تتناول الحلقة الثالثة من الملف الذي أعدته لوسيل عن واقع قطاع إعادة تدوير وتصنيع النفايات غير الخطرة في الدولة، الجانب المتعلق بالإطارات المستعملة، التي تشكل عملية التخلص منها أحد أبرز التحديات البيئية في دولة قطر، خاصة في ظل تزايد أعدادها في المطامر والمكبات المخصصة لاستقبالها. ويحتوي مطمر أم الأفاعي على 9 ملايين إطار، في الوقت الذي يوجد في مكب روضة راشد نحو 3 ملايين أخرى، فيما تنتج الدولة سنوياً من 1.5 إلى 2 مليون إطار مستعمل، بحسب مصادر في البلدية والبيئة . وبلغت كمية الإطارات المستعملة التي استقبلتها مرافق إدارة معالجة النفايات بوزارة البلدية والبيئة من مكبات ومطامر، خلال الخمسة أعوام الماضية نحو 4.4 مليون إطار، وفقاً لتقارير رسمية صادرة عن البلدية والبيئة حصلت عليها لوسيل . وتتولى شركات قطاع خاص جمع الإطارات من مختلف أنحاء الدولة والتخلص منها في مكب روضة راشد، منذ إغلاق مطمر أم الأفاعي في عام 2013 أمام استقبال أي نفايات عقب شكاوى سكان المنطقة منه. مراقبون يرون أنه على الرغم من خطط الدولة الهادفة إلى تشجيع الاستثمار في هذا المجال للتخلص من تلك الإطارات التي تشكل مصدر خطر على البيئة والإنسان، إلا أن الواقع يعكس وجود مشكلات ومعوقات تهدد الاستثمارات الحالية وتمنع استقطاب أي استثمارات جديدة. ويبلغ عدد المصانع الحاصلة على تراخيص للعمل في مجال إعادة تدوير وتصنيع الإطارات في الدولة نحو 7 مصانع يتوزع تواجدها في منطقتي أم الأفاعي، ومسيعيد الصناعية، منها شركتان تعملان في مجال التدوير وإعادة التصنيع، وأخريان لا تزالان قيد الترخيص والإنشاء، فيما يقتصر نشاط بقية الشركات على تقطيع الإطارات وتحويلها إلى مسحوق أو مطاط مستصلح يتم تصديره للخارج. ورغم عدم وجود إحصاءات رسمية بشأن حجم استثمارات تلك الشركات إلا أن الأرقام التي جمعتها لوسيل تشير إلى أن الاستثمارات الخاصة بـ 5 شركات منها تقدر بنحو 320 مليون ريال. رحلة التقصي التي قامت بها لوسيل في سبيل إنجاز هذا الموضوع، كشفت عن توقف عدد من هذه الشركات عن العمل نتيجة عجزها عن مواجهة تحديات عدة أبرزها طول مدة الإجراءات وغياب الدعم الحكومي، وعدم وجود صناعات مساندة لها في السوق المحلي، فضلاً عن ضعف هامش الأرباح.
لم يدر في مخيلة مسؤولي مجموعة شاطئ البحر الذين وقَّعوا في أواخر شهر يوليو لعام 2009، عقداً مع وزارة البلدية والبيئة (البلدية والتخطيط العمراني آنذاك) لإنشاء أول مصنع من نوعه في قطر لتدوير إطارات السيارات القديمة، أنه سيأتي عليهم وقت يغلقون فيه المصنع ويعرضون المعدات للبيع، بدعوى عدم جدوى الاستثمار.
وضخت الشركة نحو 15 مليون ريال لإنشاء وتجهيز 3 خطوط إنتاج في المصنع على مساحة 20 ألف متر مربع بالقرب من مطمر أم الأفاعي (مغلق حالياً)، قبل أن يتوقف عن الإنتاج ويغلق أبوابه نهائياً في عام 2014، بحسب صقر المهندي، عضو مجلس إدارة المجموعة.
يقول المهندي لـ لوسيل : فعلياً لم نعمل سوى 6 أشهر من مدة العقد البالغة 3 سنوات، وأوقفنا العمل وعرضنا المعدات للبيع وسنقوم بإعادة الأرض إلى الدولة، لأننا وجدنا أن هامش الربح لا يستحق كل هذا العناء، خاصة في ظل معوقات وتحديات أبرزها ارتفاع تكلفة الشحن إلى الخارج وعدم وجود دعم .
