لوسيل بمصنع للمواد الإنشائية : معدات متوقفة والخسائر عرض مستمر

لوسيل

محمد عبد العال


عشرات الآلاف من الأطنان من مخلفات الهدم والبناء، تراصت على جانبي طريق أسفلتي تهالكت طبقاته، يتفرع من مدخل مكب نفايات روضة راشد الذي يبعد نحو 45 كيلو متراً عن العاصمة الدوحة.
بضع دقائق قضاها السائق وهو يناور بمقود السيارة يميناً ويساراً لتفادي الحفر والمطبات التي صنعتها سيارات النقل الضخمة التي تفرغ حمولاتها في المكب بشكل يومي، قبل أن يصل إلى مدخل ساحة واسعة تعلوه لافتة اختفت خلفيتها البيضاء وراء طبقة خفيفة من الغبار مدون عليها عبارة أهلا بكم في مصنع إعادة تدوير المخلفات الإنشائية .
كما ترى أنت تجلس في مقر المصنع الوحيد في دولة قطر الذي يعمل في مجال إعادة تدوير مخلفات الهدم والبناء، لكن العمل متوقف الآن انتظاراً لتجديد العقود ، قالها الخمسيني سليم كوتي، مدير المصنع، وهو جالس في مكتبه البسيط داخل أحد الكرافانات التي تبعد أمتار قليلة عن تلك البوابة.

ووقعت شركة المواد الإنشائية، التابعة لتحالف لافارج هوليسم (قطري فرنسي سويسري)، في سبتمبر من عام 2013 عقداً مدته 3 سنوات مع وزارة البلدية والبيئة (البيئة آنذاك) للاستثمار في تدوير هذا النوع من المخلفات، برأسمال قدره كوتي بنحو 30 مليون ريال.
ويعمل في إعادة تدوير تلك المخلفات بمنطقة روضة راشد تحالف يضم 4 شركات خاصة هي (المواد الإنشائية المحاجر القطرية ريدي ميكس قطر - قطر لصناعة الخرسانة سابقة الإجهاد) يتبع مجموعة مستثمرين قطريين وأجانب من خلال 4 عقود مع الوزارة.
كوتي الذي يتولى مسؤولية الإشراف على الشركات الأربعة التابعة للتحالف والعاملة في منطقة روضة راشد، يقول إنه منذ نهاية التعاقد في الثالث والعشرين من شهر أغسطس الماضي، أوقفت شركة المواد الإنشائية العمل في الموقع المخصص لها والذي يبلغ عدد طاقمه التشغيلي والإداري 125 شخصاً، لحين الموافقة على تجديده من قبل الوزارة.
هذا الروتين أمر غير مشجع، حتى اليوم لم نحصل على الموافقة، وكلما زادت مدة انتظارنا كلما ارتفع حجم الخسائر، خاصة أننا مستمرون في دفع الرواتب للعمالة التي صار وجودها مهدداً ، هكذا قال المدير المسؤول وهو يرتشف كوباً من الشاي تتصاعد منه الأبخرة الساخنة.

استثمار بحثي
يضيف كوتي بينما يهم بمغادرة المكتب: هذا التعاقد يعد الأول لنا وهو استثمار بحثي بالنسبة لشركتنا، خسرنا الكثير من المال فعلياً ولم نحقق أرباحاً، لكن إذا حصلنا على عقود بفترة أطول سنجني مكاسب، وسنسهم في خفض قيمة الفاتورة التي تتكبدها الدولة لاستيراد مثل هذه المواد من الخارج .3 مراحل للتدوير لا تتوفر لدى كوتي الإحصاءات الكاملة بشأن إنتاج المصنع الذي تبلغ طاقته الاستيعابية 3 ملايين طن سنوياً، لكنه يقول إن حجم المواد المعاد تدويرها المنتجة خلال العام الأخير من العقد، يقدر بنحو 1.2 مليون طن.

