يعتبر اتفاق منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) التاريخي بخفض الإنتاج بنحو 1.2 مليون برميل يوميا، في أول اتفاق للمنظمة منذ ثماني سنوات خطوة كبيرة في تاريخ المنظمة، ومن المنتظر أن يساهم بشكل كبير في إعادة التوازن للسوق العالمي الذي اهتز كثيراً بسبب الصدمة الكبرى التي تعرض لها خلال السنتين الماضيتين.
الاتفاق في حد ذاته يحسب لرئاسة الأوبك في دورتها الحالية التي يترأسها سعادة الدكتور محمد بن صالح السادة وزير الطاقة والصناعة، فالرجل أمضى هذا العام في جولات مكوكية حول الدول المنتجة لإقناعها باتخاذ خطوات جادة لاستعادة التوازن للسوق العالمي، وجهود السادة هي جزء من الجهود الدبلوماسية التي بذلتها قطر في هذا الاتجاه.
وكان السادة قد ذكر في المؤتمر الصحفي للأوبك، أن هذا الاتفاق التاريخي هو نتاج الدعم الكبير والمستمر والسياسة الحكيمة لحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، حفظه الله ورعاه، والتي أكسبت دولة قطر ثقة الدول الأعضاء في المنظمة وخارجها، والتي أعربت بدورها عن تقديرها الكبير للدبلوماسية القطرية التي بذلت خلال العامين الحالي والماضي قبل توليها الرئاسة، جهودا كبيرة لتنسيق المواقف وتقريب وجهات النظر، مما حظي بقبول المجتمع الدولي، خاصة الدول المنتجة للنفط من داخل المنظمة ومن خارجها، وساهم في التوصل إلى هذا القرار التاريخي الذي أظهر للعالم أجمع أن منظمة أوبك قد أخذت على عاتقها مسؤولية إعادة التوازن إلى السوق وخفض الفائض العالمي من النفط بما يخدم الاقتصاد العالمي قبل اقتصاديات الدول الأعضاء.
تجاوز الخلافات
الاقتصادي المصرفي السعودي، عبد الرحمن بن أحمد القبيعي، يرى أن اجتماع فيينا نجح في الابتعاد عن الخلافات السياسية والخروج بقرار مهم وتاريخي وإلى توافق اقتصادي بخفض مستويات الإنتاج للمرة الأولى منذ 8 سنوات، حيث إنه وقبل اتخاذ القرار ارتفعت أسعار النفط 8% تقريبا.
ويذهب القبيعي في أن الدول المنتجة للنفط ستخرج جزئيا من العجز بميزانياتها إلى وضع أفضل، كما قد تعهدت بعض الدول من خارج المنظمة كروسيا إلى الانضمام للاتفاق فورا في حال تم الاتفاق بين أعضاء أوبك بالإجماع.
بالتالي نجد أن أسعار النفط واصلت مكاسبها القوية على مدار اليوم بدعم من تصريحات وزير الطاقة السعودي خالد الفالح في وقت سابق بأن أعضاء أوبك سيتوصلون في فيينا إلى اتفاق بشأن الإنتاج، كما حافظت الأسعار على مكاسبها القوية بعد بيانات من إدارة معلومات الطاقة تظهر انخفاضاً مفاجئاً في مخزونات الخام الأمريكية.
وبعد أن فقدت أوبك هيبتها على مدى عقود ماضية فهذا الاتفاق يعيدها إلى الواجهة والى النجاح والاستقرار لسوق النفط كما سيساهم في مزيد من الاتفاقيات المقبلة مع الدول غير الأعضاء لتحقيق الاستقرار للسوق النفطية.
وكان السادة، في مؤتمره الصحفي، قد أكد أن أوبك لا تزال تقوم بما تأسست من أجله، وهي تقوم بدورها وتأخذ الحصة الكبرى من الخفض وستستمر في تواجدها، وأن ما تم التوصل إليه من اتفاق يعد إشارة جيدة على موقفها ووضعها القوي، فبدونها ما كان قد تم التوصل لهذا الاتفاق.
الدكتور عبد الرحمن محمد الذوادي الخبير الاقتصادي يرى أن الاتفاق هو ثمرة جهود قطرية لا تتمثل في الاتفاق وحده وإنما هو لجهود متراكمة في الفترات السابقة ترتكز على قاعدة سياسية كبيرة أسست لهذا المجهود، معتبراً أن قطر تعتبر مركزاً لجمع الفرقاء في العالم على مستوى الدول، سواء كان في فلسطين أو السودان أو غيرها.
ويرى الذوادي أن المهارات التي تتولد في جانب تنصب في جانب كذلك، فالمهارات طبقت في الجانب النفطي، إضافة لموقف قطر الإستراتيجي بين كبار مصدري النفط في العالم مثل السعودية وروسيا وإيران، بالتالي فإن الجمع بين الثلاثة الكبار، إضافة لزيارة صاحب السمو للجزائر باعتبارها دولة مستقلة في المنظمة، فكل هذه الجهود يجب وضعها في إطار واحد وهو تتويج هذه الجهود.