الطاقة الإنتاجية للمصنع الذي كان يعمل على تقطيع الإطارات وتحويلها إلى بودرة متعددة الأحجام يتم تصديرها إلى دول مثل الصين والهند وباكستان، بلغت 20 طناً يومياً، بحسب المهندي.
مصير مصنع مجموعة شاطئ البحر، الذي يعد الاستثمار الأول من نوعه في هذا المجال، بات هاجساً يؤرق الكثير من المستثمرين في قطاع إعادة تدوير الإطارات.
الأعداد مرشحة للزيادة
يحذر مستثمرون من أن أعداد الشركات التي أغلقت أبوابها سيكون مرشحا للزيادة في ضوء استمرار ما أسموه التجاهل الرسمي للمشكلات التي تواجه رجال الأعمال في هذا القطاع.
سامي مطر، مدير مصنع الغد المشرق لإعادة تدوير الإطارات، الذي بدأ إنتاجه الفعلي في الخامس من نوفمبر الماضي عقب رحلة وصفها بالشاقة للحصول على الموافقات والتراخيص بدأت في 2011 ، يقول: في إحدى الفترات اضطررنا إلى بيع عقارات مملوكة للشركة حتى نكمل المشروع، فالاستثمار مكلف والوصول إلى مرحلة التشغيل يستغرق وقتاً طويلاً للغاية . يضيف مطر، بينما يهم بفتح جوال يحوي مسحوق المطاط يقبع في أحد أركان المصنع الواقع في منطقة مسيعيد الصناعية جنوبي الدوحة والبالغ إجمالي رأسماله 35 مليون ريال: واجهنا الكثير من المعوقات، فهناك تضارب في الاختصاصات بين شركة قطر للبترول المالكة للأرض ووزارة البلدية والبيئة كبدنا خسائر كبيرة.
يستطرد: طوال فترة تخليص الإجراءات التي استغرقت أكثر من 5 سنوات، كنا ندفع إيجار الأرض بمعدل شهري 15 ألف ريال، فضلاً عن كلفة العمالة والتحضيرات الأخرى، وهناك الكثير من المستثمرين الذين خاضوا التجربة أفلسوا في بداية المشروع أو في منتصفه وتركوا المجال . يرى مطر، أن اللائحة الاستثمارية يجب أن تكون واضحة للمستثمر منذ البداية مع ضرورة تخصيص جهة واحدة في الدولة لإنجاز كافة التراخيص والمعاملات.
مطر الذي يعتمد مصنعه على تقنية معقدة تستخلص الكبريت من المطاط للحصول على مطاط مستصلح يتم تصديره للخارج، يطالب بضرورة تدخل الدولة لدعم المستثمرين مادياً أو عبر استحداث صناعات قادرة على استيعاب منتجهم في السوق المحلي بدلا من تصديره للخارج بهامش ربح ضئيل، حسب زعمه.
حديث مطر عن هامش الربح الضئيل أيده مجدي أحمد مصطفى، مدير عام مصنع المطاط الذهبي، الذي يجري تأسيسه حالياً في مسيعيد الصناعية برأسمال 15 مليون ريال على مساحة 10 آلاف متر مربع، بقوله: تصدير الإطارات عقب تقطيعها أو تحويلها غير مجدٍ من الناحية الاقتصادية، ولابد من إعادة تصنيعها حتى يعوض الربح حجم العناء الذي يتكبده المستثمر . ويستهدف المطاط الذهبي في مرحلته الأولى من التشغيل والتي تبدأ مطلع 2017 بطاقة إنتاجية 12 ألف طن سنوياً، إعادة تدوير الإطارات الموجودة في أم الأفاعي (4 أطان في الساعة)، وتحويلها إلى مسحوق لتصديرها إلى دول المملكة العربية السعودية والصين والهند، على أن تشمل مرحلته الثانية تصنيع ذلك المسحوق بدلا من تصديره.
يعدد مصطفى، المعوقات التي واجهها المصنع للوصول إلى المرحلة الحالية قائلاً: بدأنا رحلة الحصول على التراخيص منذ 5 سنوات، وكانت هناك معوقات إدارية كثيرة أطالت من فترة الإنشاء، فضلاً عن طول إجراءات الحصول على التمويل من البنك والتي استغرقت نحو 10 أشهر .
