الفساد ظاهرة ارتبطت بسوء استخدام السلطة وهي منتشرة في كل البلدان بنسب متفاوتة، ودائما ما تزداد انتشاراً وتصبح دولة داخل الدولة تتحكم في مساراتها الاقتصادية والسياسية وتؤثر على تطورها الاجتماعي في البلدان المضطربة سياسياً والفاشلة.
الفساد هو إساءة استخدام السلطة الرسمية الممنوحة سواء في مجال المال العام أو النفوذ أو التهاون في تطبيق النظام أو المحاباة وكل ما يضر بالمصلحة العامة وتعظيم المصلحة الشخصية.
أسباب الفساد:
سياسية: ضعف مؤسسات المجتمع المدني، ضعف تطبيق الأنظمة، عدم الشفافية وعدم ايضاح حقوق الأفراد وواجباتهم.
اجتماعية: السلوك والعادات والتقاليد والموروثات الاجتماعية وكذلك ما يحدث في المجتمع من كوارث وأزمات تخلق آثارا مدمرة في المجتمع من فقر وحاجة وأحياناً سلوك ينافي مبادئ المجتمع الصالح.
اقتصادية: إن الأوضاع الاقتصادية التي يمر بها المجتمع نتيجة الحروب والصراعات والكساد والحصار الاقتصادي من بعض السياسات الدولية وارتفاع تكاليف المعيشة جميعها تؤدي إلى ممارسة أنواع من الفساد الإداري والمالي.
مظاهر الفساد:
للفساد مظاهر كثيرة ومتباينة ومتعددة على سبيل المثال الرشوة، إقصاء الكفاءات المؤهلة، المحسوبية، التكسب من وراء الوظيفة العامة.
المحاباة، استغلال الممتلكات العامة، الواسطة على حساب الغير، إساءة استخدام السلطة الرسمية، استغلال النفوذ، عدم المحافظة على أوقات الدوام الرسمي، الاستيلاء على المال العام، الابتزاز، وضع الشخص المناسب في غير المكان المناسب، التهاون في تطبيق الأنظمة والتشريعات أو تطبيقها على البعض دون الآخر.
2 تريليون دولار خسائر العالم بسبب الرشاوى
قال صندوق النقد الدولي إن الفساد بالقطاع العام يكبد الاقتصاد العالمي خسائر 1.5 تريليون إلى تريليوني دولار سنويا في صورة رشاوى ويتسبب في تكاليف ضخمة أكبر تتمثل في إضعاف النمو الاقتصادي وفقدان إيرادات ضريبية واستمرار الفقر.
وفي ورقة بحثية جديدة قال الصندوق إن مكافحة الفساد أمر مهم لاستقرار الاقتصاد الكلي وهو إحدى المهام الرئيسية لتلك المؤسسة الدولية.
ويقول الصندوق إن إستراتيجيات مكافحة الفساد تتطلب شفافية وإطار عمل قانونيا واضحا وملاحقات قضائية ذات مصداقية وخططا قوية لتقليص القواعد التنظيمية.
وقالت كريستين لاجارد مديرة الصندوق في مقال مرفق بالورقة البحثية: في حين أن التكلفة الاقتصادية المباشرة للفساد معروفة جيدا فإن التكلفة غير المباشرة ربما تكون أكبر وأكثر استنزافا .
وأضافت: الفساد له أيضا تأثير ضار أوسع نطاقا على المجتمع. إنه يقوض الثقة في الحكومة ويضعف المعايير الأخلاقية لدى المواطنين.
تزايد الفساد في الدول العربية
كشف تقرير لمنظمة الشفافية الدولية يشمل تسع دول عربية عن تزايد الفساد في هذه الدول، مع التشديد على الوضع في لبنان واليمن.
وأشار تقرير صادر عن منظمة الشفافية الدولية العاملة في مكافحة الفساد إلى أن 61% من مواطني الدول المعنية - وهي اليمن ومصر والسودان والمغرب ولبنان والجزائر وفلسطين وتونس والأردن - يرون أن الفساد ازداد انتشارا خلال السنة الماضية، غير أن البيانات تتفاوت بشكل كبير بين مختلف البلدان.
وتصل نسبة الذين يعتقدون أن الفساد ازداد في لبنان إلى 92% وفي اليمن 84% والأردن 75% مقابل 28% في مصر و26% في الجزائر.
وأقر 77% من المستطلعة آراؤهم في اليمن و50% في مصر بأنهم دفعوا رشوة لقاء خدمة عامة مقابل 9% في تونس و4% في الأردن.
