اعلن مصرف قطر المركزي ليلة الاربعاء قراره برفع اسعار الفائدة الرئيسية المتعلقة بالايداع وبالاقراض وباعادة الشراء، موضحا في قراره ان هذا القرار جاء بناء على المعطيات الاقتصادية المحلية والدولية، وعليه تقرر رفع سعر فائدة المصرف للإيداع بـ50 نقطة أساس ليصبح 1.50%، ورفع سعر فائدة الإقراض من المصرف بـ25 نقطة أساس ليصبح 2.75%، ورفع سعر إعادة الشراء او ما تعرف اختصارا في المنظومة المصرفية باعادة الشراء بـ50 نقطة أساس ليصبح 1.75%.
وجاءت زيادة سعر الفائدة على الايداع لدى مصرف قطر المركزي متزامنة مع قيام الفيدرالي الامريكي، برفع اسعار الفائدة للمرة الثالثة على التوالي خلال هذا العام بعد تبين تعافي للمؤشرات الاقتصادية، مع توقعات بان يواصل الفيدرالي الامريكي سياسة رفع اسعار الفائدة الامريكية نهاية العام الجاري، في خطوة منه من اجل السيطرة على التضخم المشط في الاسعار والذي يهدد الاقتصاد الامريكي والعالمي بركود ضخمي، بمعنى تكدس السلع وارتفاع المعروض مقابل شح في الطلب نتيجة الارتفاع القياسي وغير المسبوق في مختلف الاسعار وبالاخص السلع الاساسية والاولوية والتي يكون لها انعكاس مباشر وغير مباشر على بقية مخرجات وسلاسل الانتاج وعلى رأسها ارتفاع اسعار النفط.
الى ذلك، فانه من المترقب ان تشرع البنوك والمصارف الاسلامية العاملة في الدولة بداية من الاسبوع المقبل وتحديدا بعد العودة من اجازة عيد الفطر في تعديل اسعار الفائدة وهوامش الربح على الايداع بما يتوافق مع الزيادة الحاصلة على سعر الفائدة لدى مصرف قطر المركزي.
الى ذلك، فان تحرير مصرف قطر المركزي لهذه الادوات بصفة متزامنة يعكس الاستراتيجية التي ينتجها مصرف قطر المركزي، من خلال العمل
على تحقيق المعادلة الاقتصادية المتوازنة في الاقتصاد، فعلى سبيل المثال لو اقتصر رفع اسعار الفائدة على الاقراض واعادة الشراء دون تحريك سعر الايداع فان ذلك من شإنه ان يؤثر على السيولة المحلية في الجهاز المصرفي من جهة بالاضافة الى الدخول في انكماش اقتصادي حاد، ونفس الشيء اذا ما قام برفع اسعار الايداع دون بقية الاسعار الاخرى، فانه سوف يسحب السيولة التي كانت متجهة الى السوق وبالاخص سوق الاسهم.
توجد مجموعة من العوامل الرئيسية التي يستند فيها تحريك مصرف قطر المركزي لاسعار الفائدة المركزية، وعلى رأس تلك العوامل هو ارتباط الريال القطري بالدولار الامريكي، حيث يرتبط الريال القطري منذ عام 1981 مع الدولار الأمريكي في مستوى ثابت ومحدد عند سقف السعر الرسمي الذي يساوي 3.64 ريال لكل دولار أمريكي مع السماح بهامش تذبذب رسمي لا يتجاوز 0.24% صعودا ونزولا، حيث ظل تحرك العملة الوطنية مقابل الدولار الأمريكي مستقرا عند سعر التثبيت، حتى في ظل التحديات والمتغيرات الاقتصادية المختلفة. وتضاف الى تلك العوامل المحافظة على استقرار الريال القطري من المضاربة عليه في الاسواق العالمية، كما ان تسعير النفط هو بالدولار الامريكي، الى جانب ذلك تحقيق اكبر قدر ممكن من الثقة في الاقتصاد القطري مع جذب العديد من التدفقات النقدية الاجنبية الى الجهاز المصرفي عبر اوعية الايداع غير المقيم، بالاضافة الى تمتين السيولة المحلية والسيطرة على مؤشر التضخم المحلي عند المستويات المسموح بها.
