هل باتت الحرب التجارية على الأبواب بين واشنطن وبكين؟

لوسيل

الدوحة - قنا

بعد إحدى عشرة جولة من المفاوضات التجارية الصينية الأمريكية ،التي جرت في كل من بكين وواشنطن، وبعد أسابيع من التفاؤل بقرب الوصول إلى اتفاق تجاري ينظم العلاقات بين أكبر اقتصادين في العالم، ويحول دون اندلاع حرب تجارية بينهما، فاجأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الجميع في بلاده وفي الصين، ومختلف دول العالم بالإعلان عن عزمه رفع الرسوم الجمركية على بضائع صينية مستوردة بقيمة 200 مليار دولار، من 10 بالمئة إلى 25 بالمئة يوم الجمعة المقبل.


وفي تغريدتين له على تويتر أشار الرئيس ترامب أمس /الأحد/ إلى أنه سيتم أيضاً فرض رسوم جمركية بنسبة 25 بالمئة على بضائع صينية مستوردة أخرى تصل قيمتها إلى 325 مليار دولار ، وهو ما يعني أن جميع الصادرات الصينية للولايات المتحدة ستخضع لنسبة عالية من الرسوم.


ومن الواضح أن الرئيس ترامب لم يكن راضيا عن سير المفاوضات الجارية بين الدولتين منذ ديسمبر الماضي، فقد صرح بأن هذه المفاوضات ، تتقدم ببطء شديد ، وأن الصينيين يحاولون إعادة التفاوض على بعض الأمور، مؤكدا أن هذا لن يحدث. ويرى المراقبون أن الرئيس الأمريكي إنما يريد الضغط على الجانب الصيني لدفعه لتقديم تنازلات جديدة في المفاوضات بين الدولتين، لكن ضغوطه قد تأتي بنتائج عكسية تماماً، حيث ترددت في بكين تقارير إعلامية تفيد بأن كبار المسؤولين الصينيين يدرسون إلغاء المحادثات التجارية بين الطرفين، المقرر أن تجري في واشنطن هذا الأسبوع، وأضافت أن بكين تفاجأت بتحرك ترامب، وأنها لا تقبل التفاوض تحت التهديد ، لكن متحدثا باسم وزارة الشؤون الخارجية الصينية أكد أن وفداً صينياً ما زال يستعد للسفر إلى الولايات المتحدة لإجراء محادثات تجارية، إلا أنه لم يجب عن سؤال حول موعد سفر الوفد، أو ما إذا كان رئيس الوفد هو نائب رئيس الوزراء ليو هي .


واكتفى المتحدث بالقول في مؤتمر صحفي في بكين إن بلاده تحاول الآن الحصول على مزيد من المعلومات بشأن الوضع المتعلق بالمفاوضات التجارية.


وقد كان من المقرر أن يصل ليو إلى واشنطن يوم الأربعاء المقبل مع وفد يضم نحو 100 عضو، بعد أن زار الممثل التجاري الأمريكي روبرت لايتيزر ووزير الخزانة ستيفن منوشين بكين الأسبوع الماضي، وأجريا هناك محادثات وصفاها بأنها مثمرة، وليس من الواضح حتى الآن ما إذا كان تهديد ترامب تكتيكاً للتفاوض، أو هو انعكاس لمخاوف أعمق، ورأت مصادر اقتصادية في واشنطن أن قرار ترامب كان يهدف إلى بعث رسالة إلى ليو بعدم المجيء إلى واشنطن إذا كان ما يحمله هو المزيد مما تعتبره الولايات المتحدة عروضاً فارغة .


وأضافت أن واشنطن كانت تتطلع لأن يكون العاشر من الشهر الجاري موعداً للإعلان عن صفقة، يتم الانتهاء منها وتوقيعها من قبل ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ في وقت لاحق في قمة رسمية.