بوب: الفساد في السودان توغل داخل مفاصل الدولة واستشرى كما السرطان
يرى البروفيسور عصام عبد الوهاب بوب الخبير الاقتصادي أن الحكومة السودانية لم تتخذ إجراءات كافية لمكافحة الفساد في ظل ما وصفه بالفساد المؤسسي المستشري في الاقتصاد السوداني.
وقال في تصريح لـ لوسيل إن الفساد في السودان توغل في داخل مفاصل الدولة واستشرى كما يستشري السرطان، وقال إن مكافحته الآن غير كافية وإنما استئصاله وهذا يعني تغييرا كليا في الإدارة الحكومية فالقوانين وحدها لا تفي للوضع في السودان لأن القواعد والتشريعات أصلا موجودة في كتب إدارة الدولة منذ عقود ولكن تطبيقها هو المشكلة الحقيقية.
وأضاف أن الأثر الناتج عن تفشي الفساد في السودان كان مدمراً بالأخص على المؤسسات الاقتصادية، وقال: من الأمثلة التي أضربها للفساد الخطوط الجوية السودانية وبيع خط هيثرو بلندن ومشروع الجزيرة العملاق الذي عاش السودان على ريعه لعقود طويلة تم تدميره بصورة هيكلية منظمة وأصبح عائلا على الدولة الى جانب دمار الخطوط البحرية والسكة الحديد وكانا يساعدان في نقل الصادرات السودانية إلى مختلف موانئ العالم.
وأكد الدكتور محمد الفتح بيك المدير السابق لديوان الحسابات القومي لـ لوسيل أن أخطر أنواع الفساد في السودان هو الفساد الإداري، بسبب غياب جسم ينسق ويحدد الأدوار والمهام بين الخطة الحكومية والمؤسسات التي تنفذها ويراقب الأداء.
واعتبر ذلك أكبر حلقة فارغة في الدولة السودانية بسبب انعدام النظم الضابطة وقال: من هذا الباب تم إهدار أموال ضخمة وخسر الاقتصاد موارد كبيرة، وقال إن الإجراءات التي اتخذتها الدولة من إنشاء مفوضية لمحاربة الفساد أو إنشاء ديوان المراجع القومي ومركزية المراجعين، إجراءات شكلية معكوسة ينبغي أن يسبقها وجود جسم منسق وأنظمة.
وقال: الوزير حين يتم تعيينه في أي وزارة في السودان لا يجد خطة واضحة بل ينفذ ما يراه هو مناسباً وأحياناً كثيرة يلغي كل المشاريع التي بدأها سلفه، وقال بيك: إن الحديث عن التعدي على الأموال العامة يمثل نسبة ضيئلة من حجم الفساد الناتج عن الفساد الإداري، وتوقع فشل الحكومة في السيطرة على الفساد بأنواعه المختلفة لأن فساد الخطة الإستراتيجية هو الأخطر وغياب جسم يحدد العلاقات الأفقية والرأسية مشكلة أساسية لوجود الفساد.
حمادوش: 17.7 مليار دولار حجم الفساد في الجزائر
قال الخبير الاقتصادي محمد حمادوش لـ لوسيل إنه يجب الإقرار أولا أنه لا يوجد نسبة صفر بالمائة فساد في أي دولة في العالم، لكن الذي حصل في الجزائر أن رائحة الفساد تفوح من كل مكان وفي كل القطاعات منذ اعتماد البلاد نظام اقتصاد السوق، لكنه استفحل بشدة خلال العشرية الأخيرة مسجلا رقما رهيبا.
والرقم الذي بحوزتي يكشف أن حجم الفساد يبلغ 17.7 مليار دولار سنويا، وهو رقم فظيع ومقلق في آن واحد .
وأضاف: أصل الفساد يأتي من القطاع العام (الحكومي) حيث يتم إجراء الصفقات العمومية بالرشاوى والعمولات، لذلك كل ما كان وزن القطاع العمومي أو الإداري في الاقتصاد ثقيلا كلما استعصى على الدولة محاربة ظاهرة الفساد لأنها أصبحت متشعبة . ويرى الخبير الاقتصادي أن علاج الظاهرة يكمن في اتخاذ بعض الإجراءات كتقليص العبء على القطاع العمومي عبر اعتماد الخصخصة والشفافية عن طريق البورصة وفق مخطط متوسط وطويل الأجل.
ذلك معناه اعتماد الشفافية في الأرقام والميزانية والنتائج المالية وكذا الإدارة أو المناجمنت. وأضاف: في حال إجراء الصفقات العمومية وجب أن يكون فتح الأظرف أمام عامة الناس، وفي حال وجود نزاع أو إشكال عند تقييم الأظرف بسبب اختلاف في قراءة بنود دفتر الشروط (تقنيا وماليا) وجب التوجه للمحاكم الإدارية بالإضافة إلى إلزامية نشر نتائج تقييم الأظرف عبر مختلف وسائل الإعلام.
