أظهرت دراسة صادرة عن مركز الجزيرة للدراسات فبراير الماضى أن الصورة الذهنية للإسلام والمسلمين لدى الأمريكيين تدور في فلك ثلاث سرديات إعلامية: سرديات اتهام، تعزَّزت بدعوة بعض الجماعات اليمينية للتمييز بين الأنا الجماعية البيضاء و الآخر المسلم، الذي ينحرف عن مسار الهوية والقيم الأمريكية المعاصرة، وسرديات معيارية تعاملت مع المسلمين الأمريكيين كأحد المكوِّنات العضوية للمجتمع الأمريكي، ثم سرديات وصفية تتبنَّى الحياد.
وترصد الدراسة التي أعدها الدكتور محمد الشرقاوي التفاعل بين الخطاب الإعلامي والسياسي ومدى تداخلهما في إعادة تركيب صورة الإسلام والمسلمين في أذهان الأمريكيين خلال عام 2015، الذي شهد مستوى قياسيًّا في حوادث العنف، وما أنتجه الخطاب السياسي السَّلبي لبعض مرشحي انتخابات الرئاسة الأمريكية.
تُفَكِّك الدراسة التفاعل بين الخطاب الإعلامي والخطاب السياسي ومدى تداخلهما في إعادة تركيب صورة الإسلام والمسلمين في أذهان الأمريكيين خلال عام 2015، الذي شهد مستوى قياسيًّا في حوادث العنف، وما أنتجه الخطاب السياسي السَّلبي لبعض مرشحي انتخابات الرئاسة الأمريكية، وترصد الدراسة الأبعاد السياسية والأيديولوجية التي وجَّهت السرديات التي قدَّمتها ثلاث من وسائل الإعلام الأمريكية سي إن إن CNN و فوكس نيوز Fox News و إم إس إن بي سي MSNBC الأكثر تأثيرًا في بلورة المتخيَّل الأمريكي عن الإسلام والمسلمين، وهي قنوات تتباين في خطِّها التحريري ومرجعيتها الفلسفية بين ثلاثة اتجاهات رئيسية: مستقلة، محافظة، ليبرالية.
وتكمن أهمية الدراسة في إيجاد فَهْمٍ جديد للمُتخيَّل الأمريكي الراهن عن المسلمين بدلا من اجترار الصورة النمطية المرجعية التي نسجتها هوليود في العقود الثمانية السابقة. وتركِّز على الصورة المتداولة حاليًّا، أو التي أنتجها الخطاب العام في فترة الحملات الانتخابية؛ وذلك من خلال التلويح بما يعتبره البعض تعارُضًا بين الإسلام من جهة، وبين الحرية والديمقراطية والحداثة والقيم الكونية من جهة أخرى.
وتخلص الدراسة إلى ستة استنتاجات حول تذبذب صورة المسلمين لدى الأمريكيين بفعل تلك السرديات المتنافسة في الفضاء العام، ومنها تغيُّر المعايير المهنية وتراجع تأثير المؤسسات الإعلامية التي تتمسَّك بالخطِّ الاحترافي المتوازن، وحركية صورة الإسلام والمسلمين عبر الباب الدوار حسب تدفُّق تلك السرديات، وميول بعض وسائل الإعلام إلى صناعة الـ نحن و الآخر ، ومشروع تغييب الآخر المسلم من الخطاب العام، والكيل بمكيالي منطق الإرهاب الجهادي ومنطق الخلل العقلي في تغطية حوادث العنف، ومحاولة تبرير النيل من سمعة الإسلام أو المسلمين بضرورة حماية مبدأ حرية التعبير وفقًا للدستور الأمريكي.
وتؤكد الدراسة أن نشاط كل مؤسسة إعلامية يظل مرتبطًا بملكية رأسمالها، والتركيبة البنيوية التي تقوم عليها، وقد تَقَلَّص عدد الشركات الخمسين التي كانت تملك وسائل الإعلام المختلفة عام 1981 إلى ستِّ شركات كبرى فقط عام 2011: جي إي (General Electric)، ونيوز كورب (News Corp)، وديزني (Disney)، وفياكوم (Viacom)، وتايم وارنر (Time Warner)، وسي بي إس (CBS). وتحتكر هذه الشركات الإعلامية صياغة ما يستهلكه 277 مليونًا من الأمريكيين مقابل عائدات ضخمة بلغت قرابة 276 مليار دولار عام 2010؛ وهي بالتالي تتقاسم الفضاء الإعلامي بكافة أبعاده المالية والسياسية والثقافية أيضًا.