السياحة العالمية .. خطوات بطيئة على طريق الانتعاش والتعافي

لوسيل

الدوحة - قنا

تعد السياحة الدولية من أكبر القطاعات التي مُنيت بخسائر فادحة جراء جائحة /كوفيد-19/ ، فقد عطلت شركات السفر والطيران والضيافة والفنادق، وأغلقت الحدود وألغت الأحداث والفعاليات والأنشطة المتنوعة ، وعزلت الناس بالمنازل على نطاق واسع ، الأمر الذي دفع صناعة السياحة نحو الانهيار. وكان الجهد العالمي مع بداية انتشار الوباء منصبا على إنقاذ الأرواح ، لكن الوجه الآخر للجائحة شكًل كارثة اقتصادية ، خاصة لصناعة تستفيد من السفر والترحال ومغادرة الناس لبيوتهم ، وكان الجرح الذي أحدثه الوباء بصناعة السفر غائرا وعميقا ولم يتوقف عن النزيف حتى اليوم .

قبل الوباء وخلال عام 2019 ، ساهم السفر والسياحة بمبلغ مذهل قدره 8.9 تريليون دولار بالناتج المحلي الإجمالي العالمي - وهو رقم ضخم للغاية، ثم أطل وباء كورونا برأسه ، ملحقاً الخراب بالسياحة والأعمال التي تركز على السفر من كل نوع يمكن تصوره.

فقد انخفضت أعداد السياح خلال العام الماضي بنسبة تزيد على سبعين بالمائة ، ولحقت بالقطاع السياحي وتوابعه خسائر تصل إلى 2.4 تريليون دولار، وفقد عشرات الملايين من العاملين بهذا القطاع وظائفهم ، وعلى الرغم من بداية فصل الصيف وقيام العديد من البلدان بفتح قطاعاتها السياحية أمام الزوار إلا أن الحركة السياحية لم تعد كما كانت عليه بالسابق فقد تغير المشهد كثيرا ، فالمخاوف لاتزال قائمة والقيود والمتطلبات الصحية تحتل مركز الصدارة .

وتوقعت تقارير دولية أن تشهد أعداد السياح على المستوى العالمي ركوداً هذا العام باستثناء بعض الأسواق الغربية ، واستبعدت انتعاش السياحة بالكامل قبل عام 2023، وتعرض التقارير ثلاثة سيناريوهات محتملة لقطاع السياحة هذا العام ، يعكس أكثرها تشاؤما تراجع أعداد السياح بنسبة تتراوح بين ثلاثة وستين بالمئة، وخمسة وسبعين بالمئة عن مستوياتها قبل الجائحة ، ما يعني خسائر تتراوح بين 1.7 و2.4 تريليون دولار، وتراجع السياحة العالمية لمستوياتها قبل 30 عاما.

وترى الدراسات المتخصصة أن إنقاذ بعض هذه المليارات يعتمد على توقيت وكيفية إعادة فتح العالم أمام الأنشطة المختلفة، وتشير إلى أن التطعيم ضد فيروس /كوفيد-19/ ، والحصول على شهادات بذلك أمر حيوي لاستعادة الثقة بالسياحة الخارجية ، التي توفر شريان حياة للعديد من الدول، خاصة الجزر الصغيرة التي تعتمد بدرجة كبيرة على قطاع السياحة ، لتوفير فرص العمل لمواطنيها، وتتوقع الدراسات بعض الانتعاش خلال النصف الثاني من هذا العام، على الأقل بأمريكا الشمالية وأوروبا بدرجة معينة ، وترجع الفضل بذلك للتطعيمات ضد الفيروس.