وسيكون لتحريك سعر الفائدة علي الإيداع لدى مصرف قطر المركزي انعكاسات إيجابية على القطاع المصرفي القطري بشكل عام إلى جانب أنه سيعزز من مكانة الريال القطري خلال الفترة المقبلة وخاصة مع توقعات بتواصل تحقيق مستويات عالية من النمو الاقتصادي على المدى المتوسط، في وقت تشير فيه التوقعات ان يحقق الاقتصاد القطري العام الجاري نموا في الناتج المحلي قد يتخطى نسبة 2.8% وتصدر بذلك مستويات نمو اقتصاديات المنطقة من حيث سرعة النمو، حيث ستكون دولة قطر في المراتب الأولى على مستوى دول الخليج من ارتفاع وتيرة النمو.
ويمكن تلخيص أبرز الانعكاسات الإيجابية لرفع أسعار الفائدة على الإيداع من قبل مصرف قطر المركزي المسؤول بدرجة أولى عن السياسة النقدية في الدولة في أربع نقاط رئيسية. الأولى هي أنه من المتوقع أن يتعزز نسق الإقبال على الإيداع بالعملة الوطنية أي بالريال القطري خاصة أن نسبة الإيداع بين البنوك أو بين البنوك والعملاء ستكون أعلى من نسبة الإيداع الرسمي، حيث ستنجح البنوك في المرحلة المقبلة في استقطاب حجم كبير من الإيداعات وبشكل خاص من قبل القطاع الخاص من شركات ضخمة وعملاقة وبالتالي تتعزز الأنشطة التشغيلية للبنوك القطرية بما يمكنها من تحقيق أرباح ملحوظة بداية من الربع الثالث من العام الجاري على أن تكون جلية بشكل كبير خلال الربع الرابع من العام الجاري.
أما النقطة الإيجابية الثانية التي ستكون نتيجة حتمية لرفع سعر الفائدة على الايداع، هي أنه من المنتظر ان نشهد تدفقات نقدية أجنبية إلى داخل الجهاز المصرفي في دولة قطر، حيث يتوقع أن ترتفع الودائع غير المقيمة لدى البنوك والمصارف الإسلامية العاملة في دولة قطر خاصة ان نسبة الإيداع محفزة لقطاع الأعمال وتمكن من جذب الاستثمارات الأجنبية المتنوعة إلى داخل دولة قطر وبما يضمن تدفقات مالية ونقدية ضخمة خلال الفترة المقبلة في ظل انتعاشة أسواق النفط العالمية. إلى أبعد من ذلك فإن ارتفاع الإيداع سيوازيه ارتفاع وتوسع في تمويل الأنشطة والقطاعات الرئيسية والمشاريع التي يتم تنفيذها في الدولة سواء من قبل القطاع الخاص او من قبل القطاع العام والدولة وبالتالي سيكون مناسبة مهمة للسيطرة على نسبة الاقراض الى الايداع والعودة بها الى مستوى طبيعة ومقبولة، خاصة ان التوجه خلال الفترة الماضية كان نحو السيطرة على هذه النسبة عند المستوى الطبيعي بما يساهم في تدعيم منظومة الاستقرار المالي في الدولة.
وبالنسبة للنقطة الثالثة التي تتعلق بالانعكاسات الإيجابية لرفع سعر الفائدة على الإيداع هو أن ذلك سيعزز من مكاسب الريال القطري ومن قوته في الأسواق العالمية كما أنه يحد من أية عمليات مضاربة عليه بما يستنزف الاحتياطيات الدولية التي تحوزها دولة قطر، خاصة أن الريال القطري مثلما أسلفنا يرتبط بالدولار الأمريكي عند مستوى تثبيت محدد من قبل مصرف قطر المركزي الذي يعمل على الحفاظ على سعر التثبيت الرسمي كما يعمل على متابعة سعر صرف الريال القطري نظير الدولار الأمريكي في الأسواق العالمية.
