أدلى الناخبون في قطر بأصواتهم في أول انتخابات تشريعية لاختيار ثلثي أعضاء مجلس الشورى، وقبل الخوض في التجربة الأولى للانتخابات وتفاصيلها، لابد من التأكيد على أن الفائز الأول في هذه التجربة هو الشعب نفسه، فلا مجال للخسارة امس، حتى من خرج من سباق التنافس على مقاعد الشورى، فقد فاز وتعلم من التجربة الاولى، فقد شهدت لجان الاقتراع الثلاثون المنتشرة في جميع أنحاء البلاد إقبالا كبيرا من جميع فئات المجتمع وسط فرحة عارمة بهذا العرس الديمقراطي الكبير، وسط سهولة الإجراءات والتنظيم الرائع من قبل وزارة الداخلية والمجلس الأعلى للقضاء والجهات ذات الصلة، كما شهدت عملية الاقتراع مشاركة كبيرة للمرأة، حيث توجهت آلاف النساء للإدلاء بأصواتهن واختيار مرشحيهن.
وتمثل انتخابات مجلس الشورى نقلة نوعية في مجال العمل التشريعي في البلاد، من خلال توسيع المشاركة الشعبية. وهذا اليوم تاريخي، حيث يشهد أول انتخابات لمجلس الشورى منذ تأسيسه عام 1972، ومن المؤكد أنه سيعزز بصورته الجديدة من تحقيق طموحات وآمال الشعب، وسيعمل على إيصال هموم المواطنين بكل شفافية إلى متخذي القرار، وسيرفع من أداء الحكومة.
سيكون الثاني من أكتوبر 2021 ذا مكانة خاصة في تاريخ قطر، فهو من جهة يجسد الإرادة الحكيمة والرؤية السديدة لحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، التي تستهدف ترسيخ بناء دولة القانون والمؤسسات انطلاقا من الأهمية التي يوليها سموه لتعزيز تقاليد الشورى القطرية وتطوير عملية التشريع بمشاركة أوسع من المواطنين، وبما يكفل مشاركة الجميع في مسيرة التنمية والتطوير والتحديث التي يقودها سموه.
ومن جهة أخرى، إنجاز تاريخي، لركيزة من ركائز الحكم العادل، بما يعزز النظام الديمقراطي الراسخ والمتجذر في بنية المجتمع الذي وضعت له قيادتنا الرشيدة الأسس القانونية بموجب الدستور الدائم للدولة الصادر عام 2004.
تحتاج التجربة الأولى لانتخابات مجلس الشورى إلى إجراء العديد من الدراسات لرصد كافة نتائجها، لاستفادة الأجيال المقبلة من هذه التجربة الجديدة والمنظمة، وفقا لأفضل المعايير الدولية المعمول بها في العمليات الانتخابية أو الاقتراع، ومن الدراسة يمكن تحديد عدة محاور مهمة يمكن استخراجها من تلك التجربة كمؤشرات أولية على النجاح الكبير لانتخابات الشورى، في مقدمتها نسب إقبال المواطنين على الاقتراع، فقد سجلت أول انتخابات للشورى في البلاد، سواء من حيث الناخبين أو المرشحين، إقبالا شعبيا على التسجيل للانتخاب والترشيح، وتنوع الخبرات والكفاءات الي تقدمت لعضوية المجلس يعكس التطلعات لإثراء المجلس المنتخب ورفده بنخبة من الكوادر من مختلف الأعمار والمستويات العلمية والمهنية، التي ستبني على ما قدمه الأعضاء السابقون في المجلس من عطاء وإسهام في مسيرة تنميتنا الوطنية.
ومن المؤكد أن الإقبال على التصويت عبر صناديق الاقتراع في أول انتخابات حرة مباشرة لمجلس الشورى، سيعزز مستقبلا من دور المُشاركة الشعبيّة في عملية سنّ القوانين والتشريعات التي تهمّ المواطنين وتُحقق طموحاتهم في مزيد من التقدّم والازدهار، وهو ما لمسناه فعليا، فقد شهدنا تفاعلا واسعا حظيت به الانتخابات من قبل المواطنين رجالا ونساء، بما يؤكد مضي الدولة في طريق المشاركة الشعبية الذي اختارته ونصت عليه في الدستور، بما يؤسس لمرحلة جديدة من الإصلاح والمشاركة الشعبية في التشريع وصنع القرار.
أيضا، من محاور تلك الدراسة، العملية المحكمة للإعداد للانتخابات، فقد حرصت اللجنة المشرفة على الانتخابات على تنظيم محكم وإعداد متكامل لعملية انتخابية فريدة وناجحة، بما في ذلك إعداد القوانين اللازمة للعملية الانتخابية، بالاضافة إلى تشكيل لجان إشرافية ولجان تنفيذية معنية بالانتخابات، واقتراح البرنامج الزمني لعملية انتخاب أعضاء المجلس، وإعداد منظومة قانونية قطرية متكاملة أسهمت في تنظيم العملية الانتخابية بيسر وسهولة وشفافية.. كل تلك العوامل كانت بوادر على نجاح العملية الانتخابية حتى قبل بدء الاقتراع.
وهنا لابد من التأكيد مرارا وتكرارا، أن قطر كانت أمس على موعد جديد مع صناعة التاريخ، فمجلس الشورى المنتخب قفزة نوعية في تعزيز المُشاركة الشعبيّة في عملية صنع القرار، وهو ما بدا واضحا من زيادة الوعي بين الناخبين والناخبات بأهمية هذه الانتخابات غير المسبوقة في تاريخ قطر، ومحورية المُشاركة الإيجابيّة والفعّالة من الجميع في رسم معالم هذه التجربة الخالدة.
انتخابات مجلس الشوى ثاني تجربة انتخابات حرة في البلاد بعد انتخابات المجلس البلدي المركزي، وتجسد رغبة القيادة الحكيمة في توسيع المشاركة الشعبية في اتخاذ وصنع القرار، والمضي قدما في مسيرة الإصلاح التي تنتهجها، وتتويج هذا المسار بمجلس تشريعي يتمتع بسلطات تشريعية أوسع، يقر من خلالها السياسات العامة، ويصدق على الاتفاقيات الدولية، ويراقب الميزانية وأداء الحكومة، ويشرع القوانين، وغيرها من المهام التي تعزز الفصل بين السلطات.
وبخلاف أهمية الانتخابات، كونها أول انتخابات لمجلس الشورى، فهي بمثابة استحقاق وطني يشكل قفزة نوعية لتعزيز المشاركة الشعبية في صنع القرار، واختيار المرشح القادر على خدمة الوطن والمواطن، وهو ما يعكسه العدد الكبير من المرشحين للفوز بعضوية مجلس الشورى للمنافسة القوية على خدمة هذا الوطن ونهضته وإعلاء شأنه، وإنجاح هذه التجربة وجعلها نموذجا يحتذى في المنطقة.
أيضا من النتائج الايجابية للتجربة الاولى لانتخابات مجلس الشورى، العاملون على الانتخابات، كل في قطاعه وتخصصه، فقد كان هناك تجانس وانسجام تام بين كافة أجهزة الدولة المعنية بالعملية الانتخابية، سواء داخل المقار الانتخابية أو خارجها أو الرقابة على أداء المرشحين، وأيضا الرقابة على عملية الانتخابات ذاتها، كل ذلك يدفعنا إلى ضرورة الأخذ بعوامل النجاح في هذه التجربة الفريدة كنموذج يحتذى به مستقبلا في التنظيم والإشراف.