

د. سعود العذبة: القانون نص على صفات يجب أن يتمتع بها المرشح للمجلس
د. محمود عبدالعزيز: الخبرة مطلوبة.. والتمرس على العمل السياسي أمر مرغوب
تواصل لجنة المرشحين دراسة طلبات الاعتراض والتظلم على قيد المرشحين لانتخابات مجلس الشورى التي تلقتها اللجنة في مقرها الكائن بجامعة قطر طوال أيام الأسبوع الماضي، تمهيداً للفصل فيها وإعلان الكشوف النهائية المعتمدة للمرشحين يوم الثلاثاء 15 سبتمبر الجاري.
أشاد عدد من المواطنين والخبراء عبر «العرب» بمنح الفرصة لكل من الناخبين والمرشحين لتقديم الاعتراض أو التظلم من الكشوف الأولية لكل فئة، ودراستها دراسة وافية من قبل اللجنة المختصة قبل إصدار الكشوف النهائية المعتمدة، لضمان تعزيز العدالة في صون حقوق الناخبين والمرشحين على السواء.

انتقاء الصفوة
وقال الدكتور المحامي سعود سعدون جابر العذبة، إن القانون نص على صفات يجب أن يتمتع بها المرشح لانتخابات مجلس الشورى وذلك لانتقاء الصفوة من المرشحين الذين سيمثلون المجتمع في أعلى هيئة تشريعية في البلاد، مشيرا إلى أن ثلث أعضاء المجلس الذين سيتم تعيينهم من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، سيكونون مكملين للأعضاء المنتخبين بما يثري عمل المجلس وجلسات النقاش بالتشريعات التي تخدم المجتمع.
ونوه الدكتور العذبة بأن تقارير اللجان الدائمة في مجلس الشورى تتناول العديد من المشاريع والقوانين الحيوية التي تحال إلى المجلس من قبل الحكومة الموقرة، والتي بلا شك تدعم مسيرة النهضة والتنمية المستدامة التي تعمل عليها دولة قطر وتشمل كافة مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها من المجالات.
وأوضح الدكتور العذبة أن التشريع يتضمن الاستعانة بتقارير هذه اللجان المتخصصة، وهي لجنة الشؤون القانونية والتشريعية، لجنة الشؤون المالية والاقتصادية، لجنة الخدمات والمرافق العامة، لجنة الشؤون الداخلية والخارجية ولجنة الشؤون الثقافية والإعلام، مؤكدا أن العديد من أعضاء اللجان في المجلس يغلب عليهم الطابع المهني والخبرة في المجالات التي تتناسب مع هذه اللجان والتي تقترح بعض التشريعات أو تحديثها بما يساهم في خدمة الصالح العام، قبل أن تتم دراستها دراسة وافية من قبل اللجنة المعنية تمهيداً للوصول إلى توصيات تلامس المتطلبات الآنية والمستقبلية للمواطنين، ثم تعرض هذا الاقتراح على مجلس الشورى، حيث يتم التصويت عليها للأخذ بها إذا وافق الأعضاء ليتم رفعها للحكومة حسب الآلية المتبعة.