دبلوماسية قطر
الدبلوماسية القطرية كانت حاضرة في اجتماعات نوفمبر التي ستسجل في تاريخ الأوبك، وكان السادة قد أشار للعديد من الاجتماعات التشاورية التي سبقت اجتماع الاتفاق وأبرزها المؤتمر الرباعي في الدوحة فبراير الماضي والاجتماع الشهير في أبريل الذي تعثر فيه الاتفاق بسبب عدم موافقة دول مثل إيران ورغم ذلك يعتبر أكبر اجتماع ضم دولا من داخل وخارج أوبك (16 دولة).
وحسب حسن أمبارك، سفير جمهورية النيجر في الدوحة، فإن الدبلوماسية القطرية دائماً سباقة في حل القضايا، مضيفاً أنه كان قد ذكر من قبل أن قطر ستقوم بالوصول لاتفاق في اجتماعات الأوبك، وأن القيادة القطرية الحكيمة في إدارة القضايا هي خطوة صحيحة للنجاح في تثبيت الأسعار وإعادة التوازن لسوق النفط، وقطر لها دبلوماسية ناجحة على كافة الأصعدة وتعمل على تغليب المصالح المشتركة.
وأضاف السفير: نهنئ سعادة الوزير الدكتور السادة، على الوصول لهذا الاتفاق التاريخي والوصول لهذه النتائج الإيجابية، ومنذ الاجتماع الأول الذي عقد في الدوحة بمشاركة دول من خارج أوبك بات واضحاً أن هناك اتفاقاً في الطريق رغم العثرات، وهذا ما نعرفه عن قطر والدبلوماسية القطرية، فهي تجمع ما تفرق، والدبلوماسية الحكيمة التي ساعدت في هذا التقارب وهي جزء من الدور القطري الإقليمي والعالمي، وليس بغريب، فقد كانت قطر حاضرة في قضايا اخرى في دارفور ودول المنطقة والشعوب لا تقاس بأحجامها وإنما تقاس برجالها.
التزام الأعضاء
السؤال الذي يطرح نفسه، هل سيلتزم الأعضاء بهذا الاتفاق؟ هنا يرى الخبير الاقتصادي القطري الدكتور الذوادي أن الخروقات كانت كثيرة في الفترة الماضية ونتيجة لهذه الخروقات صار هناك ما يسمى الضرر الجمعي وكان في السابق يستفيد منها البعض.
والضرر عندما يكون شاملا للجميع، يرى الذوادي أن الالتزام والمصداقية تكون عالية حتى يتعافى الجميع من الضرر، ويضيف أن العالم الآن مقبل على فترة الشتاء وهي فترة طلب عالٍ على النفط وترتفع فيها الأسعار نتيجة لاستخدامه في التدفئة وهذه هي فرصة البترول في الارتفاع بعد الاتفاق ويحقق بداية جديدة في العام المقبل.
ويمضي القبيعي بأن دور السادة كان كبيرا جدا فالتوفيق بين دول أوبك كان جزءا من الإنجاز الذي تحقق وإقناع الدول بهذا الاتفاق ليس بالأمر الهين، ويضيف القبيعي: إذا كان التوفيق بين شخصين اختلفا بالأمر الشاق فما بالك بالتوفيق بين الدول التي ترعى مصالح شعوبها، فالسادة عمل على إبراز الإنجاز الكبير لدبلوماسية النفط القطرية التي تتم عادة بعيدا عن الأضواء ولكن تحقق ما يصعب تحقيقه وجعله واقعا ملموسا.
واعتبر محمد بن طوار الكواري، نائب رئيس غرفة قطر، أن رئاسة قطر للأوبك صاحبتها محطات واجتماعات تمخض عنها هذا الاتفاق التاريخي، واستطاعت قطر أن تقرب وجهات النظر من داخل وخارج أوبك وهذا الاتفاق هو نتيجة لاجتماعات سابقة في الدوحة سواء كان من اللجنة الرباعية أو اجتماع أبريل الماضي مروراً باتفاق الجزائر نفسه.
وأضاف الكواري أن الاتفاق يخدم المنتجين والمستهلكين واستطاعت عبره أوبك استعادة موقعها الطبيعي في سوق الطاقة العالمي، متمنياً أن يعود الاتفاق إيجاباً على المنطقة وسوق النفط لأنها تحتاج لهذا التعاون المشترك.
الدور السعودي
ويرى الخبير الاقتصادي السعودي القبيعي في إفادته لـ لوسيل أن السعودية كانت لها دور كبير بتقديمها التنازلات لتخفيض الإنتاج في الوقت الذي تقوم فيه بعض الدول بإنتاج الطاقة القصوى في سبيل الخروج باتفاق يعجل بتعافي أسواق النفط وخروجها من الركود عند 40 دولاراً، ويتابع القبيعي بأن السعودية نجحت بالفعل في إعادة التوازن. وعلى ذلك الاتفاق فيجب على كل الدول بـ أوبك وخارجها الالتزام بهذا الاتفاق حتى تحقق مكاسب في الدخل والوصول للسعر العادل لبرميل النفط لما يحققه من استقرار في سوق النفط كما سيعمل على تعافي السوق على المدى البعيد
اعتبر الكثير من الخبراء والمؤسسات الإعلامية أن إندونيسيا أحد أعضاء أوبك كانت كبش الفداء في اتفاق نوفمبر نظراً لأنها امتنعت عن الموافقة على خفض الإنتاج من جانب المنظمة، ولا أحد يستطيع أن يجزم متى ستعود إندونيسيا لحضن المنظمة مرة أخرى خاصة أنها استعادت تفعيل عضويتها أواخر العام الماضي.