أما النقطة الرابعة فهي ارتفاع السيولة المحلية داخل الجهاز المصرفي والتي تعرف بعرض النقد بمفهومه الواسع والذي يشمل الإيداعات النقدية إلى جانب النقد المتداول في السوق.
رفع مصرف قطر المركزي كذلك اسعار اتفاقية إعادة الشراء، والمعروفة أيضًا باسم اتفاقية الريبو، أو اتفاقية البيع وإعادة الشراء، هي شكل من أشكال الاقتراض قصير الأجل خاصة في الاوراق المالية الحكومية، ويكون بين البنك المركزي والبنوك الاخرى، أو البنوك بين بعضها، حيث تكون هناك عمليات اقتراض فيما بينها بضمان الاصول واعادة شرائها مع تحصيل نسبة محددة على تلك العمليات التي تكون على مدى قصير عادة لليلة واحدة فما فوق، حيث تكون اغلب العمليات ليلة واحدة وبأقصى حد لثلاثة اشهر. وسيكون لزيادة مصرف قطر المركزي اسعار سعر إعادة الشراء او ما تعرف اختصارا في المنظومة المصرفية باعادة الشراء بـ50 نقطة أساس ليصبح 1.75 بالمائة انعكاس على مستوى الحركة النقدية بين مصرف قطر المركزي وبقية البنوك العاملة في الدولة، حيث قد تختار البنوك والمصارف الاسلامية العاملة في الدولة على ابقاء اموالها لدى البنك المركزي او فيما بينها وبالتالي التقليل من النقد في التداول وبالتالي السيطرة على التضخم من المعروض النقدي في الجهاز المصرفي، ومنه السيطرة على مؤشر التضخم بشكل عام.
تؤكد التوقعات ان رفع اسعار الفائدة على الودائع والاقراض واعادة الشراء يأتي متناغما مع رفع الفيدرالي الامريكي لاسعار الفائدة الذي كان يعتمد اسعار الفائدة الصفرية لتحفيز الاقتصاد الامريكي، موضحا ان السياسة النقدية تهدف الى السيطرة على التضخم السلبي والايجابي عند المستويات المعتدلة الى جانب السيطرة على مستويات النمو، ولكن التساؤل الآن كيف سيكون تعاطي الاسواق المالية الخليجية في حال رفع الفيدرالي الامريكي الفائدة مرة اخرى وفي حال عودة تباطؤ اسعار النفط مجددا هل ذلك سيؤثر على اقتصاديات المنطقة. من الناحية الواقعية واسترشادا بما حدث في الاسواق الامريكية عقب الاعلان عن زيادة اسعار الفائدة، فإن الاسواق المالية وعلى وجه التحديد فانها كانت المستفيد الاول من تلك الزيادة حيث شهدت ارتفاعات ملحوظة مقارنة بالجلسات الماضية، كما ان حركة مؤشر قوة الدولار الامريكي خالفت التوقعات رغم رفع اسعار الفائدة الدولارية حيث انخفض بمقدار واحد في المائة في عمليات جني ارباح بعد ان سجل اعلى مستويات له مقابل سلة من العملات الرئيسية وفي مقدمته عملة الاتحاد الاوروبي الموحدة اليورو. بالتوازي مع ذلك، من المتوقع ان ترتفع جاذبية الاوراق المالية القطرية والمكونة من السندات والاذونات الخزانة بشكل ملحوظ خلال الفترة المقبلة محليا ودوليا نظرا لارتفاع قيمة الفائدة الدولارية على تلك الاوراق المالية وبالتالي تجذب انظار المستثمرين اليها بشكل كبير نظرا لقيمة العوائد التي ستكون عليها.