة الإسلام وأجبروها على كثير من الأمور التي لا ترتضيها وذلك لضعف علم المسلمين وبعدهم عن ربهم تبارك وتعالى.
وأضاف: أتصور أن اهتمام الأمة بالعلم الشرعي وغيره من العلوم هو الدرج الذي يصعد عليه المسلمون إلى مصاف الدول ولمواجهة الأخطار.
وشدد على ضرورة الاهتمام بالعلم الشرعي وغير الشرعي بالطريقة التي سار بها سلفنا الصالح مع الاستفادة من التقنيات الحديثة، وليس من باب التجديد المرفوض الذي يصل إلى العقيدة لأن ذلك يمثل محوا للإسلام، داعيا إلى الاهتمام بعلم الشريعة وغيره من العلوم حتى ترتقي هذه الأمة.
ودعا الدول الإسلامية بتدريس مادة الثقافة الإسلامية في الجامعات ومادة التربية الإسلامية في المراحل التعليمية السابقة حتى لا يتخرج أبناؤنا من المدارس والجامعات إلا ولديهم إلمام بالعلوم الشرعية من قرآن وسنة وفقه وحديث وسيرة، على أن تكون التربية الإسلامية مادة إلزامية وليس تكميلية.
وحث على تدريس سيرة النبي لطلبتا في المدارس كقدوة عملا بقول الله عز وجل: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ، وذلك حتى يقتدي الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم بدون مبالغة.
وأوصي القائمين على تعليم مادة التربية الإسلامية بتبسيط شرح المحتوى التعليمي للطلاب باستخدام استراتيجيات ووسائل تعليمية تدعم استفادة الطلاب من المحتوى التعليمي.
قال فضيلة الشيخ الدكتور حسين كفازوفيتش، رئيس العلماء والمفتي العام للبوسنة والهرسك، إن المدارس الإسلامية في بلاده لها تاريخ يمتد إلى قرون، فأول ما اهتم به الإسلام عندما دخل إلى البوسنة والهرسك، كان نشر المدارس الإسلامية والمناهج التعليمية والتربوية، التي بلا شك يحتاج تطويرها إلى سنوات ولا يحدث بالقفزات بل بالاستمرارية، مبينا أن أهل البوسنة كانوا ينظرون إلى ما يدور حولهم في دول البلقان، حيث لعبت تلك المدارس دورا كبيرا في حماية الدين الإسلامي من التطرف والسلوكيات السلبية في المجتمع.
وأشار رئيس العلماء والمفتي العام إلى وجود عدد كبير من المدارس والكليات والجامعات الإسلامية في البوسنة والهرسك، موضحا أنها لعبت دورا مهما في حماية المسلمين عقيدة وشريعة، فالمسلمون هناك يطبقون الشريعة في بيوتهم، وهذا إن دل على شيء انما يدل على أنهم ما زلوا متمسكين بالدين والقيم والأخلاق الإسلامية، فالمناهج التعليمية في البوسنة تقوم على هذه الأسس، لأن نبينا صلى الله عليه وسلم قال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، ويعتبر مسلمو البوسنة الإسلام دينا وثقافة، مكونا رئيسيا في هويتهم القومية.
قال الشيخ الدكتور نور الدين الخادمي وزير الشؤون الدينية السابق بالجمهورية التونسية أستاذ الدراسات العليا بكلية الشريعة بجامعة قطر إن الوضع الذي آلت إليه أمتنا في علاقتها مع أمم أخرى على صعيد المعرفة، هذه العلاقة بيننا وبينهم في المعرفة وما تقضية من مقتضيات لا بد اعتباره في علاقتنا مع الأمم الأخرى.
وأضاف أن المعرفة الإسلامية داخل عالمنا العربي والإسلامي هي معرفة أمة بهوية وخصوصية واستحقاق تاريخي وحضاري، وبمصالح استراتيجية تعبر عن هذه الأمة، مؤكدا أن المعرفة والعلوم الدينية مقوم من مقومات هذه الأمة، ومقوم بما يعرف بالأمن القومي لكل دولة من هذه الأمة، لذلك العلم الديني هو علم سيادي تخصصي وعلم تشاركي وتطوير وتجديدي.