الاختيار في الفقه
من جهته، قدم أ.د محمود عبدالعزيز يوسف، أستاذ الفقه والسياسة الشرعية، رؤية لاختيار نائب الشورى «أهل الحَل والعَقد» من المنظور الإسلامي، مؤكدا أنه لا ينبغي الاعتماد على النزعة العائلية، ولا الحمية، ولا العصبيات، ولا المصالح الضيقة، وسُبُل الاختيار في الفقه الإسلامي تختلف تماما عن طرائق الاختيار في الأنظمة الوضعية. ذلك أننا نتعبد لله عز وجل باختيار نائب الشورى، فهو اختيار تعبدي، وليس اختيارا دنيويا محضا، لأن الدنيا في الإسلام تنبثق وتسير حسب ما يمليه الدين من ملامح كلية وخيوط عامة، وفي الفقه الإسلامي يجب أن يكون الرجل المناسب في المكان المناسب، ويجب أن يتم اختيار الكفاءات ولا مكان للمحسوبيات والقرابة ونحوها.
السياسة الشرعية
وأضاف د. محمود: في السياسة الشرعية لشيخ الإسلام ابن تيمية، يخبرنا أنه لو وُجد قائدان أحدهما شجاع متمرس على فنون القتال ويخوض المعارك بحنكة ودربة، لكنه فاجر، والآخر تقي ورع ولا باع له في فنون الحروب وأزقة القتال، مثل ما للأول، فالأولى أن نقدم الفاجر المتمرس لأن فجوره على نفسه وحنكته في الحروب لصالح المسلمين. في حين أن الثاني تقاه وورعه لنفسه وضعفه وخوره على المسلمين. وهذه سياسة فائقة ونظرة متأنية من شيخ الإسلام ابن تيمية. فلا شك أن الخبرة مطلوبة وأن التمرس على العمل السياسي أمر مرغوبٌ فيه أثناء مرحلة الاختيار.
تولية الأصلح
وأشار أستاذ الفقه والسياسة الشرعية إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم ولّى خالدا إمارة الجيوش والفتوحات الإسلامية، وقبل موته صلى الله عليه وسلم ولي أسامة بن زيد وهو لم يبلغ العشرين بعد، إمارة جيش جرار من جيوش المسلمين، ومن تحته عمر وعثمان وعلي وخالد وسعد وكبار الصحابة ورؤوس القوم، لكفاءته الحربية، وحماسته الشبابية، لكن عندما تم اختيار الخليفة، فلم يختاروا خالد بن الوليد ولا أسامة بن زيد، وهنا لمحة مهمة جدا، وهي أن العقل الجمعي للأمة المحمدية المشرفة عقلٌ يغربل ويختار ويسبر وينقح، ثم يولي الأصلح.
ولفت إلى أن التخصص أمرٌ مهم عند الأمة المحمدية، فخالد بن الوليد انتصر في معارك حربية في غاية الخطورة لكن مع ذلك لم يتول الخلافة ولم نسمع أحدا يطالب بذلك.
وتابع: كان من الصحابة العُباد، وكان منهم العلماء، وكان منهم السياسيون البارعون، ومنهم القادة وأمراء الجند وقادة الكتائب والفصائل، ولم يتدخل أحدٌ في عمل أحد، ولم يترك أحدُهم ثغره ليرابط على ثغر غيره، لأن الكل في المكان الذي هو فيه يدري جيدا أنه ينافح عن دينه وأنه إذا ما أحسن النية وصفّاها فسوف يكون الأفضل. الكل يلج الأزقة التي يدريها، والتي لا يعرف مكامنها يتزحزح عنها. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وينبغي أن يعرف الأصلح في كل منصب، فإن الولاية لها ركنان: القوة والأمانة. كما قال تعالى: «إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ». وقال العزيز ليوسف عليه السلام: «إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ». وقال تعالى في صفة جبريل: «إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ». والقوة في كل ولاية بحسبها؛ فالقوة في الحرب ترجع إلى شجاعة القلب، وإلى الخبرة بالحروب، والمخادعة فيها، فإن الحرب خُدعة، والقدرة على أنواع القتال: من رَمي وطَعن وضَرب وركوب، وكر، وفر، ونحو ذلك».
وتابع أستاذ الفقه والسياسة الشرعية: كما يقول العز بن عبد السلام رحمه الله: «وَالضَّابِطُ فِي الْوِلَايَاتِ كُلِّهَا أَنَّا لَا نُقَدِّمُ فِيهَا إلَّا أَقْوَمَ النَّاسِ بِجَلْبِ مَصَالِحِهَا وَدَرْءِ مَفَاسِدِهَا، فَيُقَدَّمُ فِي الْأَقْوَمِ بِأَركَانِهَا وَشَرَائِطِهَا، عَلَى الْأَقوَمِ بِسُنَنِهَا وَآدَابِهَا، فَيُقَدَّمُ فِي الْإِقَامَةِ الْفَقِيهُ عَلَى الْقَارِئِ، وَالْأَفْقَهُ عَلَى الْأَقْرَأِ؛ لِأَنَّ الْفَقِيهَ أَعرَفُ بِاختِلَالِ الْأَركَانِ وَالشَّرَائِطِ، وَبِمَا يَطْرَأُ عَلَى الصَّلَاةِ مِن الْمُفْسِدَاتِ، وَكَذَلِكَ يُقَدَّمُ الْوَرِعُ عَلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّ وَرَعَهُ يَحُثُّهُ عَلَى إكْمَالِ الشَّرَائِطِ وَالسُّنَنِ وَالْأَرْكَانِ».
أقوال العلماء في اختيار الأصلح
لقد صار علماء الأمة على هدي القرآن والسنة في ضرورة مراعاة الأصلح لأي وظيفة أو مهمة وجعله المعيار الأهم في الاختيار ونذكر من هؤلاء العلماء من يلي:
الأول: أبو الحسن الماوردي رحمه الله.
ويقول رحمه الله: فَأَمَّا أَهْلُ الِاخْتِيَارِ فَالشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِيهِمْ ثَلَاثَةٌ:
أَحَدُهَا الْعَدَالَةُ الْجَامِعَةُ لِشُرُوطِهَا.
وَالثَّانِي: الْعِلْمُ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى مَعْرِفَةِ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْولاية عَلَى الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِيهَا.
وَالثَّالِثُ: الرَّأْيُ وَالْحِكْمَةُ الْمُؤَدِّيَانِ إلَى اخْتِيَارِ مَنْ هُوَ لِلْولاية أَصْلَحُ وَبِتَدْبِيرِ الْمَصَالِحِ أَقْوَمُ وَأَعْرَفُ». (الأحكام السلطانية 1/ 4).