ويحتوي هذا النشر على النتائج وطريقة حسابها . ويدعو الخبير الاقتصادي محمد حمادوش إلى اعتماد نظام ضريبي فعال من خلال إخضاع كل شخص، سواء كان طبيعيا أو معنويا للضريبة، بحيث يكون التصريح الضريبي سنويا سواء للأشخاص الطبيعيين المقيمين بصفة دائمة أو مقيمين بصفة مؤقتة تفوق 364 يوما خلال 3 سنوات.
كما على الهيئات المختصة في التحري على المعلومات المالية والاقتصادية (مديريات الضرائب والتجارة والجمارك والدرك والمخابرات والبنوك) تفعيل دورها في البحث عن مصدر الثروة لتحويل المشتبه بهم في الغش الضريبي أو التهرب عن دفع الرسم على القيمة المضافة إلى المحاكم.
كما على محافظي وخبراء الحسابات المعنيين بالتصديق على حسابات الشركات إيداع شكوى أمام المحاكم المعنية وإلا اعتبروا متواطئين معهم.
250 بليون دولار خسائر نتيجة الفساد
أكدت هيئة النزاهة في العراق، أن خسائر العراق خلال السنوات الخمس الأخيرة التي أعقبت سقوط النظام السابق، نتيجة الفساد الإداري والمالي بلغت 250 بليون دولار، ووصفت هذه النتيجة بالكارثية بين بلدان العالم، واعتبرت الهيئة أن الأمانة العامة لمجلس الوزراء البؤرة الأخطر للفساد، فيما احتلت وزارة الدفاع مرتبة متقدمة بين الوزارات في هذا المجال، بحسب جريدة الشرق الأوسط. وتعتبر مشكلة الفساد المالي والإداري الذي تعاني منه مؤسسات عديدة في الدولة العراقية الجديدة عائقا كبيرا وتحديا صعبا يقف أمام ازدهار وتقدم البلاد، ومما يعزز هذا الاعتقاد تواتر التقارير والأبحاث الدولية مؤخرا التي تضع العراق في مرتبة دنيا في سلم الدول المبتلية بهذه الآفة الخطيرة، ففي جداول الفساد في العالم التي تصدرها منظمة الشفافية العالمية يظهر العراق في المرتبة ما قبل الأخيرة للدول، كما أنه يقف في المرتبة الثانية في سلم الدول الفاشلة، بعد السودان، والمتضمن تقييم الأوضاع في 177 دولة وفق معايير ومؤشرات اقتصادية واجتماعية وأمنية وغيرها.
خبراء: قصور التشريعات ومواجهة الفساد في مصر ضعيفة
اعتبر الخبير الاقتصادي شريف دلاور، في تصريحات لـ لوسيل أن الأموال المجمدة في سويسرا هي النزر اليسير في هذا الملف المعقد، لكنه رأى أن جزءا كبيرا من الأموال المهربة غير معلومة، بعدما مرت عبر قنوات معقدة يصعب تتبعها، في إشارة إلى مناطق اشتهرت بغسل الأموال خارج طائلة القانون الدولي مثل ليخنشتاين وإمارة موناكو.
ويلقى دلاور باللائمة في علاج الأزمة على قصور التشريعات والرقابة الإعلامية التي أفرزت مثل هذا النوع مما أسماه الفساد الكبير . من جانبه يقول الخبير الاقتصادي ممدوح الولي: إن صور الفساد متعددة منها الصغير والكبير، ومن صور الفساد الصغير ما يقوم به بعض صغار الموظفين من تحصيل الإتاوات والرشاوى مقابل تقديم الخدمة، بجانب الموظفين الذين يحصلون على أموال من الباعة الجائلين، وغيرهم الذين يقومون بفرض إتاوات على محلات البقالة، وغيرهم كثيرون ينتشرون في أنحاء البلاد.
وأضاف الولي في تصريحات خاصة لـ لوسيل ، أن الفساد الكبير له صور كاحتكار استيراد بعض السلع الأساسية مثل اللحوم والزيت والقمح والذرة والأخشاب وغيرها، وأوضح الولي أنه بالرغم من وجود أكثر من 12 جهازا رقابيا، منها جهاز المحاسبات والرقابة الإدارية والبرلمان ومباحث الأموال العامة وجهاز الكسب غير المشروع، إلا أن إجراءات مواجهة ومكافحة الفساد ما زالت شكلية وغير جادة وضعيفة.