وأكد أن العلم حق سيادي لهذه الأمة ولكل وطن في هذا الأمة، ومقوم من مقومات الأمة في كل دولة، فالأمن القومي يشمل التعليم والصحة والأمن والتراث، والمصالح الحيوية والاستراتيجية وغيرها، مضيفا أنه من حق الأمة سيادة تعليمية ترتقي إلى الدستور والخصوصية الثقافية والأمن الوطني القومي وغير ذلك.
ولفت إلى أن التعليم الديني تعليم تخصصي بمعنى أن موضوعه موضوع تخصص ومنهجه منهج تخصص بحيث يقتضيه كل ما يخص التخصص المؤسسي والتخطيط الاستراتيجي وغير ذلك مما يعرف على مستوى الاختصاص العلمي، موضحا أن العلوم الشرعية كعلوم القرآن واللغة، وعلوم المقاصد، وعلوم العقيدة كلها علوم تخصص.
ونوه إلى أن الأمر الثالث فيما يتعلق بالعلوم أنها تشاركية على المستوى المعرفي والتعليمي الديني، ولها مستويات كثيرة، ولها تشاركية في الداخل المعرفي كالمقاربة البينية داخل التخصص الشرعي القرآن مع الحديث مع المقاصد الشرعية، أو سيرة مع سنة، ولا يمكن أن ينأى طالب العلم بأحد هذه التخصصات بدعوى التخصص.
أما التشاركية الثانية هي الشراكة الخارجية بين عالمنا اليوم في أمة إسلامية بأوضاعها في علاقة بأمم أخرى من سرعة التواصل وضخامة الأحداث، وكثرة المعلومات وتعدد المسارات والروافد والمآلات، وكل ذلك لا مهرب من أن ندخلها أو نقتحمها ضمن شراكة تعبر عن اختصاص الأمة والمقاربة البينية داخل اختصاصات الشريعة حتى تكون هنالك أرضية قوية ننطلق منها لضبط مسارات هذه الشراكة مع الآخر.
وختم د. الخادمي حديثه بأن الرؤية العلمانية الحديثة في خارج خصوصيتنا، هذه الرؤية أصحابها يعملون عليها في إطار المصالح الاستراتيجية، وفي إطار القيم التي يتبنونها، في إطار صراع دولي، منطلقة بناء العقول وتكوين الأجيال، وهذا شأنهم وهذا أمرهم، ولا يمكن أن ننكره عليهم، لكن ننكر على أنفسنا ونصحح مسيرتنا وننطلق مما ينبغي أن ننطلق منه.
وبين أننا نريد أن يكون لدينا تعليم يعبر عن الخصائص التي ذكرتها ولنا حق في هذا، فمقولة الأسرة في نمط أسري زوجي جديد لا يعبر عن الخصوصية الإسلامية، ولا الفطرة الإسلامية.
استعرض تاريخ المدارس الوقفية..
قال الشيخ الدكتور خالد بن محمد آل ثاني، مدير عام الإدارة العامة للأوقاف إن تطور الحياة وكثرة طلبة العلم وقلة المدرسين، ظهر توجه لتفريغ العلماء لطلبة العلم، وفي فترة التابعين وما بعدهم ظهرت مسائل اختلف عليها العلماء، حول جواز العالم أخذ الأجرة من طلبة العلم في مقابل التعليم الديني والشرعي، واتفقوا على جواز أخذ الأجرة من بيت المال، مشيرا إلى أنه في الواقع كان هناك صعوبة في توفير مدرسين لهذا الكم الهائل من الطلاب.
وأضاف أن المدارس الوقفية ظهرت كحل لذلك،
واستعرض د. خالد بن ثاني المدارس الوقفية المتعاقبة على مر التاريخ، مضيفا أن المدارس الوقفية تجلت مع المدارس النظامية، وظهرت مدارس جامعة، بالإضافة إلى أوقاف المكتبات التي استنار بها طلبة العلم، وشكلت جانبا مشرقا أنارت بالعلم العقول في العالم كله.
وعلى الجانب الآخر استعرض الشيخ د. خالد حقب في القرون الأخيرة أدى إلى انهيار وضياع العديد من الأوقاف ومنها الأوقاف التعليمية، أو جعلتها غير فعالة، أو سلبها استقلالها.