ويتراوح سعر الطن من تلك المواد المنتجة بين 20 إلى 40 ريالاً أي أن قيمة إنتاج المصنع خلال العام الأخير في العقد تراوحت بين 24 و48 مليون ريال.
يقول كوتي بينما يترجل من سيارته التي استقرت وسط موقع العمل الرئيسي بالمصنع الذي بدا خالياً من أي نشاط أو حركة: هنا يقع الجزء المتعلق بتدوير مخلفات البناء والهدم .بخطوات حذرة يسير المسؤول الأول عن المصنع وسط طبقات كثيفة من الرمال الناعمة التي تتطاير ذراتها في الهواء، قبل أن يتسلق سلماً حديدياً صغيراً يتدلي من جانب كابينة خضراء اللون لإحدى المعدات الضخمة.
هذا الجزء يطلق عليه محطة الفرز اليدوي، حيث يسمح فقط بمرور الحصى والحجارة على السير وغير ذلك من أوراق أو أخشاب يتم استبعاده يدوياً عبر فتحات تطل مباشرة على الأرض ، قالها كوتي وهو ينفض طبقة الغبار المتراكمة على يديه بفعل تسلقه للسلم.
يضيف: يحتوي المصنع على خطي إنتاج لتدوير مخلفات الهدم والبناء، وكل خط منهما يتكون من 3 مراحل، هم على الترتيب محطة الفرز اليدوي، ثم المغناطيس الذي يستبعد الأجزاء المعدنية، قبل الوصول إلى جهاز البلاور في المرحلة الثالثة والأخيرة حيث يتم تنظيف الأحجار والحصى من أية مواد بلاستيكية أو ورقية عالقة .
تبلغ الطاقة الاستيعابية لكل محطة من هاتين المحطتين نحو 250 ألف طن شهرياً بمعدل يومي يقدر بنحو 8.5 ألف طن، وفقاً ل كوتي .
وتشير إحصاءات إدارة النفايات بوزارة البلدية والبيئة، إلى أن ذلك التحالف يقوم بإعادة تدوير نحو 1402 طن يومياً.

التزام بالمواصفات
لا يقتصر نشاط المصنع الذي يقع على مساحة 615 مترا مربعا، على معالجة مخلفات الهدم والبناء فقط، بل يضم في جزء منه مساحة خاصة بإعادة تدوير الأسمنت وفوائض الخرسانة الزائدة عن حاجة المشاريع الإنشائية المنفذة في الدولة، وفقاً ل كوتي .
ويقول سليم: نسوق الإنتاج مباشرة في السوق المحلي حيث يستخدم في مشروعات الطرق والرصف، ونلتزم بالمواصفات القياسية الموضوعة من جانب الدولة في إنتاجنا لضمان إنجاح عملية التسويق .
وتتولى الهيئة العامة للمواصفات والتقييس التابعة لوزارة البلدية والبيئة، وضع تلك المواصفات، وإجراء اختبارات للمواد المنتجة في المصنع للتأكد من مطابقتها للشروط.

نجاح مشروط
لكن كوتي ، يعتقد أن نجاح هذا النوع من الاستثمار يتطلب تنفيذ الدولة لعدة إجراءات وصفها ب التحفيزية ، أبرزها زيادة فترة التعاقد من لتصبح 10 سنوات بدلاً من 3 أعوام، وخفض الرسوم المقررة على المواد المنتجة المباعة، فضلا عن التأكد من وجود خبرات سابقة لدى الشركات المتقدمة للمناقصات.
يبرر سليم مطالبه تلك بقوله: العقد يجب أن يكون طويل المدة وليس 3 سنوات لأننا استغرقنا عاما كاملا في تجهيز البنية التحتية لموقع العمل، وبالتالي لم نعمل سوى عامين فقط، لمصلحتنا ولمصلحة الدولة زيادة المدة وهذا هو المتبع في عقودنا في كثير من الدول التي نعمل فيها مثل المملكة المتحدة وغيرها .
يضيف: الرسوم التي ندفعها للوزارة على مبيعاتنا من المواد المعاد تدويرها مرتفعة للغاية، علماً بأن الدول الغربية تفرض هذه الرسوم على الكسارات الضارة بالبيئة وليس على عمليات إعادة التدوير لتشجيع الاستثمار في هذا المجال .
عند طرح مناقصات أو مزايدات للاستثمار في القطاع يجب مراعاة الخبرات السابقة للشركات المتقدمة وليس النظر إلى أقل الأسعار المطروحة من جانبها فقط، لأن هذا الأمر يضر بالدولة أكثر مما يفيدها ، قالها كوتي وهو يعدل من جلسته داخل سيارته الضخمة، قبل أن يهم بمغادرة الموقع.