وللوصول إلى هذه الصفقة وافق ترامب وشي على هدنة تجارية بينهما في ديسمبر الماضي، ما سمح لكبار المسؤولين بإطلاق جولات من المفاوضات المكثفة للتوصل إلى اتفاق يعالج المخاوف والشكاوى الأمريكية من الفائض التجاري لصالح الصين، وقيام بكين بما تسميه واشنطن سرقة الملكية الفكرية والاستيلاء على التكنولوجيا بشكل قسري .

وساعدت الهدنة بين واشنطن وبكين في تهدئة مخاوف المستثمرين الذين كانوا يخشون حدوث تصعيد إضافي في الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم، والتي شملت فرض رسوم جمركية متبادلة على بضائع صينية وأمريكية قيمتها 360 مليار دولار.


وكان من المرجح أن تكون الجولة المقبلة من المفاوضات هي الأخيرة وأن يتم بعدها الإعلان عن الخطوط العريضة لاتفاق تجاري، يسمح لواشنطن بالحد من العجز الهائل في الميزان التجاري الامريكي تجاه بكين الذي بلغ 378,73 مليار دولار عام 2018.


وسائل الإعلام الصينية تجاهلت بشكل شبه كامل تغريدات الرئيس ترامب الخاصة برفع الرسوم الجمركية على البضائع الصينية، لكن هذه التغريدات هزت الأسواق الصينية ما دفع أسهمها إلى الخسارة الأكبر خلال شهرين، وتسببت في أكبر انخفاض في قيمة اليوان خلال ثلاث سنوات. لكن من غير المرجح /كما يقول المحللون/ أن يكون هذا التراجع كافياً لزعزعة موقف بكين.


ويضيف المحللون أن العقدة التي تواجه المفاوضات التجارية هي مسألة التثبت من وفاء بكين بوعودها . وأضافوا أن واشنطن رفضت الاكتفاء هذه المرة بالنوايا الطيبة، وأصرت على أن ترفق الصين التزاماتها بآلية للتثبت. مع الاحتفاظ بحق فرض رسوم جمركية، في حال مخالفة بكين شروط الاتفاق. وقد أقر المسؤولون الصينيون بأهمية آلية التنفيذ، لكنهم يقولون إنها يجب أن تسري في الاتجاهين لا أن تضع قيودا على الصين وحدها.


وعلى الرغم من تأكيدات ترامب بأن الرسوم الأمريكية على البضائع الصينية لم يكن لها تأثير يذكر على تكلفة المنتجات أظهرت إحدى الدراسات الأمريكية أن الحرب التجارية بين أمريكا والصين تكلف المستهلكين الأمريكيين 4ر1 مليار دولار شهريا. كما لفت المجلس الاقتصادي الصيني الأمريكي إلى تضرر العديد من الشركات العاملة في الولايات الأمريكية المصدرة إلى الصين وفي طليعتها ألاباما وإيلينوي وواشنطن، جراء الرسوم الجمركية المشددة التي فرضتها الصين على واردات الصويا واللحوم والصناعات المرتبطة بالطيران.


ويعتقد المراقبون أن الخطوة الأخيرة التي اتخذها ترامب تزيد من دوره وتأثيره الاقتصادي لكنها لن تدفع الصين إلى الاستسلام لشروطه. وقد يضطر الرئيس الأمريكي إلى الاختيار بين دعم أسواق الأسهم الأمريكية وإعاقة الاقتصاد الصيني بما يكفي لجعل بكين تراجع موقفها في النزاع التجاري المستمر بين البلدين.


وبصفتها ثاني أكبر اقتصاد في العالم وأكبر شريك تجاري لأمريكا، فإن لصحة الاقتصاد الصيني آثارا كبيرة على النمو والأسواق العالمية، فضلاً عن الآثار السلبية لأي إجراءات صينية مضادة.


ووفقا لبعض الخبراء، فإن التراجع في العلاقات بين الولايات المتحدة والصين قد لا يبشر بالخير لحوار ترامب النووي مع بيونج يانج. وقالوا إن الصين تستطيع استخدام علاقاتها مع كوريا الشمالية كشكل من أشكال التأثير على موقف واشنطن وخاصة في الإطار التجاري.