ونوه بالنهضة الوقفية التي حدثت في قطر وعدد من البلدان وذلك بصدور القوانين التي تحمي الأوقاف وشروط الواقفين مما يهيئ للأوقاف أداء رسالتها، مضيفا أنه تم إنشاء المصرف الوقفي للتنمية العلمية بالإدارة العامة للأوقاف بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وهو مختص في التنمية العلمية والثقافية، وتم إنشاء هذا المصرف ويحتوي على عدد من المشاريع الوقفية ومنها مشروع وقفية طالب العلم ومشروع وقفية المدارس.
وأضاف أن المصرف الوقفي بالإدارة العامة للأوقاف قد وفر المنح الدراسية وإنشاء المدارس للمراحل الأساسية، كذلك المراحل الجامعية سواء داخل قطر أو في الخارج، كما تم إنشاء الموقع الوقفي وهو موقع الشبكة الإسلامية أكبر موقع وقفي، ويحتوي على آلاف الفتاوى والاستشارات والمقالات وهو يحتوي على العديد من وأن الوقف التعليمي، بالإضافة إلى إطلاق العديد من التطبيقات منها لغير الناطقين باللغة العربية، وكذلك إطلاق موقع باللغة الإندونيسية.
ونوه د. خالد آل ثاني بالعديد من الأوقاف المميزة في الدولة المجاورة معبرا عن أمله في أن تستعيد الأوقاف دورها الكبير في التنمية العلمية والثقافية في العالم الإسلامي.
قال فضيلة الشيخ الدكتور يوسف الحسيني الندوي مدير جامعة الإمام أحمد بن عرفان الشهيد في الهند - إن التعليم الديني يحارب منذ حوالي 30 سنة بقوة وبصورة علنية بالسياسات الغربية، والتي تأثرت بها السياسات الشرقية، والكثير من البحوث تطرقت لهذا الأمر.
وأضاف: مع بداية وخلال جائحة كورونا انقلبت الموازين وتغيرت المفاهيم، والشعوب الإسلامية التي تعيش خارج العالم العربي لها مشكلات ومعضلات تختلف عن المشكلات التي تواجهها منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي، وأرى أننا يمكن أن نقسم هذه المناطق لثلاث المناطق، فمنطقة الخليج لها مشكلات خاصة، والعالم العربي عموما من الدول الواقعة في إفريقيا وآسيا وفي حدود أوروبا لها مشكلات تختلف عن الخليج، أما الشعوب الإسلامية التي تدخل في العالم الإسلامي، كالهند وباكستان وبنجلاديش والصومال وماليزيا واندونيسيا وغيرها من الدول، فلها إشكاليات أخرى.
وعن التعليم الديني في الهند، أكد أن هناك إشكاليات خطيرة جدا، وأن هذا الأمر يحتاج إلى بحث طويل.
وأشار الندوي إلى أن دولة قطر رائدة في التعليم، ومستواها راق جدا على مستوى العالم العربي، وتقوده في التعليم على المستوى العالمي.
ومن ناحية أخرى أكد حاجة الدول إلى مساعدة ومشاركة في العلوم الإسلامية، داعيا إلى تكوين لجان من أجل المشورة لمن يحتاجون إليها في النواحي القانونية والتعريف بسبل التأقلم مع السياسات الإقليمية.
ولفت إلى أن جامعة الإمام أحمد بن عرفان الشهيد في الهند أسست القسم الابتدائي والثانوي في الحرم الجامعي، لتربية العقول من الصغر، وجعلوا المواد العصرية حسب المعايير الحكومية، إضافة إلى المواد الشرعية، ليكون الطالب لديه العلم بفرائض الدين والأسس التي تمس الإيمان والعقيدة، وعندما يدخل الطالب في كلية الشريعة تكون عقليته متفتحة ويعرف الكثير عن الواقع.
ونوه إلى أن الفترة الأخيرة شهدت تخريج الكثير من خريجي كليات الشريعة، ولكنهم ضعفاء في الشريعة، ولا يستطيعون أن يفتوا لأنهم لا يعرفون الواقع، ولا يعرفون العصر ومعاني المصطلحات التي يسألون عنها من أجل الفهم.