ووفقًا لتقرير صادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية /الأونكتاد/، يعادل الدخل المحتمل الضائع المرتبط بالسياحة خلال عام 2021 تأثير إيقاف تشغيل خمسة وثمانين بالمائة من اقتصاد المملكة المتحدة ، أما الخسائر المتوقعة خلال عامي 2020 و 2021 ، معا فقد تعادل إخراج ألمانيا من الاقتصاد العالمي لمدة عامين. ويرجح /الأونكتاد/ أن تعاني البلدان النامية أكثر من غيرها هذا العام ، وترى أن الدول ذات معدلات التطعيم المنخفضة لن تشهد أي تحسن ، أما تلك التي لديها معدلات تطعيم عالية فستشهد انتعاشا سياحيا ملموسا.

وتقول منظمة السياحة العالمية ومقرها العاصمة الإسبانية مدريد ، إن الإيرادات المفقودة العام الماضي بلغت أكثر من 11 ضعف الخسائر المسجلة خلال الأزمة الاقتصادية العالمية لعام 2009 ، محذرة من أن ما بين 100 و 120 مليون وظيفة سياحية مباشرة معرضة للخطر.

والسياحة بحقيقتها وجوهرها ، هي أكثر من مجرد زيارة المعالم الثقافية والتاريخية والأسواق والمتاحف أو السباحة على الشواطئ الساحرة ، أو الاستمتاع بالطقس الرائع والمناظر الطبيعية الخلابة ، لكنها تشكل محرّكًا أساسياً للاقتصاد العالمي، وتستأثر بسبعة بالمائة من التجارة الدولية، حيث توظف واحدا من بين كل عشرة أشخاص على وجه المعمورة، وتوفر سبل العيش لملايين آخرين، دون الحاجة إلى الهجرة والاغتراب.

وتوفر الأزمة الراهنة فرصةً للنظر بتنمية السياحة وفق المستجدات والمتطلبات الصحية الجديدة، وتعزيز شعور السياح بالأمان ، وقد بات من الضروري بالنسبة للوجهات والمعالم السياحية والفنادق وشركات الطيران وما إلى ذلك، أن تثبت للزوار والرواد أنها تبذل قصارى جهدها ، لتقليل المخاطر أثناء سفرهم وحتى وصولهم .

فقد غيرت الجائحة طبيعة السفر والسياحة من عدة اتجاهات، حيث جلبت معها عناصر جديدة منها ، الكمامات وأقنعة الوجه ، ومسافات التباعد الجسدي ، والتطعيم والحجر الصحي ، والفحوصات الإلزامية لدرجة الحرارة ، ولتحفيز الثقة لجأت بعض البلدان إلى حلول ومبادرات تقنية جديدة تشمل مبادئ توجيهية لأماكن الإقامة وفق نظام من أربع مستويات يحدد المخاطر ومتطلبات الدخول المختلفة، وجوازات سفر رقمية لفيروس كورونا ، وخرائط تفاعلية لتحديد مواقع منظمي الرحلات المتخصصين ، وتطبيقات للأجهزة الذكية تدعم التحول الرقمي وتوفر معلومات مخصصة بشأن /كوفيد-19/، وخدمات مبتكرة وخطوط مساعدة مخصصة للسياح ، وأختام تدل على سلامة الأنشطة السياحية التي تتوافق مع متطلبات الوقاية من الفيروس ، وإشارة مرور للسياحة، اعتماداً على مناطق انتشار الوباء ، تحدد أماكن الإقامة والمنتجعات الصحية والمطاعم والتجمعات الكبيرة الآمنة .

لقد بُذل الكثير من الجهد لجعل السفر العالمي الآمن أمراً ممكنا وميسورا ، لكن الأزمة لم تنته بعد ، فالعديد من البلدان تعيد فرض قيود سفر أكثر صرامة مثل الحجر الصحي والاختبار الإلزامي وإغلاق الحدود بالكامل ، بسبب الطبيعة المتطورة للوباء ، لكن الاستمرار بإطلاق اللقاحات العالمية وعلى نطاق واسع ، يوفر آمالا عريضة بتخفيف القيود وإمكانية عودة القطاع السياحي لسابق عهده.