شروط غير واقعية
لقاءات وجولات لوسيل الميدانية كشفت عن أن تلك المشكلات لم تقتصر فقط على نشاط المصانع العاملة في مجال إعادة تدوير وتصنيع الإطارات، بل طالت الورش الموجودة في أم الأفاعي وروضة راشد والتابعة لشركات تعمل في تقطيع الإطارات وتصديرها للخارج أو توريدها للمصانع المحلية.
ولا تتوافر إحصاءات رسمية بشأن أعداد تلك الورش، إلا أن تقارير رسمية اطلعت لوسيل عليها ذكرت أن الشركات العاملة في أم الأفاعي تقوم بتقطيع 25.34 طن يومياً، فيما تبلغ طاقة الشركات الموجودة بروضة راشد 42.23 طن يومياً.
يقول مصطفى: قبل التفكير في إنشاء المصنع كانت لدينا ورشة في أم الأفاعي لتقطيع الإطارات وتصديرها بدأت العمل في يونيو 2015 لكننا أغلقناها في نفس الشهر من العام الجاري عقب خسارة 400 ألف ريال، لعجزنا عن تنفيذ شروط البلدية والبيئة من جانب، وارتفاع كلفة الشحن للخارج فضلا عن كون تكلفة الإنتاج أكثر من تكلفة البيع من جانب آخر . وتشترط البلدية والبيئة على الشركات الراغبة في تدوير الإطارات التخلص من 500 إطار يومياً بما يعادل 750 طنا شهرياً، ودفع مبلغ تأميني يقدر بنحو 100 ألف ريال إلى جانب قيمة إيجار أرض بلا مرافق في أم الأفاعي.
تلك الشروط يراها كل من مصطفى ومحمد قباني، مدير مصنع الهديفي لإعادة تدوير الإطارات، غير واقعية وتعد سبباً مباشراً لإغلاق الكثير من هذه الورش والمصانع، نظراً لأن التخلص من تلك الكمية بالمعدلات المطلوبة يؤدي إلى تراكم الإنتاج.
قباني الذي يدير المصنع البالغ إجمالي استثماره 55 مليون ريال، وهو الوحيد القائم حتى الآن في منطقة أم الأفاعي عقب إغلاق مصنع شاطئ البحر المجاور له، يقول: كنا مصنعين ولم يتبق سوى مصنعنا، وكانت هناك ورش تقطيع تقدر بأكثر من 20 ورشة لكنها أغلقت وأوقفت نشاطها بعدما تكبدت خسائر فادحة نتيجة لشروط البلدية والبيئة وارتفاع تكاليف الإنتاج والشحن .
الدعم المادي ضرورة
يدلل قباني ، ذلك الشاب الثلاثيني، على مزاعمه تلك بقوله: نتيجة لتلك الشروط والتحديات صرنا نعمل لفترة ونتوقف فترة أخرى لحين تصريف مخزون الإنتاج في السوق المحلي والخارجي . ويعمل الهديفي للتدوير الذي تمكن من تدوير نحو مليون إطار منذ افتتاحه نهاية عام 2010، على التخلص من الإطارات بتدويرها وتحويلها إلى بودرة متنوعة الأحجام بواسطة خط إنتاج، قبل إعادة تصنيعها عبر خطين آخرين وإنتاج مواد مطاطية تستخدم في مشروعات الطرق أو أرضيات الملاعب والحدائق.
يتفق قباني مع مطر في مطلبه بشأن ضرورة قيام الدولة بدعم المستثمرين مادياً، لضمان استمراريتهم في السوق ومساندتهم على مواجهة مختلف التحديات، أسوة بما يحدث في الكثير من البلدان الأوروبية.
المستثمر ينفق من لحمه الحي وما زال يخسر، وهذا الاستثمار مربح فقط طالما دعمته الدولة مادياً مع مراعاة ربط ذلك الدعم بإنتاجية كل مصنع أو ورشة وبتكلفة الإنتاج والتقنيات والمعدات المستخدمة، فالمصنع ذو التقنية الألمانية ينتج الطن الواحد بتكلفة 200 دولار، ناهيك عن مصروفات الكهرباء والماء والعمالة وغيرها ، هكذا قال قباني .